سعيد لمسيح يكتب مأدبة العمر… حين تفقد الروح شهيتها للحياة

اورو مغربمنذ 6 دقائقآخر تحديث :
سعيد لمسيح يكتب مأدبة العمر… حين تفقد الروح شهيتها للحياة

اورو مغرب بقلم: سعيد لمسيح

كأننا ضيوف في عرس مترف، تمرر أطباق الحياة تباعا، مختلفة الألوان، متباينة الأذواق، ولكل طبق نكهته ودهشته.

نبدأ بالمقبلات الأولى: طفولة ناعمة، ثم طفولة مبكرة، فمرحلة مدرسية، تليها سنوات الإعدادي والثانوي، وصولا إلى الجامعة؛ حيث نكتشف أن العالم أوسع مما كنا نظن، وأن للحياة مذاقات لم نختبرها بعد ولكنها قد تفوقت في اختبارنا حيث تشاء.

نغادر تلك المائدة البسيطة بتركبتها المبهمة إلى مأدبة أكثر تعقيدا؛ ندخل عالم البحث عن المهنة، وننخرط فيها بعد حين، نؤسس لأسرة ونسائل توازنها واستقرارها، نحمل على أكتافنا أثقالا لم نكن نراها حين كنا صغارا، وان ابصرنا قبل ذلك بدا كطيف حلم منشود في اشراق الصباح…

يمضي موكب العمر مرات ومرات، وتتوالى الأطباق تباعا وعلى عجل، لكن شيئا ما يتغير فينا…التخمة بددت اللذة وتغير اتجاه الاستمتاع للقرف.

ليس لأن الطفولة كانت خالية من المتاعب، بل لأننا كنا نمتلك آنذاك شهية عجيبة وشراهة اقوى تتمدد وتتمرد… كانت الأحزان رغم مرارتها ممتعة، و الأفراح واسعة ومتابعة كاعراس الصيف…، كانت أبسط الأشياء قادرة على إشباع أرواحنا. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نعرف كيف نستمتع بما جاد وما وجد وما انعدم وافتقد.

أما اليوم، فقد أصبحنا نعرف أكثر، ونملك ربما أكثر، لكننا نستمتع الا على مضض، اثقلتنا تلبية دعوات الاحباب فما بالك الغرباء.

تماما كما يحدث لضيوف المآدب الفاخرة؛ في البدايات، تثيرهم وفرة الأطباق، وتغريهم اختلاف النكهات، ثم لا يلبث الامتلاء أن يتحول إلى تخمة، والتنوع إلى عبء، وتصبح المائدة التي كانت مصدر المتعة امتحانا للقدرة على الاحتمال.

وهكذا وجدت نفسي، في لحظة تأمل، أمام تراكم لا أعرف متى بدأ: تراكم السنوات، والتجارب، والخيبات، والالتزامات، والانتظارات المؤجلة. لم تعد المشكلة في ندرة الأطباق، بل في فقدان الشهية إليها.

إنها ليست بالضرورة مجاعة الأشياء، بل مجاعة الإحساس بها.

ربما لا نتعب من الحياة لأنها أصبحت أقسى فحسب، بل لأننا استهلكنا من أرواحنا الكثير في محاولة التكيف معها. وربما لا نفتقد أيام الطفولة بقدر ما نفتقد ذلك الإنسان الذي كنا عليه؛ الإنسان الذي كان يستطيع أن يفرح دون حساب، ويحزن دون أن يحمل حزنه إلى الغد، وينتظر شيئا صغيرا وكأنه ينتظر معجزة.

أقسى ما قد يصيب الإنسان ليس أن تحرم عليه موائد الحياة، بل أن تجلس أمامه بكل ما فيها من ألوان ونكهات، فلا يجد في نفسه رغبة في تذوق شيء.

وهنا لا تكون المأساة في أن الحياة توقفت عن تقديم أطباقها، بل في أننا، بعد طول التذوق، لم نعد نشعر بمذاقها.

ولعل أخطر ما في هذه الحالة أنها لا تستنزف الجسد وحده، بل تمتد إلى أعماق البنية النفسية للإنسان؛ فتربك توازن الأنا، وتستنزف اندفاعات الهو، وتثقل رقابة الأنا الأعلى ومثاليته. وكأن مكونات الذات الثلاثة تدخل في صراع صامت، لا غالب فيه ولا مغلوب، وإنما إنسان يتآكل من الداخل تحت وطأة التراكمات. وحين تفقد الأنا قدرتها على التوفيق بين الرغبة والواقع والمثال، يصبح المرء غريبا حتى عن ذاته. وهذا ما ينذر باعتلال وجودي عميق؛ حين لا يعود الإنسان قادراً على مصالحة نفسه، ولا على الاستمتاع بما تبقى له من الحياة.

Translate »