فاتح ماي بالمغرب حين تحوّل عيد العمال إلى واجهة حزبية وصمت نقابي

اورو مغربمنذ 33 دقيقةآخر تحديث :
فاتح ماي بالمغرب حين تحوّل عيد العمال إلى واجهة حزبية وصمت نقابي

اورو مغرب بقلم: محمد الحدوشي

عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيد؟… أبعزيمةٍ نضالية تُجدِّد آمال الشغيلة، أم بواقعٍ مُثقلٍ بخيبات التمثيلية وتراجع الدور النقابي؟ هكذا يطلّ فاتح ماي كل سنة على الطبقة العاملة بالمغرب، ليس فقط كموعد احتفالي، بل كمحطة للتأمل والمساءلة، تكشف حجم المفارقة بين رمزية هذا اليوم وتراجع الفعل النقابي على أرض الواقع.
لقد كان من المفترض أن يشكل هذا اليوم مناسبة لتجديد العهد مع القضايا الحقيقية للشغيلة، واستحضار روح التضامن والوحدة التي طالما شكّلت جوهر العمل النقابي. غير أن المشهد اليوم يوحي بعكس ذلك، حيث تحوّل فاتح ماي، في كثير من تجلياته، إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية، واستعراض للولاءات الحزبية، بدل أن يكون فضاءً موحدًا للتعبير عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية للعمال
وعليه، فإن إعادة الاعتبار للعمل النقابي تقتضي، أولًا، تحريره من الهيمنة الحزبية، عبر إرساء قواعد صارمة للفصل بين المسؤوليات النقابية والسياسية. كما تستدعي، ثانيًا، إعادة بناء الوحدة النقابية على أساس المصالح المشتركة للشغيلة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة. وثالثًا، تطوير رؤية نضالية حديثة تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتستثمر أدوات الضغط المشروع في إطار القانون.
خلاصة القول، إن أزمة العمل النقابي اليوم ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة خيارات وتوازنات قابلة للمراجعة. وإذا كان شعار كارل ماركس وفريدريك أنجلز قد وُلد في سياق تاريخي مختلف، فإن روحه ما تزال صالحة، قوة العمال في وحدتهم، وضعفهم في تفرقهم. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا، هل تملك الحركة النقابية الجرأة الكافية لاستعادة استقلالها ودورها التاريخي؟
انطلاقًا من هذه الخلاصة، يبرز الواقع النقابي المغربي كنموذج دال على عمق الإشكال، حيث لم يعد الخلل مرتبطًا فقط بضعف الإمكانيات أو تعقيد المطالب الاجتماعية، بل أصبح بنيويًا يمس جوهر العمل النقابي نفسه. فقد تحولت النقابات، في كثير من الأحيان، من أدوات للدفاع عن الشغيلة إلى امتدادات تنظيمية لأحزاب سياسية، تُسخَّر لتدبير التوازنات الانتخابية أو تصريف الصراعات الإيديولوجية. وبهذا المعنى، لم تعد النقابة فضاءً مستقلاً يعكس الإرادة الجماعية للعمال، بل أضحت رهينة لحسابات لا تمت بصلة مباشرة لقضاياهم اليومية.
هذا التحول أفرز وضعًا مركبًا، يتجلى أساسًا في تشتت الجسم النقابي إلى مركزيات متعددة، لكل منها مرجعية حزبية أو خلفية سياسية معينة. وهو ما أضعف بشكل واضح القدرة التفاوضية للنقابات، وأفقدها وزنها التأثيري في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية. فالعمل النقابي، بطبيعته، يقوم على مبدأ التكتل والتضامن، غير أن الواقع المغربي يكشف عن مفارقة حادة، تعددية عددية تقابلها هشاشة فعلية في التأثير.
وإذا كان من المشروع الدفاع عن التعددية كخيار ديمقراطي، فإن الإشكال يكمن في تحول هذه التعددية إلى أداة للتفتيت، حيث تتنافس النقابات فيما بينها على استقطاب المنخرطين، بدل توحيد الجهود لتحقيق مطالب مشتركة. هذا التنافس، الذي تغذيه الخلفيات الحزبية، أدى إلى إضعاف الثقة في العمل النقابي، خاصة في أوساط فئات واسعة من الشغيلة التي لم تعد ترى في النقابات إطارًا فعالًا لتحقيق التغيير.
إن أخطر ما في هذا المسار هو اختزال الفعل النقابي في لحظات موسمية مرتبطة بأجندات سياسية، بدل أن يكون ممارسة مستمرة ومؤطرة برؤية استراتيجية واضحة. كما أن غياب الاستقلالية الفعلية جعل العديد من المبادرات النضالية رهينة للتوازنات الحزبية، وهو ما يفسر في كثير من الأحيان محدودية نتائجها.
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة عميقة لأسس العمل النقابي بالمغرب، تنطلق من إعادة تعريف العلاقة بين النقابي والسياسي، على أساس الفصل لا التبعية. فالنقابة، لكي تستعيد مشروعيتها، مطالبة بأن تعود إلى وظيفتها الأصلية، الدفاع عن الشغيلة، وتأطير مطالبها، والتفاوض باسمها بشكل مستقل ومسؤول.
كما أن إعادة بناء الوحدة النقابية لا تعني بالضرورة إلغاء التعدد، بل تقتضي تنسيقًا فعليًا بين مختلف المركزيات حول القضايا الجوهرية، بما يضمن الحد الأدنى من الانسجام في المواقف. فالوحدة، في بعدها العملي، ليست اندماجًا شكليًا، بل التقاء إرادات حول أهداف مشتركة.
في الأخير، يبقى الرهان الحقيقي هو قدرة الفاعلين النقابيين أنفسهم على القطع مع منطق التبعية، والانخراط في مشروع إصلاحي يعيد الاعتبار للعمل النقابي كقوة اقتراحية ونضالية. فبدون هذه الجرأة، سيظل السؤال الذي طرحناه مفتوحًا، وستبقى النقابات تدور في حلقة مفرغة، بعيدة عن دورها التاريخي في الدفاع عن كرامة العمال ومستقبلهم.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »