اورو مغرب
يشكل تسييس العمل الجمعوي أحد أبرز التحديات التي تهدد نزاهة المجتمع المدني وتُفقده جوهره الأساسي المتمثل في خدمة المصلحة العامة بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة .
في المغرب، تزايدت مؤخرًا مظاهر استغلال الجمعيات ذات الطابع المدني لأغراض حزبية، حيث باتت بعض الجمعيات ترفع شعارات الدفاع عن قضايا الجالية المغربية بالخارج، لكنها في الواقع تتحول إلى منصات لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية.
إن ظاهرة تسييس الجمعيات، وخاصة تلك التي تُعنى بشؤون الجالية المغربية، تمثل خروجًا صارخًا عن التوجيهات الملكية السامية، التي أكدت في أكثر من مناسبة على ضرورة توفير الدعم الكامل لأفراد الجالية المغربية في الخارج، ومساندتهم في مختلف القضايا دون تمييز أو استغلال.
جلالة الملك محمد السادس شدد في خطاباته على أهمية فصل العمل الجمعوي عن الحسابات الحزبية الضيقة وضمان نزاهة العمل المدني.
إحدى أبرز الإشكاليات التي طفت على السطح مؤخرًا، تتعلق بجمعية تطلق على نفسها اسم “المهاجر”، والتي يُلاحظ بشكل واضح انخراطها في أجندات سياسية بعيدًا عن القيم والأخلاقيات التي يجب أن تؤطر العمل الجمعوي.
فبدلًا من التركيز على خدمة أفراد الجالية، تحوّلت هذه الجمعية إلى أداة للابتزاز السياسي، متخذة من قضايا الجالية واجهة للترويج لأهداف حزبية مبيتة.
الأمر يزداد سوءًا حين نلاحظ أن هذا الاستغلال يتكرر موسميًا؛ ففي الصيف، يُركز هؤلاء على قضايا الجالية المغربية العائدة إلى أرض الوطن، مستغلين مشاكلهم وانشغالاتهم لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية.
أما في الشتاء، حين يعود معظم أفراد الجالية إلى بلدان إقامتهم، يُحوّل هؤلاء بوصلتهم نحو السياسة، ليبدأ فصل جديد من الابتزاز واستغلال النفوذ.
هذا النوع من السلوكيات يسيء بشكل كبير إلى الدور الحقيقي للجمعيات المدنية، ويفقدها مصداقيتها أمام أفراد الجالية المغربية بالخارج، الذين يُفترض أن يجدوا في هذه الجمعيات فضاءً للدعم والتوجيه بدلًا من استغلالهم كأداة لتحقيق أجندات ضيقة.
إن مخاطر تسييس العمل الجمعوي لا تتوقف عند حدود التأثير على الجالية المغربية، بل تتعدى ذلك إلى ضرب ثقة المواطنين في العمل المدني ككل، وخلق حالة من اللامبالاة والشك تجاه أي مبادرة تأتي من هذا النوع من الجمعيات.
اليوم، أصبح من الضروري أن تتدخل الجهات الوصية والرقابية بشكل صارم لضمان تطبيق القوانين المنظمة للعمل الجمعوي، وعلى رأسها الظهير الشريف رقم 1.58.376، الذي يؤكد على منع الجمعيات من الانخراط في أي عمل حزبي مباشر أو غير مباشر.
كما يتوجب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم التساهل مع أي تجاوزات تسيء إلى العمل الجمعوي النزيه.
في الختام، يبقى العمل الجمعوي في المغرب ركيزة أساسية للتنمية المجتمعية وخدمة القضايا الوطنية، لكنه لن يحقق أهدافه في ظل استمرار استغلاله كأداة لخدمة المصالح الضيقة.
الحفاظ على نزاهة العمل الجمعوي يتطلب وعيًا جماعيًا، وإرادة سياسية قوية، وتدخلًا حازمًا من السلطات لضمان احترام القوانين والتوجيهات السامية التي وضعها جلالة الملك لصالح أفراد الجالية المغربية.













عذراً التعليقات مغلقة