الريف بين الزناتية والصنهاجية: قراءة أنثروبولوجية-لسانية في أصول تاريفيت ومسار التمزيغ الزناتي Zenatization بشمال المغرب

اورو مغربمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
الريف بين الزناتية والصنهاجية: قراءة أنثروبولوجية-لسانية في أصول تاريفيت ومسار التمزيغ الزناتي Zenatization بشمال المغرب

اورو مغرب *إعداد: الباحث جمال البوطيبي و طارق العثماني – أستاذ السلك الثانوي

تنتمي اللغة الأمازيغية الريفية المعروفة بـ «تاريفيت» (Tarifit) في أصلها اللساني المباشر إلى الفرع الزناتي (Zenati) من اللغات الأمازيغية الشمالية، والتي تنحدر بدورها عن اللغة الأمازيغية الأم (البروتو-أمازيغية) المنتمية إلى العائلة اللغوية الأفروآسيوية. غير أن التأصيل الدقيق يقتضي التمييز بين تاريفيت كلسان زناتي مهيمن في الريف الشرقي والأوسط، وبين الجغرافيا اللغوية لمنطقة الريف التي تضم أيضاً لهجات صنهاجية وغمارية (مصمودية) في قسمها الغربي، فضلاً عن وجود ركيزة (Substratum) صنهاجية قديمة أثرت في تشكل تاريفيت نفسها.

المطلب الأول: شجرة النسب اللساني
– العائلة الكبرى: الأفروآسيوية
– الفرع: الأمازيغية
– المجموعة: الأمازيغية الشمالية Northern
– الأصل المباشر: المجموعة الزناتية الغربية Western Zenati

المطلب الثاني: الخريطة اللغوية والخريطة اللسانية

لا يقتصر المجال الجغرافي والتاريخي للريف على لسان واحد، بل يتوزع إلى ثلاث مجموعات لسانية تظهر رموزها بوضوح على الخريطة المرفقة:
العلاقة اللسانية الانتشار الجغرافي في الشمال الفرع الأم الرمز في الخريطة المكون اللساني
تمثل الكتلة اللغوية الأكبر المقصودة عادة بمصطلح «الأمازيغية الريفية» الريف الشرقي والأوسط (الناظور، الدريوش، بركان، الحسيمة وأجزاء من تازة وكرسيف) الفرع الزناتي (Zenata dialects) Z و R *تاريفيت (Tarifit)*
لغة أمازيغية غير زناتية، هي أقرب بنيويا وصوتيا إلى أمازيغية الأطلس المتوسط (M – Central Atlas Tamazight) غرب الريف الأوسط وجنوبه الغربي (نواحي تاركيست، كتامة، إساكن) الفرع الصنهاجي / الأطلسي (Masmouda & Sanhaja dialects) K *صنهاجة السراير (Sanhaja des Srayr Berber)*
تنتمي إلى الطبقة الأمازيغية القديمة في شمال المغرب، وتشترك في خصائص عدة مع صنهاجة السراير وتاشلحيت (C) أقصى غرب الريف (ضواحي شفشاون وتطوان كمنطقة كتامة بواحمد) الفرع المصمودي / الأطلسي (Masmouda & Sanhaja dialects) G *الأمازيغية الغمارية (Ghomara Berber)*
تُظهر المقارنة اللسانية أن صنهاجة السراير ليست كتلة صماء، وإنما تشكل متصلاً لهجياً (Dialect Continuum) يمتد على عشر قبائل (كتامة، تاغزوت، آيت سدات، آيت بوشيبت، آيت أحمد، آيت بونصار، آيت خنوس، آيت بشير، زرقت، وآيت مزدوي)، ويتدرج من أقصى الغرب المحافظ صوب الشرق المتأثر بتاريفيت.

أ. الصائت الأولى في الأسماء (Initial Vowel a-):
الظاهرة الصوتية تاريفيت الزناتية صنهاجة السراير (النمط المحافظ) الأصل البروتو-أمازيغي المعنى
إسقاط الصائت الأولى (a-) في تاريفيت الزناتية fus فوس afus أفوس *afus يد
احتفاظ الصنهاجية بالهمزة/الألف المبدئية ḍar ضار aḍar أضار *aḍar قدم / ساق
سقوط الصائت الأولى أو تعويضه في تاريفيت dis / aɛeddis adisi أديسي *adisi بطن
ميل تاريفيت إلى البدء بصامت مباشر gmas / tigmest agmas / aymas *agmas سن
ب. تحول اللام البسيطة واللام المضعفة والمسار الصوتي المقارن:
المعنى زرقت (صنهاجة محافظة) كتامة / آيت بونصار / آيت سدات (صنهاجة) تاغزوت (صنهاجة) تاريفيت الزناتية المسار الصوتي المقارن
قلب awal أول uyawi أياوي uğaṛj أڭارح ur أولر g / y / l في صنهاجة مقابل r في تاريفيت
عريس asli أسلي aseyyi أسيي aseǧǧi أستجي asri أسري إبدال اللام ياء في أغلب صنهاجة وراء في تاريفيت
عنب aḍil أضيل aḍi أضي aḍiǧ أضيج aḍir أضير سقوط اللام النهائية بعد تحولها لياء في الصنهاجية
ثلج adfel أدفل adfey / adfi أدفي adfeǧ أدفج adfer أدفر تحول المقطع النهائي el- إلى i- في الصنهاجية وإلى er- في تاريفيت
تعلّم (أمر) siwel سيول sawi / siwi ساوي / سيوي siweǧ سيودج siwer سيور إعلال اللام النهائية ياء في الصنهاجية مقابل الراء الريفية
أمس (البارحة) iḍeǧǧi iḍelli كتامة/آيت أحمد iḍelli iḍennaḍ / iḍeǧǧi احتفاظ كتامة وتاغزوت وآيت أحمد باللام المضعفة (ll) دون قلبها إلى (ǧǧ)
ج. بنية النفي الفعلي (Verbal Negation):
يُعد نظام النفي من أدق المعايير اللسانية للتمييز بين مناطق الريف؛ إذ يتكون من عنصر سابق للفعل وعنصر لاحق له.
– في تاريفيت الزناتية الشرقية (آيت يزناسن، قلعية…): تستخدم الأداة المزدوجة wa / war … ca / ša (أو ši في الشرق الأقصى)، مثل: wa ca swigh (لم أشرب).
– في تاريفيت الوسطى (آيت ورياغل، بقيوة…): تستخدم ci … u بتأثر من الركيزة الصنهاجية، مثل: ci swigh u.
– عند صنهاجة السراير: تستخدم سابقة النفي ur / ul / u مع لاحقة ci / c، وفي اللهجات الغربية المتاخمة لغمارة تظهر أداة النفي š / ci … ma المستعارة من الدارجة الجبلية.

المطلب الثالث: كيف انتشرت تاريفيت «التمزيغ الزناتي Zenatization» دون أن يلغي السكان القدامى؟
لا تقتضي فرضية انتشار اللسان الزناتي في منطقة الريف عملية إحلال سكاني شاملة، بل توضح اللسانيات التاريخية والأنثروبولوجيا – لا سيما في أبحاث ديفيد هارت حول آيت ورياغل – أن الأمر تم عبر آليات «التحول اللغوي والاندماج». فالريف الشرقي كمنطقة تماس أولى بحكم موقعه الممتد من حوض ملوية وكرت وانفتاحه على ممر تازة، شكّل منذ القرن الثاني الهجري فضاء لاستقرار بطون نفزاوة ومكناسة. ومع بزوغ الدولة المرينية في القرن السابع الهجري، تحول إلى معقل انطلاق بني مرين وبني وطاس حيث تحصن المرينيون في قلوع جارة وتازوضا بقلعية، مما أدى إلى تجذر اللسان الزناتي في شرق الريف مبكرا.

أما الريف الأوسط، فقد لعب دورا محوريا كمنطقة للصهير والاستيعاب؛ إذ احتضنت منطقة الدكر – موطن بقيوة ورياغل وتسمان – مزيجا عرقيا معقدا منذ عهد إمارة بني صالح (710-1019م)، جمع بين صنهاجة وغمارة من جهة، وبطون نفزاوة ومكناسة من جهة أخرى. لهذا نجد لهجات القسم الغربي (نواحي الحسيمة) تظهر تدرجا انتقاليا نحو لهجات صنهاجة السراير، بينما لهجات القسم الشرقي (الناظور وبركان) أكثر انغماسا في الخصائص الزناتية الصرفة.

وتأتي الدراسات الإثنوغرافية لتؤكد أن القبائل ليست كيانات متجانسة، بل هي «مركبات عشائرية» (Composite Tribes) داخل قلعة، ضمت بطونا محلية عريقة – كالمرزوقة وقبيلة غساسة ونفزاوة – جنبا إلى جنب مع عشائر وفدت من الريف الأوسط وحوض ملوية والغرب الإسلامي لتندمج في نسيجها الاجتماعي.

خلاصة:
إن تاريفيت ليست مجرد لهجة، بل هي نتاج تاريخ طويل من التلاقح. فمن الناحية الجينية هي زناتية غربية خالصة، لكنها من الناحية الجغرافية احتضنت ركيزة صنهاجية قديمة لا تزال آثارها بادية. وقد انتشرت عبر آلية التحول اللغوي التدريجي وليس عبر إبادة أو استبدال سكاني، فكانت القبائل الريفية «قبائل مركبة» جمعت بين الأصل الصنهاجي واللسان الزناتي الجديد.

—
*توقيع: جمال البوطيبي و طارق العثماني

Translate »