سبتة ومليلية مغربيتان… زيارة ملك إسبانيا لا تمحو ذاكرة الاستعمار ولا تمنح التاريخ شرعية جديدة

اورو مغربمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
سبتة ومليلية مغربيتان… زيارة ملك إسبانيا لا تمحو ذاكرة الاستعمار ولا تمنح التاريخ شرعية جديدة

اورو مغرب

من خطاب الاعتزاز بالمغربية إلى جراح الاستعمار الإسباني في شمال المغرب وجنوبه: قراءة وطنية في زيارة فيليبي السادس إلى الثغرين المحتلين، ودعوة إلى إنهاء آخر صفحات الماضي الاستعماري وبناء علاقات مغربية إسبانية على أساس السيادة والكرامة والاحترام المتبادل.

بقلم: محمد اعبيدو

أولاً: الخطاب الملكي السامي… الاعتزاز بالمغربية ليس شعاراً، بل مسؤولية أمام الوطن والتاريخ
في لحظة وطنية ودولية دقيقة، جاء الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، ليعيد التأكيد على جوهر الهوية الوطنية المغربية، وعلى المكانة التاريخية والحضارية للمملكة، وعلى أن الاعتزاز بالانتماء إلى المغرب ليس مجرد شعور عاطفي عابر، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية تتوارثها الأجيال.
لقد استحضر جلالة الملك، حفظه الله، عبارته الخالدة التي أعلنها من المنبر البرلماني سنة 2014:
«إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي».
مؤكداً أن هذا الإحساس لا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخاً.
إنها كلمات تختزل فلسفة وطن، وتترجم علاقة ملك بشعبه، وأمة بتاريخها، ودولة بسيادتها وامتدادها الحضاري.
فالاعتزاز بالمغربية ليس مجرد افتخار بالماضي، بل التزام بحماية الحاضر وصناعة المستقبل؛ وليس انغلاقاً في وجه العالم، بل انفتاحاً عليه من موقع الندية والكرامة والثقة في الذات.
ومن موقعي مواطناً مغربياً، أرى أن هذه الرسالة الملكية السامية تشكل أرضية فكرية ووطنية لقراءة مختلف القضايا التي تمس الذاكرة والسيادة والمصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وما يرتبط بهما من جزر وثغور لا تزال تحت السيطرة الإسبانية.
فكيف يمكن لمغربي يعتز بانتمائه إلى وطنه، ويستحضر تضحيات أجداده في سبيل الحرية والاستقلال، ألا يشعر بمرارة التاريخ وهو يرى ملك إسبانيا يستعد لزيارة مدينتين مغربيتين ظلتا، في وجداننا الوطني، شاهدتين على مرحلة استعمارية لم تُغلق صفحاتها بعد؟
إننا لا نكتب اليوم بدافع العداء لإسبانيا أو لشعبها، بل بدافع الوفاء للمغرب، والاعتزاز بتاريخه، والإيمان بأن العلاقات الدولية العادلة لا يمكن أن تُبنى على مطالبة الشعوب بنسيان ذاكرتها أو التخلي عن مطالبها التاريخية.
ثانياً: زيارة فيليبي السادس… حين تحاول المراسم الملكية تكريس واقع استعماري
تستعد السلطات الإسبانية لتنظيم زيارة رسمية للملك فيليبي السادس، مرفوقاً بالملكة ليتيثيا، إلى مدينة سبتة يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، على أن يبيتا بها قبل الانتقال يوم الأربعاء 14 أكتوبر إلى مدينة مليلية.
وتتضمن الزيارة لقاءات مع السلطات المحلية، واستقبالات رسمية، وأنشطة تربوية واجتماعية، وزيارة المقبرة الإسلامية سيدي مبارك بسبتة لتكريم ضحايا أحداث الهجرة الأخيرة.
وتكتسي هذه الزيارة دلالة استثنائية، باعتبارها الأولى لفيليبي السادس إلى المدينتين بصفته ملكاً لإسبانيا، بعد زيارة سلفه خوان كارلوس والملكة صوفيا في نوفمبر 2007، التي أثارت آنذاك أزمة دبلوماسية مع المغرب.
غير أن ما تعتبره مدريد زيارة داخلية عادية، أعتبره، بصفتي مواطناً مغربياً، حدثاً سياسياً بالغ الحساسية، يحمل في رمزيته محاولة لإعادة تأكيد السيطرة الإسبانية على أرض ترتبط بالمغرب تاريخياً وجغرافياً وحضارياً.
فزيارة الملك الإسباني ليست مجرد صورة تذكارية أو نشاط بروتوكولي.
إنها رسالة سياسية.
والمبيت بمدينة سبتة ليس تفصيلاً تنظيمياً خالياً من الدلالة، وإنما خطوة يمكن قراءتها في سياق الحرص الإسباني على إبراز حضور المؤسسة الملكية في المدينتين.
لكن التاريخ لا يتغير بمراسم الاستقبال، والسيادة المتنازع بشأنها في الوعي الوطني لا تحسمها الزيارات، ولا تستطيع الأعلام المرفوعة فوق المباني الرسمية أن تمحو ذاكرة شعب أو تلغي مطالبته التاريخية.
إن تكرار الزيارة لا يحول المظلمة التاريخية إلى عدالة، وطول أمد السيطرة لا ينبغي أن يكون سبباً في مطالبة المغاربة بالتخلي عن ذاكرتهم الوطنية.
ثالثاً: الاستعمار الإسباني لشمال المغرب… ذاكرة الدم والمقاومة والكرامة
لا يمكن فهم الحساسية المغربية تجاه زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية دون العودة إلى التاريخ الاستعماري الإسباني في شمال المملكة.
فسبتة التي سقطت تحت السيطرة البرتغالية سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني، ومليلية التي احتلتها إسبانيا سنة 1497، تمثلان في الذاكرة المغربية امتداداً تاريخياً للتوسع الأوروبي على السواحل المغربية.
ولم يتوقف هذا التوسع عند المدينتين.
فمع فرض نظام الحماية سنة 1912، خضعت مناطق واسعة من شمال المغرب للإدارة الاستعمارية الإسبانية، وعاشت ساكنتها عقوداً من المقاومة والمعاناة والحرمان.
وقد سجل التاريخ صفحات مضيئة من المقاومة المغربية، وفي مقدمتها مقاومة الشريف محمد أمزيان، ثم الملحمة البطولية التي قادها المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي جعل من اجبالة و الريف عنواناً للكرامة الوطنية ورفض الخضوع للاستعمار.
ولا يمكن أن تستحضر الذاكرة المغربية هذه المرحلة دون الوقوف عند معركة أنوال سنة 1921، التي شكلت محطة فاصلة في تاريخ المقاومة ضد التوسع الاستعماري الإسباني.
كما لا يمكن نسيان المآسي الإنسانية التي خلفتها حرب الريف، بما فيها استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل القوات الاستعمارية الإسبانية، وهي صفحة مؤلمة تستوجب مزيداً من البحث التاريخي والاعتراف الأخلاقي والإنصاف.
إن الريف واجبالة لم يكن مجرد ساحة حرب، بل كان مدرسة وطنية علمت العالم أن الشعوب قد تُحرم من التفوق العسكري، لكنها لا تُحرم من حقها في الحرية والكرامة.
واليوم، ونحن نستحضر زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية، فإننا نستحضر أيضاً أرواح المقاومين الذين واجهوا الاستعمار في منطقتى اجبالة والريف، وفي تطوان والحسيمة والناظور وشفشاون وباقي ربوع الشمال المغربي.

لقد رحل المقاومون، لكن رسالتهم لم ترحل.
ورسالتهم أن الوطن ليس سلعة تباع، ولا أرضاً تُنسى، ولا ذاكرة يمكن محوها بمرور الزمن.
رابعاً: جنوب المغرب… صفحة أخرى من الاستعمار الإسباني لا يجوز نسيانها
إن الحديث عن الماضي الاستعماري الإسباني لا يكتمل باستحضار شمال المغرب وحده، بل يقتضي العودة إلى الجنوب المغربي، حيث امتدت السيطرة الإسبانية إلى مناطق واسعة، وخلفت جراحاً عميقة في الذاكرة الوطنية.
فمنطقة طرفاية، التي كانت خاضعة للإدارة الإسبانية، لم تسترجعها المملكة المغربية إلا سنة 1958، بعد سنتين من حصول المغرب على استقلاله.
كما استعادت المملكة مدينة سيدي إفني سنة 1969، بعد سنوات من النضال الوطني والعمل السياسي والدبلوماسي.
أما الصحراء المغربية، فقد ظلت تحت الاستعمار الإسباني إلى أن شكلت المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975 منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار استرجاعها.
لقد كانت المسيرة الخضراء، التي أبدعها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، تجسيداً لعبقرية وطنية جعلت من التعبئة الشعبية السلمية وسيلة للدفاع عن الوحدة الترابية.
فخرج مئات الآلاف من المغاربة حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، ليعلنوا للعالم أن العلاقة بين المغرب وصحرائه ليست مجرد علاقة سياسية، بل رابطة تاريخية وروحية ووطنية عميقة.
ومن هنا، فإن الذاكرة المغربية لا تنظر إلى الاستعمار الإسباني باعتباره حادثة منفصلة في شمال المملكة، بل باعتباره مساراً تاريخياً امتد من سواحل البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي، ومن الريف إلى طرفاية وسيدي إفني والصحراء.
لقد استرجع المغرب استقلاله، واستعاد طرفاية وسيدي إفني، ومضى في ترسيخ وحدته الترابية بالصحراء المغربية.
لكن قضية سبتة ومليلية والجزر والثغور المحتلة لا تزال، بالنسبة إلينا، جرحاً تاريخياً مفتوحاً.
فإذا كانت إسبانيا قد غادرت مناطق واسعة من التراب المغربي، فما الذي يجعل استمرار سيطرتها على سبتة ومليلية أمراً ينبغي أن يقبله المغاربة إلى الأبد؟
إن التاريخ الذي شهد نهاية الوجود الاستعماري الإسباني في أجزاء من المغرب، يفرض اليوم إعادة طرح السؤال بشأن ما تبقى من هذا الإرث.
خامساً: لماذا نرفض تبرير الاحتلال بالسياسة والاقتصاد والجغرافيا؟
تقدم إسبانيا سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين تتمتعان بوضع دستوري وإداري داخل الدولة الإسبانية، وتستند في الدفاع عن موقفها إلى تاريخ السيطرة عليهما وإلى منظومتها القانونية.
غير أنني، من منطلق موقفي الوطني المغربي، أرفض اعتبار هذه الحجج مبرراً أخلاقياً أو تاريخياً لإغلاق النقاش حول المدينتين.
فالجغرافيا واضحة: المدينتان تقعان على الساحل الشمالي للقارة الإفريقية، وتتصلان مباشرة بالمجال الترابي المغربي.
والتاريخ واضح في دلالاته: السيطرة الأوروبية على الثغور المغربية ارتبطت بمراحل التوسع العسكري والاستعماري، ولم تكن ثمرة توافق وطني مغربي حر.
أما الاقتصاد، فلا يمكن أن يكون مصدراً مستقلاً للمشروعية التاريخية؛ إذ إن إقامة المؤسسات والموانئ والمناطق التجارية، مهما طال أمدها، لا تلغي حق الشعوب في مساءلة الماضي
وعلى المستوى الاجتماعي والحضاري، فإن حضور المكون المغربي والإسلامي، والروابط العائلية والثقافية واللغوية والدينية الممتدة بين المدينتين ومحيطهما المغربي، يكشف عمق العلاقات الإنسانية التي لم تستطع الحدود السياسية قطعها.
إننا لا ننكر وجود سكان يحملون الجنسية الإسبانية في المدينتين، ولا ندعو إلى المساس بحقوقهم أو كرامتهم أو ممتلكاتهم.
بل نؤكد أن أي معالجة تاريخية عادلة لهذا الملف ينبغي أن تحمي جميع السكان، وتحترم حقوقهم الأساسية وتنوعهم الديني والثقافي.
لكن احترام الإنسان شيء، وتحويل الوضع القائم إلى حقيقة تاريخية غير قابلة للنقاش شيء آخر.
وبالنسبة إليّ، فإن إسبانيا لا تمتلك مبرراً استعمارياً أخلاقياً يخول لها مطالبة المغرب بالتخلي نهائياً عن قضية سبتة ومليلية.
إن العدالة التاريخية لا تقاس بقوة الطرف الذي يسيطر على الأرض، بل بمدى استعداده لمواجهة الأسئلة التي يطرحها التاريخ.
سادساً: الهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية… المغرب ليس حارساً لحدود أوروبا
من أهم القضايا التي يفرضها الخطاب الملكي السامي الأخير إعادة النظر في طبيعة التعاون الدولي في مجال الهجرة، وفي مقدمة ذلك الشراكة المغربية الإسبانية.
لقد قدم المغرب، عبر سنوات طويلة، مساهمة مهمة في تدبير تدفقات الهجرة، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وتعزيز الأمن والاستقرار على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
غير أن هذه المساهمة لا تعني أن المغرب مطالب بتحمل الأعباء الأمنية والإنسانية والاقتصادية نيابة عن أوروبا، أو أن التعاون في ملف الهجرة يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي.
فالمغرب دولة ذات سيادة، وشريك استراتيجي، وليس مجرد منطقة عازلة بين القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبي.
ومن هذا المنطلق، فإن الرؤية الملكية الداعية إلى تجاوز محدودية النموذج الحالي للتعاون تؤسس، في تقديرنا، لمفهوم جديد للشراكة، يقوم على الندية والمسؤولية المشتركة والاحترام المتبادل.
وإذا كانت إسبانيا حريصة على تطوير علاقاتها مع المغرب، فإن عليها أن تدرك أن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تكون انتقائية: تعاون أمني واقتصادي عندما يتعلق الأمر بالمصالح الإسبانية، وتجاهل للحساسيات المغربية عندما يتعلق الأمر بالذاكرة والسيادة.
إننا نريد تعاوناً مغربياً إسبانياً قوياً، ولكننا نريده تعاوناً يحترم مكانة المغرب، ويعترف بدوره الإقليمي، ويضع كرامة الإنسان فوق الحسابات الظرفية.
سابعاً: المقبرة الإسلامية بسبتة… لا تجعلوا من مأساة المهاجرين غطاءً للرسائل السياسية
تتضمن زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا محطة بالمقبرة الإسلامية سيدي مبارك بمدينة سبتة، تكريماً لضحايا أحداث الهجرة التي شهدتها المنطقة خلال شهر يوليو الماضي.
إننا، من منطلق إيماننا بقيم الأخوة الإنسانية، نحترم كل مبادرة صادقة لتكريم الضحايا، ونترحم على أرواح الذين فقدوا حياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل.
لكننا نرفض أن تختزل المآسي الإنسانية في مراسم بروتوكولية تنتهي بانتهاء الزيارة.
فمن حقنا أن نتساءل: ماذا بعد وضع أكاليل الزهور؟ وماذا بعد كلمات المواساة؟ وهل ستتحول هذه اللحظة إلى مراجعة حقيقية للسياسات التي تجعل البحر والحدود مقابر لأحلام الشباب؟
إن الإنسان الذي يفقد حياته أثناء الهجرة ليس رقماً في سجل أمني، بل ابن أسرة، وصاحب حلم، وروح تستحق الكرامة.
ومن المفارقات المؤلمة أن تُقام مراسم تكريم الضحايا في مدينة لا يزال وضعها التاريخي والسياسي موضع خلاف بين المغرب وإسبانيا، دون أن تكون هذه المناسبة فرصة أوسع للحوار حول جذور الأزمات الإنسانية والحدودية.
إن احترام الموتى ينبغي أن يقترن باحترام الأحياء، والرحمة لا ينبغي أن تنفصل عن العدالة.
ثامناً: الجهوية المتقدمة وتنمية شمال المغرب… أقوى رد وطني هو بناء مغرب مزدهر
لقد أكد الخطاب الملكي السامي أهمية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز العدالة المجالية، وتسريع الإصلاحات الكبرى، بما يجعل من الولاية التشريعية الجديدة مرحلة للإنجاز والمسؤولية.
وهذه التوجيهات تكتسي أهمية استراتيجية بالنسبة إلى شمال المغرب، وخاصة المناطق المجاورة لسبتة ومليلية.
فالدفاع عن القضايا الوطنية لا يتحقق فقط بالبيانات والمقالات والاحتجاجات، بل يتحقق كذلك ببناء اقتصاد قوي، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز البنيات التحتية.
إن الفنيدق والمضيق وتطوان والناظور والحسيمة وطنجة والعرائش وشفشاون ، وغيرها من مدن الشمال، تحتاج إلى نموذج تنموي متكامل يجعل المواطن المغربي شريكاً حقيقياً في صناعة الثروة والاستقرار.
ومن واجبنا أن نحول المناطق الحدودية من مجالات تعاني هشاشة بعض الأنشطة الاقتصادية إلى أقطاب للإنتاج والاستثمار والتجارة والسياحة والصناعة.
فكل مشروع تنموي ناجح في شمال المغرب يعزز قوة المملكة، وكل فرصة عمل تفتح أمام الشباب تسهم في تحصين المجتمع، وكل تقدم في العدالة الاجتماعية والمجالية يمثل دعامة إضافية للسيادة الوطنية.
إن مغرب المؤسسات القوية والاقتصاد المنتج والمجتمع المتماسك هو الأقدر على الدفاع عن مصالحه التاريخية، وعلى مخاطبة شركائه من موقع الثقة والندية.
تاسعاً: الشعب الإسباني ليس عدونا… لكن الاستعمار لا يمكن أن يكون أساساً للصداقة
أود التأكيد، بوضوح لا يحتمل التأويل، أن موقفنا الرافض لاستمرار السيطرة الإسبانية على سبتة ومليلية ليس موقفاً عدائياً تجاه الشعب الإسباني.
فنحن نحترم هذا الشعب، ونقدر ما يجمعنا به من روابط إنسانية وثقافية وحضارية، ونؤمن بأن مستقبل المغرب وإسبانيا ينبغي أن يكون مستقبل تعاون وسلام وازدهار مشترك.
لكن الصداقة بين الشعوب لا تعني الصمت عن المظالم التاريخية.
والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق.
والأخوة الإنسانية لا تعني مطالبة الشعوب بأن تنسى تاريخها أو تتخلى عن كرامتها.
إن إسبانيا التي استطاعت أن تبني نظاماً ديمقراطياً حديثاً، وأن تصبح فاعلاً مهماً داخل الاتحاد الأوروبي، مدعوة إلى امتلاك الشجاعة السياسية والأخلاقية لمراجعة علاقتها بماضيها الاستعماري في المغرب.
كما أن المثقفين والمؤرخين والجامعيين والحقوقيين الإسبان مدعوون إلى الانخراط في حوار صريح حول هذا الماضي، بعيداً عن الخطابات القومية المتشنجة.
فنحن لا نطالب بإعادة إنتاج صراعات القرون الماضية، وإنما نطالب بألا تتحول نتائج تلك الصراعات إلى واقع مفروض خارج كل نقاش.
إننا نريد إسبانيا جارة وصديقة وشريكة، لا دولة تستمر في التعامل مع صفحات من الماضي الاستعماري باعتبارها حقائق نهائية لا يجوز للمغرب مساءلتها.
عاشراً: من الرفض الوطني إلى المبادرة التاريخية… ماذا ينبغي أن نفعل؟
إن التعبير عن رفض الزيارة الملكية الإسبانية، مهما بلغت قوته، ينبغي ألا يكون نهاية الموقف الوطني، بل بداية تفكير جاد في كيفية تحويل الذاكرة التاريخية إلى مشروع سياسي وثقافي ودبلوماسي متكامل.
ومن هذا المنطلق، أقترح:
1. إعداد ملف وطني تاريخي متكامل حول سبتة ومليلية والجزر والثغور المحتلة.
بمشاركة مؤرخين وجغرافيين وخبراء في القانون الدولي، يستند إلى الوثائق والأرشيف والخرائط والمعاهدات والدراسات العلمية، ويقدم الرواية التاريخية المغربية بصورة منهجية قابلة للتداول الدولي.
2. إطلاق مبادرة مغربية لمساءلة الماضي الاستعماري الإسباني في شمال المغرب وجنوبه.
تشمل دراسة حرب الريف، واستخدام الأسلحة الكيميائية، والآثار الاقتصادية والاجتماعية للاستعمار، وتاريخ المقاومة الوطنية في الشمال وطرفاية وسيدي إفني والصحراء المغربية.
3. الدعوة إلى فتح حوار سياسي ودبلوماسي بشأن مستقبل سبتة ومليلية.
حوار سلمي ومسؤول، يستحضر المطالب التاريخية المغربية، ويحترم الحقوق الإنسانية لجميع السكان، ويبحث عن آفاق عادلة بعيداً عن فرض الأمر الواقع.
4. تأسيس منتدى مغربي إسباني للذاكرة التاريخية والمصالحة.
يجمع شخصيات أكاديمية وحقوقية وثقافية ومدنية من البلدين، ويعمل على تحرير النقاش التاريخي من الحسابات الظرفية، وبناء جسور للتفاهم دون مصادرة المواقف الوطنية.
5. إدماج تاريخ المقاومة ضد الاستعمار الإسباني في المبادرات الثقافية والتربوية.
مع العناية بذاكرة الريف، والمقاومة في شمال المغرب، وتاريخ استرجاع طرفاية وسيدي إفني، والمسيرة الخضراء المظفرة.
6. تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق الشمالية.
بما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بالجهوية المتقدمة والعدالة المجالية، ويجعل التنمية رافعة استراتيجية لتعزيز قوة الدولة والمجتمع.
7. تشجيع التعبير المدني السلمي والمسؤول.
فمن حق المغاربة التعبير عن رفضهم للزيارة المرتقبة، والمطالبة بإنهاء السيطرة الإسبانية على الثغرين، شريطة احترام القانون ورفض العنف والكراهية، وعدم استهداف المواطنين الإسبان أو سكان المدينتين.
إن القضية الوطنية العادلة تحتاج إلى قوة الحجة، ووضوح الرؤية، وطول النفس، ووحدة الصف، أكثر مما تحتاج إلى الشعارات العابرة.
حادي عشر: رسالة إلى إسبانيا… لا مستقبل مشتركاً حقيقياً دون شجاعة مواجهة الماضي
إن رسالتنا إلى المملكة الإسبانية ليست دعوة إلى القطيعة، وإنما دعوة إلى مراجعة تاريخية شجاعة.
لقد تغير العالم، وتحررت شعوب كثيرة من الاستعمار، وأصبحت مبادئ الكرامة والمساواة والسيادة من المرتكزات الأساسية للعلاقات الدولية الحديثة.
فلماذا ينبغي أن تبقى سبتة ومليلية خارج النقاش التاريخي بين المغرب وإسبانيا؟
ولماذا يُطلب من المغاربة أن يتعاملوا مع استمرار السيطرة الإسبانية عليهما باعتباره أمراً طبيعياً، بينما تحتفظ ذاكرتهم الوطنية برواية مختلفة تماماً؟
إن المغرب ليس بلداً طارئاً على التاريخ، بل دولة عريقة، ذات امتداد حضاري ومؤسساتي وروحي متجذر.
وقد أثبت عبر مختلف المحطات قدرته على الدفاع عن مصالحه الوطنية، وعلى الجمع بين الحزم الدبلوماسي والانفتاح على الشراكات الدولية.
وإذا كانت إسبانيا تريد بناء مستقبل استراتيجي مستدام مع المغرب، فإن عليها أن تدرك أن احترام هذا البلد لا يقتصر على توقيع الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية، بل يشمل أيضاً احترام ذاكرته التاريخية ومشاعره الوطنية.
إن الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية قد تنتهي خلال يومين، لكن الأسئلة التي تثيرها ستظل حاضرة ما دام هذا الملف التاريخي مفتوحاً.
ولا تستطيع أي زيارة رسمية، مهما بلغت رمزيتها، أن تمنح الماضي الاستعماري براءة أخلاقية، أو أن تطالب المغاربة بنسيان ما يعتبرونه جزءاً من أرضهم وتاريخهم.
خاتمة: سبتة ومليلية في قلب الوجدان المغربي… والاعتزاز بالمغربية عهد لا يسقط بالتقادم
إنني أكتب هذه الكلمات بصفتي مواطناً مغربياً، لا أبحث عن خصومة مع إسبانيا، ولا أنطلق من موقف محايد تجاه قضية تمس تاريخ وطني وكرامته.
أكتبها وفاءً لذاكرة المقاومين الذين واجهوا الاستعمار الإسباني في جبال الريف واجبالة وسهول الشمال، ووفاءً للأجيال التي ناضلت من أجل استرجاع طرفاية وسيدي إفني، وللمغاربة الذين جسدوا في المسيرة الخضراء أسمى معاني التعبئة الوطنية السلمية.
وأكتبها استحضاراً للرسالة العميقة التي حملها الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، حين جعل من الاعتزاز بالمغربية إحساساً متجدداً ومسؤولية وطنية.
إننا نريد مغرباً قوياً بمؤسساته، معتزاً بملكيته العريقة، متشبثاً بثوابته، متقدماً باقتصاده، متضامناً بمجتمعه، ومنفتحاً على العالم من موقع السيادة والكرامة.
ونريد علاقات مغربية إسبانية تقوم على الاحترام المتبادل، لا على مطالبة المغرب بنسيان تاريخه.
أما سبتة ومليلية، فستظلان بالنسبة إلينا قضية وطنية حاضرة في الذاكرة والوجدان، ومطلباً تاريخياً نؤمن بضرورة الدفاع عنه بالوسائل السلمية والحضارية والدبلوماسية.
إن إسبانيا تستطيع أن تنظم الزيارات، وأن ترفع الأعلام، وأن تقيم المراسم الرسمية، لكنها لا تستطيع أن تطلب من المغاربة أن يمحوا خمسة قرون من الذاكرة، أو أن يعتبروا الاستعمار حقاً تاريخياً مكتسباً لا تجوز مراجعته.
فالأوطان لا تختزل في الخرائط، والسيادة ليست مجرد مراسم، والكرامة لا تخضع لموازين القوة.
قد تتغير الحكومات، وقد يتعاقب الملوك، وقد تتبدل المصالح والتحالفات، لكن الشعوب التي تعرف تاريخها لا تفقد ذاكرتها.
سبتة ومليلية مغربيتان في وجداننا الوطني، وستبقى المطالبة بهما موقفاً تاريخياً مشروعاً ندافع عنه بالحكمة والحجة والسلام، وفاءً للمغرب وللأجيال القادمة.
وسيبقى الاعتزاز بالمغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، مصدر قوتنا المعنوية، ومنطلق التزامنا الوطني، وعهدنا الدائم مع تاريخ هذا الوطن ومستقبله.

العرائش المملكة المغربية
11 أكتوبر 2026

Translate »