أورومغرب: متابعة
عندما يُطرح موضوع إصلاح منظومة التربية والتكوين في النقاش العمومي، غالبًا ما ينصب التركيز على الرؤى الاستراتيجية، والاختيارات الكبرى، ومستويات القيادة العليا. غير أن سؤالًا مركزيًا يظل حاضرًا في الهامش: من يتولى فعليًا تدبير الإصلاح داخل البنية الإدارية اليومية للقطاع؟
هنا يبرز الدور المحوري للأطر الإدارية الوسيطة، وفي مقدمتها رؤساء المصالح والأقسام بالمديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية، باعتبارهم حلقة وصل أساسية بين مستويات القرار والتنزيل.
هذه الفئة لا تشتغل في موقع ثانوي، بل في صميم الإدارة العمومية المكلفة بتدبير قطاع التربية. فهي التي تُحوِّل التوجيهات المركزية إلى مساطر عملية، والبرامج إلى مخططات تنفيذ، والإصلاحات إلى إجراءات قابلة للتطبيق في سياقات محلية معقدة ومتباينة. ويتميز موقعها الوظيفي بطابع تنسيقي مركّب، يجمع بين الإشراف التقني، والتتبع الإداري، وضبط الإكراهات المرتبطة بالموارد والآجال وتعدد المتدخلين.
غير أن هذا الثقل الوظيفي لا يواكبه، في الممارسة، تثمين مهني متناسب مع حجم المسؤوليات. إذ ما يزال تدبير وضعية الأطر الإدارية الوسيطة محكومًا بمرجعيات تنظيمية تقليدية، لا تعكس التحولات العميقة التي عرفها القطاع، سواء من حيث توسع المهام، أو تعقد البرامج، أو ارتفاع منسوب الضغط المرتبط بانتظارات المجتمع من المدرسة العمومية.
الإشكال المطروح هنا يتجاوز مسألة التعويضات في بعدها المالي، ليطال النموذج التدبيري المعتمد في توزيع الأدوار والمسؤوليات داخل الإدارة القطاعية. فحين تتحول فئة معينة إلى ركيزة أساسية لضمان استمرارية المرفق العمومي، وتتحمل العبء اليومي لتنزيل السياسات العمومية، دون تحيين لوضعيتها المهنية أو فتح آفاق واضحة لمسارها الإداري، فإن ذلك يفرز اختلالًا بنيويًا يصعب تجاوزه بتدابير ظرفية.
ومن منظور الحكامة الإدارية، يبرز هذا الوضع كأحد مظاهر التوتر بين خطاب الإصلاح ومتطلبات تنزيله. فالدعوة إلى النجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجويد الأداء العمومي، تظل ناقصة ما لم تُرفق بآليات تحفيز منصفة، وباعتراف مؤسسي صريح بالأدوار الحقيقية التي تضطلع بها مختلف مستويات الإدارة.
ولا تكمن خطورة هذا الخلل فقط في الإحساس بالتهميش، بل في ما قد ينتج عنه من إنهاك مهني، وتراجع في الحافزية، وفقدان الثقة في جدوى الانخراط طويل الأمد داخل منظومة إدارية يُنتظر منها أن تكون رافعة أساسية للإصلاح. فالأطر الإدارية الوسيطة ليست مجرد قناة تنفيذ، بل عنصر توازن، وفضاء لإنتاج الحلول، وضبط العلاقة بين القرار المركزي والواقع المحلي.
إن معالجة ملف رؤساء المصالح والأقسام لا ينبغي أن تُختزل في منطق الاستجابة الظرفية، بل يجب أن تُدرج ضمن ورش شامل لإعادة هندسة الإدارة القطاعية لوزارة التربية الوطنية، بما يشمل أنماط التدبير، وتوزيع المسؤوليات، وآليات التثمين والتحفيز داخل المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية.
فالإصلاح التربوي، في عمقه، ليس فقط رهين جودة التصورات والسياسات، بل أيضًا بقدرة الإدارة العمومية المكلفة بتنزيله على الاشتغال في مناخ مهني متوازن، قائم على العدالة الوظيفية، والوضوح في الأدوار، والتحفيز المستدام.












عذراً التعليقات مغلقة