البحر في المائدة، المكان في الفن: ترميق نقدي لنص «Faites entrer l’artiste»

اورو مغربمنذ ساعتينآخر تحديث :
البحر في المائدة، المكان في الفن: ترميق نقدي لنص «Faites entrer l’artiste»

اورو مغرب

مائدةٌ تفتحُ البحر
(ترميق نقدي)

إلى الزميل الدكتور Nakhli Mohamed

نشر الزميل ذ. الدكتور محمد نخلي، ضمن سلسلته: كلمات على الطريق، نصا بالفرنسية يشكل داخلها الحلقة 18، ويحمل عنوان: Faites entrer l’artiste. وأصدقكم القول إذ قلت لكم إني وجدت عنتا في ترجمة هذا العنوان الذي صيغ على وزن Faites entrer l’accusé لذلك اقترحت مؤقتا ترجمته بعبارة: دع الفنان يدخل. ويبدو للقراءة المستعجلة أن هذا النص حكاية لقاء على وجبة غداء في واحة النخيل، بين محام – أستاذ جامعي وفنان شهير اسمه: ماحي بينبين. غير أن القراءة التي تطمح أن تكون شيئا متاخما للمسح الضوئي، لها رأي آخر؛ فهذا نص غنيّ جغرافيا وثقافيا ونظريا وجماليًا؛ لأنه لا يقدّم المكان خلفية للحدث، بل يشيده جهازًا حسيًا وذاكريًا ينتج المعنى، ويعيد توزيع علاقة مراكش والبحر والفنان والجسد والواقع.
منذ العنوان، دع الفنان يدخل، لا يدخل الفنان مكانا جاهزا ومحايدا، بل يبدو أن دخوله هو ما يجعل المكان قابلًا لإعادة الاكتشاف؛ فالـدخول ليس حركة جسدية من خارج إلى داخل، وإنما عبور جمالي من المكان المعيش إلى المكان المؤوَّل؛ أي انتقال من جغرافية صامتة إلى جغرافية تتكلم، ومن فضاء يومي إلى فضاء تتكثف فيه الذاكرة والحواس والفن والصدفة واللقاء. ومن ثم يشيِّد النص، منذ عتبته، علاقة جدلية بين المكان والفنان: المكان يستقبل الفنان، لكن الفنان، يعيد تشكيل المكان إدراكيًا وجماليًا.
تستعلن مراكش في مطلع النص مكانًا مرجعيًا واضحًا: يناير، برد، واحة النخيل، منزل في حي راق، صمت، ضيوف، مائدة. غير أن هذه المرجعية لا تستقر طويلًا؛ إذ سرعان ما تبدأ الجغرافية في التحول من مكان حاضر إلى مكان متخيل ومستعاد بالحواس. ذلك أن حساء البويابيس يحمل معه جغرافية أخرى: مرسيليا وبروفانس والبحر المتوسط. وهذه واحدة من أكثر التيمات كثافة في النص: إذ في مستطاع طبق واحد إعادة تركيب الخريطة؛ فمراكش، المدينة الداخلية البعيدة عن البحر، تستقبل البحر عبر الذوق والرائحة والحرارة والذاكرة.
لا يجيء البحر منظرًا، بل أثرًا حسيًا: “لم يكن البحر موجودًا… لكن حضوره كان ملموسًا”. وهذه العبارة تكثف منطق النص في مجمله: المكان الغائب قد يكون أكثر حضورًا من المكان المرئي؛ فالجغرافية لا تحددها المسافة الفيزيائية، وإنما قوة الاستحضار الحسي والتخيلي. وبذلك تغدو مراكش مكانا عابرا للحدود الجغرافية؛ فهي لا تبقى مراكش وحيدة، بل تصبح لحظةً متوسطيةً تلتقي فيها الحمراء بالأبيض المتوسط، والدنيُّ بالقَصِيّ، والحاضر بالذاكرة.
وليس اختيار واحة النخيل أمرا اعتباطيًا؛ فالواحة في المتخيل الجغرافي فضاء وسيط بين الصحراء والعمران، بين القسوة والحميمية، بين الاتساع والانغلاق. غير أن النص يضيف إليها طبقة جمالية أخرى حين يجعل الصمت من مكوناتها الأساس: “ذلك الحي الراقي حيث للصمت سحر خاص، يكاد يكون خياليًا”. وهو خيالي بالفعل. وبهذا يصبح المكان خبرة جمالية. ويغدو الصمت نفسه مادة مكانية، وكأن السارد لا يصف ما تراه العين فقط، وإنما ما تشعر به الذات داخل المكان. ووفق هذا الشكل من النظر، يوائم الحديث عن جغرافيا حسية: مكان يُدرك بالصمت قدر إدراكه بالبصر، وبالرائحة كما بالشكل، وبالذاكرة كما بالحضور الفيزيائي.
والبيت بدوره لا يُقدَّم مقرا للإقامة فحسب: “المنزل، الذي بُني حجرًا فحجرًا، أصبح مع مرور الوقت متحفًا حيًا”. ويسفر الانتقال من البيت إلى المتحف عن تحول جوهري في وظيفة المكان: البيت فضاء للسكن، أما المتحف فهو فضاء للعرض والذاكرة والحفظ. وبينهما ينشأ مكان ثالث: المكان الحي؛ أي الذي يحتفظ بآثار الزمن دون أن يصير أثرا جامدا.
تكتسب المائدة وظيفة جغرافية شديدة الأهمية؛ فهي ليست ماعونا ومضمارا للأكل، بل مسرح مجهري تتجاور فوقه الجغرافيات والثقافات: فهناك إيطالي وزوجته، وضيوف من خلفيات متنوعة، ومراكش المكان المضيف، وطبق فرنسي- متوسطي، وفنان مغربي متعدد، وذاكرة صداقات قديمة، وحديث عن مؤسسة ومشروع ورواية وأمكنة مجتمعية هامشية، دون أن ننسى طبعا المحامي والأستاذ الجامعي متعدد المواهب، والذي يشكل الساردُ صِنْوَهُ وقَرينَه. تقوم المائدة هنا مقام الخريطة؛ فبدل أن تتحرك الشخصيات بين الأقاليم والبلدان، تتحلق البلدان نفسها حول المائدة. ما يجعل الغداء نظير رحلة بلا حركة، وهي العبارة التي يصرح بها النص نفسه: “ذلك الإحساس الغريب برحلة بلا حراك”. وهنا تظهر بشكل شفيف إحدى أهم تيمات النص: ليس السفر انتقال الجسد في الجغرافية بالضرورة؛ بل قد يأخذ صيغة انتقال المكان داخل الجسد؛ إذ في مستطاع الإنسان السفر بالرائحة والذوق والذاكرة والحديث والفن، دون أن يبرح مكانه. وهذا امر عجيب. لكن الأمر الأعجب منه: طبق حساء البويابيس.
والواقع أن هذا الطبق شيء عُجاب. البويابيس أكثر من طبق؛ إنه في بنية النص علامة ثقافية، وفوق ذلك علامة جغرافية متحركة. علامة تحمل توقيع مرسيليا وبروفانس والبحر المتوسط، ثم تعيد توزيعها في فضاء مراكش. ومعنى ذلك أن الطعام يتحول إلى وسيط جغرافي – جمالي بين الأمكنة؛ فهو لا ينقل “مذاقًا” فقط، بل ينقل مناخًا وماءً وذاكرةً وثقافةً وتاريخًا. ولذلك تصبح الرائحة المالحة “ذكرى بعيدة”، ويصبح الدفء وعدًا بـ”نسمات البحر”، أي أن الحواس تنتج معرفة بالمكان لا توفرها خرائط الجغرافيين ولو كانوا من طينة الشريف الإدريسي الذي رسم خرائطه في صقلية. ووفق منظور علم الجمال، يلائم الحديث عن انتقال النص من جماليات الرؤية إلى جماليات الحسّ المتعدد: الذوق، الشم، الحرارة، الصمت، الصوت، الذاكرة. المكان لا يُرى فقط، بل يُشم ويُذاق ويُسمع ويُستعاد.
وقبل الجلوس إلى المائدة وبالتزامن معه، يدخل ماحي بينبين النَصَّ فيغير بنيته الداخلية؛ إذ كان المكان في البداية مركزَ التجربة، ثم أصبح الفنان نفسه، أو على الأقل اسمه، مكانًا ثقافيًا تتقاطع داخله جغرافيات متعددة. ذلك أن الإشارة إلى مساره: “من الرياضيات إلى الرسم، من المعادلات إلى جوهر الفن الحي”، ليست نميمة سيرية biographique مما اعتاده مؤرخو الأدب والفن، بل إيماءة ذكية إلى أن قوام تجربته: العبور بين الحقول؛ فهو لا يستقر في لغة فنية واحدة: كاتب، رسام، نحات. ولذلك يوازي تعدد الأشكال الفنية لديه تعدد الأمكنة في النص.

وإذا كانت الجغرافية الحديثة تعتبر شبكة من العلاقات، فالفنان هنا جغرافية بشرية مركبة: تتجاور داخله الرياضيات والفن، الكتابة والتشكيل، الواقع والخيال، المغرب والعالم، الذاكرة والحاضر. هذا علاوة على أنه ينحدر من أسرة شكسبيرية بامتياز. وبهذا المعنى، فهو مكان عبور بين أنساق معرفية وجمالية مختلفة.
ويكتسي مفهوم المتاهة أهمية خاصة في النص؛ لأنه يظهر أولًا في حديث ماحي بينبين عن البيروقراطية:
“أشعر بالضياع في هذه المتاهات”، ثم يظهر مجددا في وصف المكان الذي تستمد منه الحكاية واحدة من تيماتها: بويا عمر. وضمن هذا المستوى، يتشكل تقابل جغرافي – دلالي بين نمطين من المتاهة: متاهة إدارية تنتجها الأجهزة البيروقراطية للدولة، ومتاهة مجتمعية – إنسانية يمثلها المكان الذي تتقاطع فيه مصائر أشخاص مهمشين. وعلى هذا النحو، ينتقل النص من جغرافية المكان إلى جغرافية النظام المجتمعي؛ فالمكان لا يحمل دلالته الطبيعية فقط؛ بل يومئ إلى علاقات القوة والمؤسسات والإقصاء والتهميش. ومن منظور نقدي جغرافي، يعتبر بويا عمر مكانًا مجتمعيًا كثيفًا؛ لا تقوم قيمته في موقعه الجغرافي ضمن بلاد تساوت، وإنما في شبكة الخطابات والممارسات والذاكرات والأجساد التي تراكمت فيه، وفي وظائفه المزعومة التي أجادت الباحثة الحصيفة خديجة نعموني وصفها ضمن كتابها المفيد: قداسة بويا عمر(1994) وأخيرا لأنه شديد الصلة والاتصال بسفينة المجانين عند السيد ميشيل فوكو.
والأكثر أهمية أن الكاتب لا يعتبر بويا عمر موضوعًا سرديا فحسب، وإنما واقعًا يتجاوز الخيال: “ليست الفكرة هي المؤثرة… بل الواقع هو المذهل. غالبًا ما يتجاوز الخيال”. وتتبدى هنا نظرية جمالية ضمنية شديدة التمفصل مقتضاها أن الفن العظيم لا يبدأ من اختراع الواقع، وإنما من القدرة على رؤية ما يخفيه الواقع عن نفسه؛ فالفنان العظيم لا يبتدع المأساة، بل يكشفها. لا يبتكر المكان، بل يجعله عاريا ومرئيًا في عُريهِ. ولذلك، فجغرافية الهامش تدخل الحقل الجمالي لا لكي تُلَمّع ما ليس لامعا أصلا، بل كي تستعيد قابليتها للرؤية والتفكير.
وضمن خطاب الحراسة النظري دوما، نقرأ هذه العبارة الهامة والفاتنة: “بعض الفنانين لا يختارون مواضيعهم، بل المواضيع هي التي تختارهم”. وهو ما يعني ظاهريا أن بويا عمر اختار ماحي بينبين، وليس ماحي بينبين هو الذي اختار هذه الرّحالي التَبَّاعي. غير أن مُضمر الجملة مقتضاه نقل الفن من حقل الاختيار الجمالي الحر إلى مضمار المسؤولية الأخلاقية تجاه الواقع؛ فحين تختار الأمكنة المهمشة الفنان، ترقى الكتابة إلى مستوى الشهادة. علما أن المكان هنا ليس خلفية صامتة، بل إنه فاعل سردي وأخلاقي؛ إنه يستدعي من يستطيع الإصغاء إلى صمته. وفي هذا السياق، يمكن فهم هذه العبارة: “هذه القصص التي نُفضل ألا نراها”. وهو ما يعني أن وظيفة الفن ليست تشخيص الأمكنة الجميلة فقط، وإنما إجبار العين على رؤية ما اعتادت تجاهله. وهذه رؤية جمالية تتجاوز مفهوم الجمال بوصفه زينة؛ إذ يصبح الجمال قدرة على كشف الحقيقة وإعادة توزيع الرؤية والمنظور.
وضمن نسق التمييز الذي يبنيه السارد لصديقه ماحي بينبين، يصفه بأنه قادر على: “النظر إلى الواقع مباشرةً، دون تشويهه، ومع ذلك تحويله”. وهي عبارة تؤسس معادلة جمالية دقيقة: معادلة يخرج فيها الواقع من صمته إلى الرؤية، ومن الرؤية إلى التحويل، ومن التحويل إلى انبثاق وجودٍ آخر في اللغة والجمال؛ فالواقع لا يدخل تجربة الكتابة حقيقةً مكتملة، وإنما مادةً قابلةً للانكشاف وإعادة التشكيل؛ إذ تلتقطها الرؤية من عابر الأشياء، من الطريق حسب عبارة الجاحظ، وتنفذ إلى ما وراء ظاهرها، ثم تستولي عليها المخيلة لتفكك انتظامها الأول، وتعيد نسج علاقاتها، وتمنحها هيئةً لم تكن لها قبل أن تعبره العين الكاتبة.
هكذا يصير الواقع رؤية، والرؤية كشفا، والكشف تحويلا، والتحويل أثرا يستعيد العالم في صورةٍ أخرى؛ صورةٍ لا تعكس القائم فحسب، بل تستشرف الممكن. وعليه، تغادر الكتابة محاكاةً الوجود، وتصير عبورًا به من واقعه الأول إلى إمكانه الأبعد؛ حيث يغدو المرئيُّ مادةً للامَرئي، واليوميُّ قابلاً للدهشة، والعابرُ قابلًا للبقاء، ويتحوّل العالم، تحت ضغط الرؤية، من شيءٍ نراه إلى معنىً يسكننا. وإجمالا، ليس الفن نسخة من الواقع، وليس انفصالًا عنه. إنه ممارسة مزدوجة: أمانة للواقع وتحويل له في آن واحد. لذلك، لا ينتج الجمال عن الهروب من العالم، وإنما عن إعادة تنظيمه ضمن شكل فني يتيح رؤيته بطريقة جديدة. وانطلاقا من هذه الاعتبارات، يقول النص: “الفن، من منظوره، ليس هروبًا، بل وسيلة لمواجهة العالم”. وتلكم صياغة مذهلة الصراحة لوظيفة الفن بصفته ممارسة جمالية ذات امتداد معرفي وأخلاقي.
تتكرر في النص وتتواتر ألفاظ الصدفة واللقاء: الدعوة، الجلوس إلى جانب صديق قديم، الحديث، وصول الطبق، استعادة الذكريات، ثم الفراق. لكن الصدفة في النهاية يعاد تأويلها: “هذا الغداء لم يكن محض صدفة”. وفي هذا التأويل، تنتقل الصدفة من حدث عابر إلى بنية لإنتاج المعنى؛ فاللقاء أعاد تركيب المكان، والطعام استحضر البحر، والفنان استحضر بويا عمر، والحديث استحضر مساره الفني، والذاكرة استحضرت الصداقة. هكذا تتوالد الأمكنة وتتناسل داخل لحظة واحدة. وعيه، يوائم تسمية هذا الغداء بلغة السيد ميخائيل باختين: كرونوطوب مصغر؛ أي زمان ومكان يلتقيان في حدث واحد، لكنهما لا يظلان ثابتين، بل ينفتحان على أزمنة وأمكنة أخرى.
في الخاتمة، ينتقل النص من التجربة الفردية إلى تعريف ضمني للكتابة: “محادثات تترك أثرًا، مثل بصمة خفية على الدرب”. الأثر هو المفهوم الجمالي الذي يمكن أن يختم به النص في مجمله؛ فالعمل الفني لا يكتسب قيمته مما يقوله، وإنما بما يتركه بعد مغادرته. وكذلك المكان، لا ينتهي بانتهاء الإقامة فيه؛ إنه يستمر أثرًا في الذاكرة. تتقاطع هنا جماليات المكان مع جماليات الذاكرة: إذ المكان الجميل ليس بالضرورة المكان المزخرف، وإنما المكان القادر على أن يترك أثرًا في الذات. ولهذا تأتي العبارة الختامية:
“إضفاء معنى على ما يتجاوزنا… وللحظة عابرة، إضاءة قليل من ظلال العالم”، وهي ليست خاتمة وجدانية فقط، بل تعريف جمالي مكثف للعمل الفني: تحويل العابر إلى دال، وتحويل المعيش إلى معنى، وتحويل الظلمة إلى نور يتيح رؤية جماليات البشاعة، سواء سميت بويا عمر أم اتخذت عناوين: درب العفو، نجوم سيدي مومن…

يمكن تكثيف البنية العميقة للنص في سيرورة جمالية تتعالق فيها الجغرافية بالحسّ والذاكرة والفن، بحيث تتداخل مراكش بالمائدة، وتستدعي المائدة البويابيس، ويستحضر البويابيس بحرًا غائبًا عن المكان وحاضرًا في مذاقه وملامسه وروائحه؛ وعبر هذا البحر المتخيَّل تستيقظ الحواس، فتنبثق الذاكرة، وتستدعي الذاكرة ماحي بينبين، ثم تفتح، عبر بويا عمر، شقًّا في طبقات الواقع، قبل أن يعاد التقاط هذا الواقع وتحويله إلى أثر جمالي، ثم إلى معنى يتجاوز لحظة التجربة ومكانها المباشر.
غير أن هذه البنية لا تنتظم في مسار خطي أو تعاقب سببي مغلق؛ إنها دائرة تأويلية تتبادل عناصرها الاستدعاء والتكوين؛ فالمكان يستدعي الطعام، والطعام يستحضر البحر، والبحر الغائب يتجسّد في الحواس، والحواس تستنفر الذاكرة، والذاكرة تستدعي الفنان، والفنان لا يعود إلى المكان كما كان، بل يعود إليه وقد أعاد النظر في طبقاته الخفية، فيحوّل الجغرافية من معطى مادي إلى تجربة حسية، ومن تجربة حسية إلى ذاكرة، ومن الذاكرة إلى رؤية، ومن الرؤية إلى أثر، ومن الأثر إلى معنى.
وعلى هذا الأساس، ليس المكان حيّزا جغرافيا سابقا على التجربة، بل هو كائن علائقي يتشكل بالتناسب مع انسياب الكتابة، ويتكون بقدر ما يُعاش ويُحَسّ ويُتذكّر ويُتخيّل. لذلك، لا توجد مراكش، وفق هذا المنظور، في جغرافيتها، وإنما تتخلّق فوق المائدة، في مذاق البحر الغائب، وفي ارتعاش الحواس، وفي انفتاح الذاكرة، وفي العين التي تحوّل ما تراه إلى ما يمكن أن يُرى من جديد. وبذلك تنبثق المعادلة الأعمق للنص: ليس المكان ما يوجد ممر النخيل، وإنما ما يحدث حين تستيقظ الحواس والذاكرة والخيال داخل الجغرافية؛ وحين يعبر الواقعُ الوعيَ الجمالي، يتحرر من صيغته الأولى، ويولد أثرًا، ثم يستقر في الذاكرة باعتباره معنىً آخر للوجود.
وإجمالا، تكشف كتابة الزميل محمد نخلي جغرافية لا تُختزل في الخرائط، وجمالا يتناءى عن الزخرفة؛ فمراكش ليست مسرح الغداء، بل مَلْقى جغرافيات متباعدة: إيطاليا، مرسيليا، البحر المتوسط، بويا عمر، ومسار فنان مغربي متعدد اللغات الفنية. وليس البيت فضاء للسكن فحسب، بل متحف حي، وليست المائدة موضع للطعام فقط، بل خريطة مصغرة للعالم، وليس البويابيس حساء، بل جسر حسي بين مراكش والبحر، وليس الفنان ضيفًا على المكان، بل كائنًا يعيد ترتيب جغرافيته الرمزية.
وقد ترى القراءة الراهنة على وجه الاحتمال أن أسمى ما يقترحه الدكتور محمد نخلي مقتضاه أن المكان لا يُقيم في حدوده، بل في قابليته للعبور؛ فالبحر يستطيع أن يحضر في مدينة لا بحر فيها ولا شواطئ لها، والحي الراقي يستطيع أن ينفتح على مكان مهمش، والغداء العادي يستطيع أن يتحول إلى حدث جمالي، والصدفة تستطيع أن تتحول إلى معنى. هكذا يصبح الفنان، في نهاية المطاف، هو ذلك الذي يدخل المكان لكي يفتح أبوابه الداخلية؛ يرى ما لا يُرى، ويصغي إلى ما لا يُسمع، ويستخرج من العابر أثرًا، ومن الواقع سؤالًا، ومن الجغرافية ذاكرة، ومن الذاكرة جمالًا. وبهذا المعنى تحديدًا، فعبارة: دع الفنان يدخل، تتجاوز دلالتها المباشرة لتصبح دعوة لإدخال الفن في صميم المكان، وإدخال المكان في صميم الفن؛ لأن الفنان، حين يدخل، لا يضيف إلى الجغرافية صورةً أخرى عنها فحسب، بل يجعلها قابلة لأن تُرى من جديد.

عبد الجليل الأزدي
باحث أكاديمي
مقهى الأخبار – طريق أكادير – العزوزية – مراكش.
17 شتنبر 2026..

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »