أعطاب وتأخيرات متكررة.. لعنة “سيزيف” تلاحق القطار المتوجه من البيضاء إلى الجديدة!

euromagreb18 سبتمبر 2025آخر تحديث :
أعطاب وتأخيرات متكررة.. لعنة “سيزيف” تلاحق القطار المتوجه من البيضاء إلى الجديدة!

اورو مغرب

مصباح أحمد – الجديدة

هل هي لعنة “سيزيف”؟! اللعنة التي تلاحق في الميثولوجيا الإغريقية، هذا الملك الماكر الذي تحدى وخدع “إله الموت ثانتوس”، فعاقبته “الآلهة”، في رمز للعذاب الأبدي والكفاح العبثي، بدحرجة صخرة ضخمة إلى قمة الجبل، لتتدحرج فور وصولها، إلى الأسفل؛ مما يجبره على تكرار هذه الدورة “التيتانومية” (titanesque)، إلى ما لا نهاية!

إنها صورة خيالية مستوحاة من الأسطورة اليونانية، وكأنها تجسيد لمعاناة المسافرين، ركاب القطار، الذي يربط ذهابا وإيابا بين محطتي الدارالبيضاء والجديدة. معاناة ما فتئت تبعاتها تتكرس على أرض الواقع، جراء أعطاب وتوقفات وتأخيرات هذا القطار المتكررة، دون سابق إشعار أو إنذار، في منتصف الطريق، وحتى تحت جنح الظلام. هذا “القطار المكوكي السريع”، الذي بات البعض يصفه باستهزاء وفي ردة فعل غاضبة ومستنكرة، “قطار الخردة”!

هذا، فإن المسافرين المتوجهين، مساء السبت 13 شتنبر 2025، من العاصمة الاقتصادية إلى عاصمة دكالة، على متن القطار 817، كانوا على موعد مع رحلة معاناة وعذاب، تذكر فصولها بأحداث المسلسل التلفزي “ساعة في الجحيم”.

فرحلة القطار هذا، قد انطلقت من محطة الدارالبيضاء–الميناء، على الساعة الثامنة و30 دقيقة، من مساء السبت الماضي؛ إذ كان من المفترض والمفروض أن تصل إلى وجهتها المحددة، مدينة الجديدة، على الساعة العاشرة و5 دقائق، بعد أن يكون القطار قطع، في ظرف ساعة و35 دقيقة (95 دقيقة)، المسافة بين المحطتين، يناهز طولها 113 كيلومترا، والتي من المرجح أن يقطعها هذا القطار “المكوكي السريع”، في حوالي ساعة و9 دقائق (69 دقيقة).

القطار لم يصل إلى وجهته النهائية، عاصمة دكالة، إلا في حدود الساعة الثالثة والنصف من صبيحة اليوم الموالي، الأحد 14 شتنبر الجاري؛ تأخير جاء جراء عطل متعمد في مولد للكهرباء، بين محطتي النواصر والعسيلات، يكون عقبه تخريب، حسب ما صرح مصدر، في شبكة الأسلاك الكهربائية النحاسية، المثبتة على طول خط السكة الحديدية، بعد أن قطع لصوص عنها التيار الكهربائي، وعرضوها للسرقة والإتلاف، قبل أن يتبخروا في الطبيعة تحت جنح الظلام.

هذا، وقد عاش الركاب في يقظتهم كابوسا مخيفا، ولحظات ذعر وهلع، خلال فترة توقف ووقوف القطار الاضطراري ليلا في أرض خلاء، بعيدا عن أي تجمع سكني، وفي غياب أية مرافقة أمنية، أو مواكبة لهم في مسرح النازلة، من قبل موظفي وأعوان المكتب الوطني للسكك الحديدية.

ومما زاد من قلق وتوتر المسافرين، التكتم الشديد والصمت المطبق، في غياب تام للمعلومة، التي هي “حق دستوري”، أو لأجوبة عن استفساراتهم الملحة.. ناهيك عن عدم توفر الماء والأكل، سيما أن ضمن الركاب الذين تقطعت بهم السبل، وكانت نفسياتهم مهتزة، من يعانون من أمراض مزمنة، وهم على إثرها في حاجة إلى ظروف الراحة والسكينة، وإلى تناول الأدوية في موعدها المحدد.

إلى ذلك، فرغم تكبدهم عناء الرحلة الشاقة، ووصولهم إلى مدينة الجديدة، فإن الركاب تفاجأوا بعدم وجود وتوفر وسائل نقل عمومية، تقلهم إلى مساكنهم، في ساعة متأخرة من الليل؛ ما اضطرهم للسير على أقدامهم، تحت جنح الظلام. كما أنهم، وباستثناء دورية استطلاع أمنية، كانت تجوب ليلا القطاع، للسهر على استتباب الامن والنظام في الشارع العام، لم يجدوا في انتظارهم، بعد أن وطأت أرجلهم رصيف المحطة، والنزول عبر أدراجها، أي مسؤول من السلطات والمتدخلين، لمواساتهم وتقديم الاعتذار لهم، أو لمرافقتهم النفسية، أو حتى على الأقل مدهم بقنينات ماء وأكلات جاهزة، يصدون بها الرمق، عقب إمساك اضطراري لوقت طويل، عن الطعام، في ظروف نفسية متأزمة.

هذا، فإن حادث العطل والعطب الحاصل لرحلة القطار817، يجر إلى طرح تساؤلات واقعية وقانونية، يتعين على القائمين على تدبير الشأن العام، والمسؤولين وفي طليعتهم المكتب الوطني للسكك الحديدية، الإجابة عنها، من أجل الحد من حدوث وتكرار أعطاب وتأخيرات القطار مستقبلا، على غرار ما بات “شبه مألوف” لدى الركاب، وذلك من خلال تدخلات عملاتية وميدانية، تكون ملموسة، واستباقية، أو أثناء حصول العطب، وليس فقط من خلال إصدار بيانات وبلاغات، هي عبارة عن حبر على ورق، سرعان ما تجد طريقها المناسب إلى رفوف المحفوظات و”الأرشيف”، الي تعج به الإدارة المغربية، في زمن وعصر الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، والأنظمة الإلكترونية؛ تساؤلات ضمنها، في حال ما إذا كان عطل القطار 817، ناجما عن عطب أو تخريب في المولد الكهربائي.. تساؤلات كالتالي:

*ألا يمكن لمكتب السكك الحديدية أن يوفر مولدات بالوقود أو بطاقات بديلة أو أخرى، بغية تدبير استباقي لتجهيز مولداته الكهربائية بالطرق الحديثة، لتعويض انقطاعات الكهرباء المفاجئة، في الحالات الطارئة..؟

*لماذا لا يوفر المكتب، على مستوى كل محطة من محطات توقف القطار، على طول مساراته على السكة الحديدة، قاطرات تعمل بالوقود، يمكن اللجوء إلى خدماتها، لجر أي قطار يتعرض أو يحصل فيه عطب تقني..؟ مع إثارة انتباه كل من يهمه الأمر، إلى أن هذه القاطرات كان يتم تشغيلها في الماضي.. إذ أنه لو تم الاعتناء بها وصيانتها، لكانت تنفع وتفي، في الظروف الراهنة، بالغرض المطلوب!

*فلماذا لم يوفد مكتب السكك الحديدية، ليلة السبت الماضي، حافلات الى مكان توقف القطار، لنقل الركاب، بتنسيق فعلي وفعال، في تدخل سريع وناجع، مع المتدخلين والسلطات المحلية والأمنية، صاحبة الاختصاص الترابي؟

*ولماذا لم يتم على وجه الاستعجال تشكيل خلية أو لجنة، للتواصل وتسيير الأزمة والطارئة، التي تكون وضعت المسؤولين، كل من موقع مسؤوليته وتدخله، على المحك.. أمام مسؤولياتهم، سيما أنهم من المفترض والمفروض، حماة الوطن هؤلاء، المعبؤون على قدم وساق 24 ساعة/24 ساعة، أن يكونوا أخذوا لتوهم علما بوقائع النازلة، اللهم إلا من كان منهم “خارج التغطية” أو هاتفه النقال “غير مشغل”، أو كان “يغوص في نوم عميق”؛ هذه النازلة التي تكون حصلت بالمناسبة في ساعة مبكرة من ليلة السبت الماضي، تزامنا مع أول يوم من عطلة نهاية الأسبوع؟!

هذا، وفي إطار الحق في الوصول والحصول على “المعلومة”، الذي نصت عليه مقتضيات الفصلين 27 و28 من الدستور، وكذا، مقتضيات المادة 6 من القانون رقم: 13-88، المتعلق بالصحافة والنشر، حاولت الجريدة الاتصال بإلحاح مرات متكررة (7 مرات) بإدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية بالجديدة، على هاتفه الثابت: 24-57-35-23-05، قصد الاستفسار واستجلاء حقيقة ما وقع، ولتنوير الرأي العام، وتقيدا بمبدأ “الرأي والرأي الآخر”، كما تنص عليه أدبيات وأخلاقيات قانون الصحافة والنشر.. غير أن الهاتف ظل يرن ولا من يجيب!

