اورو مغرب
كشفت نتائج «مؤشر الأديان 2026»، الصادر عن مؤسسة برتلسمان الألمانية، عن معطيات لافتة بشأن العلاقة بين التدين والتماسك المجتمعي في ألمانيا، مقدمةً صورة أكثر عمقًا وتوازنًا من تلك التي تطغى أحيانًا على النقاش العام حول المسلمين ودور الدين في المجتمع.
واستندت الدراسة إلى استطلاع تمثيلي شمل 5,231 شخصًا من السكان البالغين في ألمانيا.
ومن أبرز ما خلصت إليه الدراسة أن ارتفاع مستوى التدين لدى المسلمين يقترن بتنامي التوجه نحو الصالح العام. فقد سجل هذا المؤشر 46 نقطة لدى المسلمين قليلي التدين أو غير المتدينين، وارتفع إلى 50 نقطة لدى متوسطي التدين، ليبلغ 52 نقطة لدى شديدي التدين.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بالنظر إلى ما يتردد أحيانًا في النقاش العام من ربط بين التدين الإسلامي والانكفاء عن المجتمع. فالبيانات ترسم صورة مغايرة، يظهر فيها التدين بوصفه قادرًا على تعزيز التضامن والعلاقات الاجتماعية والاستعداد لخدمة الآخرين والانخراط في الشأن العام.
غير أن الدراسة تكشف في الوقت ذاته عن مفارقة جديرة بالتأمل؛ فبقدر ما يرتفع التوجه نحو الصالح العام لدى المسلمين الأكثر تدينًا، يتراجع شعورهم بالارتباط بالمجتمع ومؤسساته، ليصل المؤشر لدى شديدي التدين إلى 28 نقطة فقط.
وتشير الدراسة إلى مجموعة من العوامل التي قد تسهم في تفسير هذه الفجوة، من بينها تجارب التمييز، والصور النمطية السلبية تجاه المسلمين، وضعف الاعتراف والتمثيل المؤسسي، إلى جانب عوامل تتصل بقوة الارتباط بالجماعة الدينية. وهي عوامل تقدم، مجتمعة، صورة أكثر تعقيدًا من اختزال المسألة في ثنائية التدين والاندماج.
وفي تعليقه على هذه النتائج، قال عبد الصمد اليزيدي، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا:
«تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم صورة أكثر إنصافًا وواقعية عن المسلمين في ألمانيا، وتفند التصور الذي يجعل من التدين نقيضًا للمشاركة المجتمعية. فالنتائج تبين أن ازدياد التدين لدى المسلمين يترافق مع ارتفاع توجههم نحو الصالح العام واستعدادهم للعطاء والتضامن وخدمة المجتمع.»
وأضاف اليزيدي: «وفي المقابل، ينبغي أن يدفعنا تراجع الشعور بالارتباط بالمجتمع ومؤسساته إلى التأمل الجاد. فعندما يكون الإنسان مستعدًا للإسهام والعطاء، لكنه لا يشعر بالقدر نفسه من الاعتراف والانتماء، فإننا نكون أمام فجوة لا يمكن تحميل مسؤوليتها لطرف واحد. المطلوب مزيد من الانفتاح وبناء الجسور من جانب المؤسسات الإسلامية، وفي الوقت نفسه تعزيز المشاركة المتكافئة والاعتراف المؤسسي والتصدي للتمييز والصور النمطية. فالانتماء ليس التزامًا أحادي الجانب، وإنما علاقة متبادلة تُبنى بالمشاركة والثقة والاعتراف.»
وتدعو الدراسة في هذا السياق إلى توسيع فضاءات اللقاء والتفاعل بين مختلف المكونات الدينية والاجتماعية، وإلى حضور أكبر للأقليات الدينية في مسارات التشاور والمشاركة وصنع القرار، مؤكدة أن الاعتراف الرمزي، على أهميته، لا يغني عن المشاركة المتساوية ومعالجة أشكال التمييز المؤسسي.
وتضع هذه النتائج النقاش حول الإسلام والاندماج أمام سؤال يتجاوز مقدار ما يقدمه المسلم للمجتمع إلى مقدار ما يتيحه المجتمع له من شعور بالمشاركة والاعتراف والانتماء. فالمعطيات تشير إلى أن ارتفاع التدين لدى المسلمين لا يعني تراجع الاستعداد لخدمة المجتمع؛ بل قد يترافق مع مزيد من التوجه نحو الصالح العام، فيما يظل التحدي الأعمق هو تحويل هذا العطاء إلى شعور متبادل بالانتماء والثقة.












