اورو مغرب
بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والخبراء من عدة دول أوروبية وعربية، نظم مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ببلجيكا، مساء السبت 7 نوفمبر 2026، ندوة علمية دولية تفاعلية بعنوان «الحراك الأوروبي الراهن وتداعياته على واقع المسلمين في أوروبا»، خُصصت لقراءة التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها القارة الأوروبية، واستشراف انعكاساتها على واقع المسلمين ومستقبل حضورهم ومشاركتهم في مجتمعاتهم.
وافتتح الندوة الدكتور التجاني بولعوالي، مدير مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ببلجيكا والأستاذ بجامعة لوفان الكاثوليكية، بمداخلة تأطيرية بعنوان «أوروبا بين الحاجة إلى المسلمين ورفض حضورهم: مفارقة الواقع والخطاب»، تناول فيها التناقضات التي تطبع بعض المواقف والخطابات الأوروبية تجاه المسلمين، بين الاعتراف بإسهاماتهم في مختلف مجالات الحياة والحاجة إلى حضورهم، واستمرار النزعات الإقصائية التي تشكك في انتمائهم. وقد شكلت مداخلته مدخلاً فكرياً للنقاش، عكس أهمية المبادرات العلمية التي يقودها المركز في بناء جسور التواصل بين الباحثين، وإتاحة فضاءات للحوار الرصين حول قضايا المسلمين في أوروبا.
وتميزت الندوة بتنوع المقاربات العلمية والتجارب الميدانية للمشاركين، حيث قدم الأستاذ محمد المهدي أقرابش، من أكاديمية تيم ومنتدى الإسلام في فرنسا، قراءة تحليلية في احتجاجات فرنسا الأخيرة، فيما تناول الدكتور إبراهيم ليتوس، من الأكاديمية الأوروبية للتنمية والبحث الأكاديمي ببلجيكا، أزمة الثقة التي يواجهها المسلم الأوروبي ورهانات المستقبل.
ومن إيطاليا، ناقشت الدكتورة مونية علالي، من جامعة بيمونتي أورينتالي، موقع المسلمين في الحراك الاجتماعي الأوروبي، من خلال إشكالية المواطنة الفاعلة والحق في الاحتجاج. كما قدم الدكتور عبد الله عسيري، من مركز الحكمة للدراسات الدينية وحوار الثقافات بالمغرب، قراءة في التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها إسبانيا وانعكاساتها على المسلمين.
وتناول الأستاذ ياسر حوطش، الخبير لدى وزارة العدل الهولندية، واقع الشباب الأوروبي المسلم بين تحديات التهميش ومخاطر التطرف، وانعكاسات السياسات الهوياتية على مستقبل الأجيال الجديدة. فيما خصص الدكتور يوسف نويوار، من معهد الموافقة لتكوين الأطر الدينية المسيحية بالمغرب، مداخلته لتحليل حراك الاحتجاجات والإضرابات في فرنسا، وعلاقته بأزمة العقد الاجتماعي وتداعياتها على الفضاء الأوروبي. وتولى الدكتور محمد قروق كركيش، من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إعداد وتقديم التقرير الختامي لأشغال الندوة.
وفي مداخلته بعنوان «المسلم الألماني وسؤال الانتماء: إلى متى تبقى المواطنة تحت الاختبار؟»، قدم الأستاذ عبد الصمد اليزيدي، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، قراءة نقدية في التحولات التي يشهدها المجتمع الألماني، انطلاقاً من تطور المفاهيم التي حكمت علاقة المسلمين بالدولة والمجتمع، بدءاً من وصف الأجيال الأولى بـ«العمال الضيوف»، مروراً بمفهوم المهاجرين، وصولاً إلى الإشكاليات الراهنة المرتبطة بالهوية والانتماء والمواطنة.
وتوقف اليزيدي عند المفارقة التي تجعل أجيالاً من المسلمين، وُلدت ونشأت في ألمانيا وتحمل جنسيتها، مطالبة باستمرار بإثبات انتمائها، وكأن المواطنة وضع مؤقت يخضع للتقييم المتواصل، وليس رابطة قانونية ومجتمعية راسخة.
كما تناول تصاعد الخطابات الشعبوية والعنصرية المعادية للمسلمين، محذراً من التوظيف السياسي والإعلامي لبعض الأحداث والأزمات لتكريس صور نمطية تختزل ملايين المواطنين المسلمين في تصرفات أفراد أو مجموعات محدودة.
وانتقد في هذا السياق ما وصفه بـ«ثقافة التنصل والتبرير»، التي يُنتظر بموجبها من المسلمين إصدار مواقف دفاعية عقب كل حادثة عنف يرتكبها شخص ينتسب إلى الإسلام، معتبراً أن هذا المنطق يكرس شبهة جماعية تتعارض مع مبدأ المسؤولية الفردية والمساواة بين المواطنين.
وشدد اليزيدي على ضرورة إعادة التفكير في مفهوم الاندماج، بعيداً عن المقاربات التي تجعله التزاماً أحادياً يقع على عاتق المسلمين وحدهم، مؤكداً أن نجاحه يتطلب إرادة مجتمعية مشتركة، تقوم على الاعتراف المتبادل وتكافؤ الفرص والمشاركة الكاملة في الحياة العامة.
ولخص اليزيدي جوهر رؤيته بالقول:
«المواطنة ليست شهادة حسن سلوك تُمنح للمسلم كلما اجتاز امتحان الاندماج، بل رابطة أصيلة تقوم على الحقوق والواجبات المتبادلة والكرامة المتساوية. وإذا أردنا مستقبلاً أوروبياً أكثر تماسكاً، فعلينا أن نرى في تنوعه مسؤولية مشتركة، لا تهديداً دائماً».
ودعا في ختام مداخلته إلى الانتقال من ثقافة الدفاع المستمر عن الوجود الإسلامي إلى ثقافة المبادرة والمشاركة في صناعة المستقبل، مؤكداً أن المسلمين في ألمانيا وأوروبا ليسوا مجرد موضوع للنقاشات السياسية حول الاندماج والهوية، بل مواطنون فاعلون وشركاء في حماية القيم الديمقراطية وتعزيز التماسك المجتمعي.
وقد أتاح اللقاء، الذي بُث عبر المنصات الرقمية، مساحة للنقاش وتبادل الرؤى بين المشاركين، وأبرز أهمية المقاربات العلمية متعددة التخصصات في فهم التحولات الأوروبية، بعيداً عن التفسيرات الاختزالية والخطابات المتشنجة.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أهمية مواصلة مثل هذه المبادرات الفكرية، وتعزيز التعاون بين المراكز البحثية والخبراء والمؤسسات الإسلامية الأوروبية، بما يسهم في تطوير خطاب معرفي يستوعب تحديات المرحلة، ويعزز حضور المسلمين بوصفهم شركاء أصيلين في بناء مستقبل أوروبي قائم على العدالة والمواطنة والتعددية.





عذراً التعليقات مغلقة