مفارقة الاندماج في ألمانيا وأزمة المواطن المسلم الذي يظل تحت الاختبار

اورو مغربمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مفارقة الاندماج في ألمانيا وأزمة المواطن المسلم الذي يظل تحت الاختبار

اورو مغرب

بقلم عبدالصمد اليزيدي
رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا

في قلب التجربة الألمانية المعاصرة يبرز سؤال الاندماج بوصفه أحد أكثر الأسئلة حساسية وتعقيدًا، ليس فقط بسبب التحولات الديمغرافية والثقافية التي عرفها المجتمع الألماني خلال العقود الأخيرة، بل أيضًا بسبب التناقض القائم بين الخطاب الرسمي الداعي إلى التعددية والمساواة، وبين بعض الممارسات الاجتماعية والسياسية التي تجعل المواطن المسلم يشعر بأنه ما يزال مطالبًا، في كل مرحلة، بإثبات انتمائه وولائه من جديد.

وتتجلى مفارقة الاندماج في ألمانيا في أن المسلم كلما اقترب من مواقع التأثير والنجاح والحضور المجتمعي، ازدادت حدة الشكوك والأسئلة حول هويته وانتمائه. فالمطلوب أحيانًا ليس الاندماج الحقيقي القائم على المشاركة المتساوية، بل نوع من الاندماج المشروط الذي يسمح للمسلم بأن يكون حاضرًا ما دام بعيدًا عن مراكز القرار والتأثير، أو ما دام لا يعبّر بوضوح عن خصوصيته الدينية والثقافية.

وقد ظهرت هذه الإشكالية بوضوح فيما نشرته بعض الصحف الألمانية مؤخرًا حول الفتاة المسلمة المحجبة التي شاركت في إحدى مسابقات ملكة الجمال بألمانيا، حيث تحوّل حضورها، الذي كان من المفترض أن يُنظر إليه باعتباره تعبيرًا عن تنوع المجتمع الألماني وانفتاحه، إلى مادة للجدل والسخرية والهجوم في بعض المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، بل وحتى من بعض الأحزاب السياسية تحت قبة البرلمان. غير أن هذه الشابة استطاعت أن تواجه موجة الكراهية بثقة ورقي، وأن تحوّل المحنة إلى فرصة للنقاش الهادئ حول حق المرأة المسلمة في أن تكون حاضرة في الفضاء العام دون أن تُجبر على التخلي عن هويتها أو قناعاتها الدينية.

إن هذه الحالة تكشف بوضوح أزمة النظرة إلى المسلم في أوروبا عمومًا، وفي ألمانيا خصوصًا. فحين تكون المرأة المسلمة المحجبة في موقع هامشي أو وظيفة بسيطة، لا يثير وجودها كثيرًا من الحساسية، بل يُنظر إليها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من المشهد الاجتماعي. لكن المفارقة تظهر عندما تنتقل إلى موقع التأثير والتمثيل والنجاح.

فالمرأة المسلمة المحجبة التي كانت تعمل لعقود منظفةً في الحرم المدرسي أو الجامعي كانت مقبولة ولا تثير أي جدل، لكن ابنتها التي درست واجتهدت حتى أصبحت مدرسة أو أستاذة في الحرم نفسه أصبحت تواجه الرفض والتمييز ومحاولات الإقصاء، فقط لأنها اختارت أن تجمع بين الكفاءة العلمية والتمسك بهويتها الدينية.

والأمر نفسه يتكرر في المجال السياسي والمدني، حيث يواجه المسلمون في ألمانيا، وخاصة النساء المحجبات، قدرًا هائلًا من الهجمات الإعلامية والتحريض الإلكتروني كلما قرروا الترشح لتسيير الشأن المحلي أو الوطني. فكثيرًا ما تتحول البرامج الانتخابية والكفاءات المهنية إلى مسألة ثانوية، بينما يصبح النقاش متمركزًا حول الاسم أو الأصل أو الحجاب أو الخلفية الدينية للمرشح المسلم.

وهكذا يجد السياسي أو الناشط المسلم نفسه أمام معركة مضاعفة: معركة إثبات الكفاءة، ومعركة الدفاع عن حقه الطبيعي في المشاركة السياسية كمواطن كامل الحقوق. بل إن بعضهم يتعرض لحملات تشكيك واتهامات بالازدواجية أو “عدم الاندماج” لمجرد تمسكه بهويته الثقافية أو الدينية، وكأن المواطنة الحقيقية مشروطة بالتخلي عن الخصوصية الذاتية.

إن أزمة الاندماج الحقيقية ليست في وجود التنوع، بل في صعوبة تقبل نجاح المختلف حين يحتفظ بهويته. ولذلك فإن التحدي المطروح اليوم أمام ألمانيا لا يتمثل فقط في محاربة العنصرية المباشرة، وإنما أيضًا في مراجعة التصورات النمطية التي تجعل من المسلم مواطنًا “تحت الاختبار” باستمرار.

لقد أثبتت التجربة والدراسات أن المسلمين في ألمانيا ليسوا مجرد جالية مهاجرة، بل جزء أصيل من النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للبلاد. وهم حاضرون في الجامعات والمستشفيات والإعلام والإدارة والعمل المدني والسياسي، ويساهمون يوميًا في بناء المجتمع وخدمة الصالح العام. غير أن استمرار بعض الخطابات الشعبوية والإقصائية يهدد بإضعاف الثقة المتبادلة ويغذي مشاعر التهميش لدى الأجيال الجديدة.

إن الاندماج الحقيقي لا يعني أن يتخلى الإنسان عن اسمه أو دينه أو رموزه الثقافية حتى يُقبل داخل المجتمع، بل يعني أن يُمنح الحق الكامل في أن يكون مواطنًا فاعلًا ومتساويًا وهو يحتفظ بخصوصيته وهويته. فالديمقراطية القوية لا تُبنى على فرض التشابه، وإنما على احترام التعدد وإدارة الاختلاف بعدالة وإنصاف.

ويبقى السؤال المؤلم مطروحًا: لماذا يُقبل المسلم حين يكون في الهامش، ويُواجه أحيانًا بالرفض والريبة حين ينجح ويصعد إلى الواجهة؟ تلك هي بالفعل مفارقة الاندماج في ألمانيا، وأزمة المواطن المسلم الذي يظل، رغم كل العطاء، تحت الاختبار.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »