من الحسيمة.. أغنية تحمل وجع كل أم تنتظر

اورو مغربمنذ 21 دقيقةآخر تحديث :
من الحسيمة.. أغنية تحمل وجع كل أم تنتظر

اورو مغرب

ثمة بيوت تستقبل العيد بصمت أثقل من كل الأصوات. بيوت تعلق فيها الفوانيس وتطهى فيها الأطباق المعتادة، غير أن مقعدا يظل شاغرا، وصوتا يظل غائبا، وضحكة لا تسمع رغم أن صاحبها حاضر في كل ركن. هذه البيوت لا تحتفل، بل تنتظر. لا تفرح بقدوم العيد، بل تسأله: متى يعود من غاب؟
منذ فجر البشرية، عرفت المجتمعات الإنسانية ما يعنيه الغياب القسري للأبناء على قلوب الأمهات وعلى كيان الأسرة بأسره. الغياب الذي لا يعلن عن نهايته، ولا يترك للأسرة حتى ترف الحداد الكامل ولا حرية الانتظار الصامد، يشكل جرحا نفسيا واجتماعيا خاصا، يتضاعف حين تقترب المناسبات التي تحتفى فيها بلم الشمل العائلي.
من هذا العمق الإنساني الشديد، ولدت أغنية “العيد على أمل” للفنان الأمازيغي عزيز البقالي؛ عمل فني يحمل في طياته وجع الأمهات المنتظرات، ودموع الأسر التي تعيش تجربة الغياب، ويجعل من الأغنية وثيقة وجدانية تكتب بالموسيقى ما عجز عنه الصمت وما تجاوزه الكلام.
لفهم “العيد على أمل”، لا بد من فهم صاحبها أولا. عبد العزيز البقالي، ابن مدينة الحسيمة، تلك المدينة الجبلية الساحلية التي تغني جبالها بأصوات لا تسمع إلا من صمتها، ولد في التاسع والعشرين من يناير عام 1979، وحمل منذ صباه فضولا مزدوجا نحو الفن والمعرفة الإنسانية.
تعلم عزيز العزف على القيثارة في بدايات التسعينيات بدار الشباب في مسقط رأسه، وكان ذلك التعلم العصامي البذرة الأولى لمسيرة طويلة لم تنفصل يوما عن الأرض التي نبتت منها. لكن ما يميز هذا الفنان تمييزا حقيقيا هو أنه لم يكتف بالموهبة الموسيقية الفطرية، بل ذهب إلى الجامعة حاملا أسئلة المجتمع، فحصل على إجازة في علم الاجتماع، إضافة إلى تكوين في التسيير والمعلوميات وشهادة في اللغة الإسبانية. هذه الخلفية الأكاديمية لم تكن زينة على سيرته الذاتية، بل تحولت إلى عدسة يرى من خلالها المجتمع وينسج من خيوطه أعماله الفنية.
أسس عزيز البقالي فرقة “تيفيور”، وهو اسم أمازيغي يعني “أجمل من القمر”، وكأنه بهذا الاختيار يعلن مسبقا أن الفن الذي ينشده لا يقبل المساومة على الجمال ولا على الإنسان. في هذه الفرقة، تولى البقالي دور الملحن الرئيسي وكاتب الكلمات والمسؤول التدبيري معا، وهو ما يجعله في نادر الفنانين الذين يحملون ثلاثي الرؤية والأداء والتنظيم في آن واحد.
أثمرت مسيرة تيفيور عن ثلاثة ألبومات حملت أسماء ذات ثقل ثقافي ورمزي: “مولاي موحند” و”تافويت” (الشمس) و”تاونجينت” (الذاكرة). وقد كلل هذا المسار الجماعي بالجائزة الكبرى لأحسن ألبوم في المغرب سنة 2012 في صنف الأغنية الأمازيغية المعاصرة من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهو تقدير رسمي لفن لم يجر خلف الجوائز بل جرت هي خلفه.
في مساره الفردي، أصدر عزيز البقالي أعمالا من بينها “أزول” و”ثذباث” و”تدبيرت”، تجسد رحلته نحو خطاب إنساني أكثر كونية، لا يتخلى عن هويته الأمازيغية الريفية بل ينطلق منها نحو آفاق أرحب من المشترك الإنساني. كما يترأس جمعية تيفيور للموسيقى، ويشرف على المهرجان النسائي للموسيقى بويا منذ عام 2011، مبرهنا على أن الفنان الحقيقي لا ينتهي عند خشبة المسرح، بل يواصل عمله في بناء الثقافة وتمكين المرأة ودعم الإبداع المجتمعي.
تنفتح أغنية “العيد على أمل” بنفس شعري يكاد يكون توجعا صاخبا بصوت خافت:
“آه.. لقد أقبل العيد، وحمل معه السؤال إن لم يفكك قيد إخوتي.. فأي فرح يرتجى دونهم؟”
في هاتين الجملتين، يحقق عزيز البقالي شيئا نادرا في الأغنية الملتزمة: يطرح السؤال دون أن يجيب عنه. فالسؤال هنا ليس بلاغيا محضا، بل هو الوجع نفسه في صيغته الأصدق. والعيد الذي يفترض أنه يحمل البهجة صار هنا حاملا للسؤال، أي أنه تحول من مناسبة للجمع إلى مناسبة تجلي الفقدان. هذا الانقلاب في وظيفة العيد هو محور البنية الشعرية والعاطفية للأغنية كلها.
رمزية العيد في الأغنية: لا يعالج البقالي العيد باعتباره احتفالا دينيا فحسب، بل باعتباره مرآة عائلية يرى فيها كل شخص انعكاسه ضمن المجموعة. حين تغيب شخصية من هذه المرآة، يصاب انعكاس الآخرين بكسر لا يصلح. العيد في الأغنية ليس فرحا مسروقا، بل هو سؤال معلق في الهواء.
صورة الأم المنتظرة: يبلغ النص ذروته الوجدانية في المقطع الثاني، الذي يستحق وحده دراسة في شعرية الألم:
“قالت: صبرا يا قلبي.. وقالت: صبرا يا مهجتي اصبر كصبر الجبال، واصبر للضباب والغيوم رسالتي في هذه الحياة، بفيض الدمع قد كتبت فإن رحلت قبل لقياك… فبالله سامحني يا بني”
هذه المرثية الأمومية لا تشبه شيئا كثيرا في الأغنية العربية أو الأمازيغية المعاصرة. الأم هنا لا تشكو ولا تستنجد، بل تحدث نفسها وتأمرها بالصبر، كما لو كانت تقاوم انهيارا داخليا بالكلمات. وعبارة “اصبر كصبر الجبال” تحمل طابعا ريفيا أمازيغيا عميقا، إذ الجبل في الثقافة الريفية ليس مجرد طبيعة صامتة، بل هو رمز الصمود والحضور الأبدي وتحمل العواصف دون أن يقتلع.
لكن الجملة الأكثر تأثيرا وأشد إيلاما هي الأخيرة: “فإن رحلت قبل لقياك… فبالله سامحني يا بني”. إنها اللحظة التي تتشقق فيها كل قناعات الصبر، وتعلن الأم عن خوفها الحقيقي: ألا تعمر حتى لحظة اللقاء. هذا الاعتراف ليس ضعفا بل أقصى درجات الصدق الإنساني. والاعتذار الذي تطلبه من ابنها ليس عن ذنب اقترفته، بل عن عجزها أمام الزمن، وهو من أجمل المفارقات الوجدانية في الأغنية وأكثرها إنسانية.
خطاب الصبر: الصبر في هذه الأغنية ليس فضيلة سلبية، بل هو فعل إرادي مضن. البقالي لا يمجد الاستسلام بل يجلي كلفة الصمود. الصبر هنا قرين الجبال والضباب والغيوم، أي أنه مقرون بأشد مظاهر الطبيعة صلابة وغموضا، وهذا التوظيف يضيف بعدا شعريا يتجذر في الموروث الثقافي لمنطقة الريف التي يتنفس فيها الفن من روح الجبل والبحر معا.
البعد الروحي: في المقطع الثالث يستحضر النص البعد الروحي بصراحة جميلة:
“يا مقيد الحرية.. متى يأتي الفرج من عند ربي؟ متى تصفو لنا السماء، وتشرق شمسنا بعد الغياب؟”
هذا النداء الروحي ليس هروبا من الواقع بل توجه نحو ما هو أكبر من الإنسان حين تعجز أدواته البشرية. والفرج المرجو “من عند ربي” هو تعبير عن إيمان لا يتناقض مع الألم بل يسكن معه في البيت ذاته. السماء التي “تصفو” والشمس التي “تشرق بعد الغياب” صورتان شعريتان كلاسيكيتان غير أن توظيفهما هنا يكتسب دفئا جديدا بسبب سياقه الخاص وثقله العاطفي.
خاتمة النص: الزغاريد والراية البيضاء: تنتهي الأغنية بمشهد بصري ريفي صرف:
“من دار أبي ستعلو زغاريد أمي فرحا وابتهاجا وترفرف رايتنا البيضاء فوق السطوح بعز وافتخار”
الزغاريد رمز من الداخل الثقافي لمجتمعات الريف والأمازيغ، صوت تطلقه المرأة في لحظات البهجة الكبرى. والراية البيضاء ليست علامة استسلام، كما هي في الرمزية الغربية، بل هي في هذا السياق ترمز إلى النقاء والطهارة والانتصار الأخلاقي، وإلى أن الأسرة لم تنكسر، وأن البيت لا يزال قائما ينتظر.
لا يمكن لخريج السوسيولوجيا في عزيز البقالي أن يغيب عن هذا العمل، حتى وهو يلبس ثوب الشاعر والملحن. الأغنية تنطوي على قراءة اجتماعية عميقة لما يخلفه الغياب القسري من أثر على البنية الأسرية.
الأسرة كوحدة نفسية كاملة: تذكرنا الأغنية بما يؤكده علم الاجتماع الأسري وعلم النفس الاجتماعي معا: أن الأسرة ليست مجموع أفرادها بل هي منظومة من العلاقات والمعاني والذاكرة المشتركة. حين ينتزع فرد من هذه المنظومة، لا تستمر بقية أفرادها على ما كانوا عليه، بل تتشقق في أماكن خفية، وتبدأ في إعادة تنظيم علاقاتها الداخلية بطريقة تجعل الغائب حاضرا في كل شيء.
المناسبات الاحتفالية كمرايا للفقدان: ما يفعله البقالي بتوظيف العيد موضوعا للأغنية هو إشارة سوسيولوجية دقيقة. المناسبات الاحتفالية تعلي من حدة الإحساس بالغياب لأنها ترتبط بالاجتماع والاكتمال في الوجدان الجمعي. الباحثون في سوسيولوجيا الصدمة يشيرون إلى أن المعتقلين وذويهم كثيرا ما يبلغون عن تصاعد حدة المعاناة النفسية في المناسبات الاحتفالية؛ إذ تصبح أيام الفرح الكوني أياما لألم مضاعف ومعزول. الأغنية تعبر عن هذه الحقيقة السيكولوجية الاجتماعية بلغة الشعر لا بلغة المقالة الأكاديمية.
الموسيقى كوسيط للألم الجمعي: في كل الثقافات الإنسانية، عرفت الجماعات البشرية الفن وسيطا لا غنى عنه للتعبير عن الألم الذي يتجاوز قدرة الكلام العادي. الموسيقى تتيح لنا أن نقول بالنغم ما يتعذر التصريح به بالخطاب، وأن نشارك في مواساة جماعية تجمع بين من يغني ومن يسمع في حزن مشترك يخفف من ثقل الوحدة. “العيد على أمل” ليست أغنية لأسرة واحدة، بل هي مرثية مفتوحة لكل الأسر التي تعرف معنى الكرسي الشاغر في يوم العيد.
أثر الغياب على المرأة والأم تحديدا: الأغنية تعطي المرأة والأم الحيز الأكبر في خطابها الوجداني، وهذا ليس مصادفة بل هو انعكاس لتقدير عميق لمحورية الأم في البنية الأسرية بالمجتمعات الأمازيغية الريفية. الأم هي المحور الذي تدور حوله العائلة، ووجعها هو الوجع المركزي الذي لا يمكن التهوين منه. في كثير من الدراسات حول ظاهرة الغياب القسري، تشير الأمهات إلى تجربة مزدوجة من الانتظار المرهق والخوف من الموت قبل اللقاء، وهذا بالضبط ما أمسكته كلمات البقالي بكل هذا الصدق.
“العيد على أمل” ليست استثناء في مسيرة عزيز البقالي بل هي امتداد طبيعي لمسار ملتزم طويل. منذ تجربته مع فرقة تيفيور بألبوماتها الثلاثة وحتى أعماله الفردية، ظل البقالي وفيا لما يمكن تسميته “فلسفة الفن كشهادة”، أي أن الأغنية ليست ترفيها محضا بل هي توثيق لحياة الناس ومشاعرهم وأحلامهم وجراحهم.
لكن ما يميز الحقبة الأحدث من مسيرته هو تحول نحو الكونية الإنسانية التي تنطلق من الهوية الأمازيغية لا للانغلاق عليها بل للانفتاح من خلالها على الإنساني الجامع. فأغنية بالعربية الفصحى الشعرية عن وجع الأمهات في انتظار أبنائهن تنتجها أذن ريفية نشأت على الأمازيغية وتغذت على موسيقى الجبل هي في حد ذاتها عبور جسر ثقافي نادر.
كما أن إشراف البقالي على مهرجان بويا النسائي للموسيقى منذ عام 2011 يكشف عن بعد آخر في شخصيته الثقافية: الإيمان بدور المرأة محورا للإبداع لا هامشا له. وهذا الإيمان يتجلى جليا في “العيد على أمل” التي تضع الأم في قلب المشهد الوجداني كله.
حين تنهي الاستماع إلى “العيد على أمل”، لا تتركك الأغنية مثقلا بالوجع وحده. ثمة شيء آخر يتسلل إليك، شيء يشبه الإصرار الهادئ على أن اللقاء سيكون، وأن الزغاريد ستعلو، وأن الراية البيضاء سترفرف. هذا الجمع بين الألم والأمل هو سر الأعمال الفنية الحقيقية التي لا تواسيك بإنكار جرحك بل بمرافقتك وأنت تحمله.
عزيز البقالي بهذا العمل لا يقدم أغنية فحسب، بل يقدم فعلا ثقافيا يقر بوجود الألم في المجتمع ويمنحه صوتا وملامح وموسيقى. وهذا هو ما يفعله الفن حين يكون صادقا: لا يبدل الواقع بالسحر، بل يجعل الإنسان أقل وحدة فيه.
في كل بيت ينتظر فيه مقعد شاغر عودة صاحبه، ستجد هذه الأغنية طريقها إلى قلب محتاج أن يقال له: أنت لست وحدك في انتظارك. وربما هذا وحده كاف لأن يكون الفن فعلا إنسانيا جوهريا لا يستغنى عنه.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »