الدكتور محمد بنقدور يكتب بطاقة ائتمان في أمعائنا! الأرقام المرعبة للتلوث البلاستيكي

اورو مغربمنذ 4 دقائقآخر تحديث :
الدكتور محمد بنقدور يكتب بطاقة ائتمان في أمعائنا! الأرقام المرعبة للتلوث البلاستيكي

اورو مغرب

إعداد الدكتور محمد بنقدور
أستاذ التعليم العالي

لم يعد التلوث البلاستيكي مجرد شريط وثائقي نتابعه عبر الشاشات لنشاهد سلحفاة بحرية عالقة، بل تحول إلى أزمة بيئية وصحية طارئة تمس تفاصيل حياتنا اليومية وتسري في أجسادنا؛ إذ يُنتج العالم أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك سنوياً، يذهب ثلثاها تقريباً في منتجات قصيرة العمر تُلقى سريعاً لتتحول إلى نفايات خنق الكوكب.
تكمن الكارثة الحقيقية في قدرة هذه المواد على التحلل إلى جزيئات مجهرية تُعرف بـ “الميكروبلاستيك”. هذه الجزيئات لا تلوث الشواطئ فحسب، بل يتسرب ما بين 19 إلى 23 مليون طن منها سنوياً إلى الأنظمة المائية والبحيرات والبحار. وتشير التقارير العلمية إلى أن الإنسان قد يستهلك أسبوعياً ما يعادل 5 غرامات من البلاستيك (أي وزن بطاقة ائتمانية تقريباً) عبر مياه الشرب والأغذية والهواء. وقد كشفت الأبحاث الحديثة عن وجود هذه الجزيئات الدقيقة في الدم البشري والأنسجة والرئتين، مما يربطها بمخاطر صحية جسيمة تشمل الاضطرابات الهرمونية والتهابات الأنسجة.
وإلى جانب أخطاره الصحية، يواصل البلاستيك تدميره الشامل للأنظمة البيئية والمناخ؛ إذ يتسبب في مقتل أكثر من 100 ألف كائن بحري ومليون طائر بحري سنوياً بسبب الاختناق أو ابتلاع النفايات. كما أن صناعة البلاستيك، المشتقة أساساً من الوقود الأحفوري، تتسبب في إطلاق أكثر من 3% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة عالمياً. ولأن الكيس البلاستيكي الواحد قد يستغرق ما يصل إلى 500 عام لكي يتحلل، وقنينة البلاستيك نحو 450 عاماً، فإن ملايين الأطنان المتراكمة تظل عبئاً أبدياً، خاصة مع محدودية إعادة التدوير (أقل من 10% فقط من إجمالي البلاستيك المنتَج عالمياً).
إن مواجهة هذه الكارثة لم تعد خياراً بل ضرورة ملحة إذ يتطلب الأمر خفض الاستهلاك الفردي وتجنب المواد البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد التي تشكل نحو 40% من حجم الإنتاج اليومي، والاستعانة ببدائل مستدامة كالأكياس القماشية والأواني الزجاجية، إلى جانب فرض قوانين صارمة تعزز الاقتصاد الدائري، لرفع معدلات التدوير وتقليل تدفق هذه السموم إلى بيئتنا.
إن الأزمة لم تعد في المستقبل، بل في الحاضر. وكل قطعة بلاستيكية نستغني عنها اليوم هي خطوة حقيقية لنحمي بها صحتنا وننقذ بها كوكبنا من خطر محقق.

Translate »