إن الجديديين، ومن يترددون أو دأبوا على زيارة مدينة الجديدة، على متن القطار، باعتبارهم مواطنين مغاربة، مواطنين ليس من الدرجة الثانية، إذ يحملون هذه “الصفة الدستورية المقدسة”، صفة المواطنة، بكل ما تحمله من تشبث بمقدسات وثوابت المملكة، وبكل ما تضمنه لهم من حقوق، وكذا، ما عليهم من واجبات (إتهم) يطمحون إلى أن يحظون بمحطة قطار، تكون في مستوى الانتظارات والتطلعات، يتم تأهيلها ببنيات تحتية عصرية، وبتجهيزات لوجيستية ومعدات تكنولوجية حديثة، وبإحداث خط “ترامواي”، وبإخضاع الموارد البشرية، موظفي وأعوان مكتب السكك الحديدية، لتكوينات دورية.. بغية الرقي بجودة خدمات نقل القطار، و’أنسنة” ظروفها، التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حماية وصون إنسانية وكرامة المواطن–المستهلك.

*إلى ذلك، فلماذا لم يأخذ من يهمم الأمر، المسؤولون والمتدخلون، على رأسهم المكتب الوطني للسك الحديدية ووزارة النقل، على محمل الجد والجدية شكايات وتظلمات المواطنين الجديديين، الذين ما فتئوا يرفعونها عبر وسائل التواصل المتاحة، بما فيها المنابر الإعلامية وغيرها، وكذا، من خلال ممثلي الأمة تحت قبة البرلمان.. هذه الشكايات والتظلمات التي قد كان مآلها أو حكم عليها أن تبقى مجرد حبر على ورق، يتلاشى صداها بمرور الوقت، وتذهب مع الريح ((autant en emporte le vent، أو التي صدقت عليها مقولة “كم من حاجة قضيناها بتركها”؟!

*فإلى متى سيظل الاستهتار براحة المسافرين وركاب القطار المتوجه من وإلى محطة الجديدة، والذين، إذا كان دستور المملكة يضمن لهم، على غرار أي مواطن مغربي، حق التنقل عبر تراب الوطن، فإن لهم، باعتبارهم مستهلكين وزبناء، يؤدون ثمن التذكرة، التي لا تتوفر في السوق بالمجان، (فإن لهم) حقوقا يضمنها ويصونها من كل شطط أو تعسف أو تجاوز الدستور والقانون، قانون حماية المستهلك رقم: 08 –31، الذي يلزم مهنيي القطاع (les professionnels) على التقيد بواجباتهم والتزاماتهم، التي ضمنها بالأساس توفير جودة المنتوج، وجودة الخدمات والتدخلات؟!

*فإذا كانت الجهات والمتدخلون المعنيون يلزمون الصمت إزاء أعطاب وتأخيرات القطار، المتوجه من وإلى محطة الجديدة، والتي باتت “شبه اعتيادية”.. فلماذا لم ولا تتحرك إذن هيئات وجمعيات المجتمع المدني، التي تخصها وتخصص لها الدولة، ومؤسساتها العمومية والحكومية، دعما ماليا دسما..؟!

*ولماذا لم تتحرك إذن هيئات جمعيات حماية المستهلك، التي من المفترض والمفروض أن تلعب دورا هاما وحاسما في الحماية القانونية لحقوق المستهلك، وكذا، في الإعلام والتحسيس والتوعية.. حيث إن القانون المرجعي رقم: 08 –31، يمنح لهذه المكونات الجمعوية، ذات المصلحة والمنفعة العامة، والمعترف بها، الحق في اتخاذ الإجراءات القانونية والمسطرية، لتمثيل المصالح الجماعية للمستهلكين، والعمل على جبر الضرر..؟

*فلماذا تقصر إذن هذه الجمعيات، جمعيات المستهلكين، في القيام بأدوارها المسطرة، وبواجباتها المنوطة بها بموجب مقتضيات قانون حماية المستهلك رقم: 08 –31؟!

*وما الذي يفسر ويبرر إذن من الوجهة الواقعية، وليس القانونية، هذا التقصير والصمت المطبق؟!

*فهل يحتاج من ثمة تأهيل محطة القطار بالجديدة، وتحسين جودة خدماته، المقدمة للمسافرين، رغم تعالي الأصوات وصيحات التنديد والاستنكار، وفي ظل سلبية المتدخلين، للقيام بواجباتهم والمهام والأدوار المنوطة بهم، من أجل نجاعة تدبير الشأن العام، وخدمة المواطنين، رعايا صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، سيما أن “دار لقمان مازالت على حالها.. حتى إشعار آخر” (فهل يحتاج التأهيل) تدخلا لأعلى سلطة في البلاد، من أجل تحريك المياه الراكضة، على غرار المشاريع الضخمة، التي أشرف عليها شخصيا جلالته حفظه الله، جراء عجز أو تقاعس الجهات الرسمية؟!

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »