ظاهرة التسول بالأطفال بوجدة تثير القلق وتطرح أسئلة حول الاستغلال

اورو مغربمنذ 60 دقيقةآخر تحديث :
ظاهرة التسول بالأطفال بوجدة تثير القلق وتطرح أسئلة حول الاستغلال

اورو مغرب منير حموتي

تشهد مدينة وجدة في الآونة الأخيرة انتشارا مقلقا لظاهرة التسول خصوصا مع تنامي مشاهد استخدام الأطفال والرضع في استجداء المارة بمختلف الشوارع والفضاءات العامة ولم يعد الأمر يثير تساؤلات بشأن الهشاشة الاجتماعية وحدها، بل امتد إلى مخاوف من احتمال استغلال بعض الأطفال لتحقيق مداخيل مالية على حساب طفولتهم وحقوقهم الأساسية.
ففي شوارع المدينة وأمام المساجد والأسواق والإشارات الضوئية والمقاهي بات من المألوف مشاهدة نساء يحملن أطفالاً رضعا لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في ظروف مناخية قاسية فيما يجوب أطفال آخرون لا تتجاوز أعمارهم أربع أو خمس أو ست سنوات الطرقات لاستجداء المارة مشاهد تثير القلق بشأن أوضاعهم الصحية والنفسية والاجتماعية، وتطرح تساؤلات حول مدى حمايتهم من مختلف أشكال الاستغلال.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتحول الطفل من ضحية للهشاشة الاجتماعية إلى وسيلة لاستدرار عطف المواطنين وتحقيق مداخيل مالية فبدلا من التمتع بحقه في التعليم والرعاية والعيش في بيئة آمنة يجد نفسه في الشارع، معرضا لمخاطر متعددة قد تهدد سلامته ونموه ومستقبله
وأمام تكرار هذه المشاهد تتزايد التساؤلات بشأن احتمال وجود أشخاص أو شبكات تستغل الأطفال وتوجههم إلى التسول لتحقيق مكاسب مالية وهي فرضيات تستدعي تحرك الجهات المختصة للتحقق من ملابسات الحالات المشتبه فيها وتحديد المسؤوليات بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الخلط بين الفقر والاستغلال المتعمد.
و يجد عدد من المواطنين أنفسهم أمام مشاهد تستدر عطفهم فيقدمون المال للأطفال والنساء الحاملات للرضع بدافع الرحمة والرغبة في المساعدة غير أن هذه المبادرات رغم نبل دوافعها قد تساهم في بعض الحالات في استمرار استغلال الأطفال عندما تتحول الأموال المقدمة إلى مصدر دخل يشجع المتورطين على مواصلة هذه الممارسات.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بضرورة التمييز بين مساعدة الأشخاص الذين يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة وبين الممارسات التي قد تنطوي على استغلال الأطفال فالتضامن الحقيقي لا يقتصر على تقديم المساعدة المالية، بل يشمل أيضاً التبليغ عن حالات الاستغلال المشتبه فيها ودعم المبادرات التي تحمي الطفولة، والمطالبة بتوفير الرعاية اللازمة للأطفال والأسر التي تعاني الهشاشة.
وأمام هذه الوضعية، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل منسق بين السلطات المحلية والمصالح الأمنية والاجتماعية والمؤسسات المعنية بحماية الطفولة، من أجل رصد الحالات وتحديد خلفياتها، وتوفير الحماية للأطفال، ومعالجة الظروف الاجتماعية التي قد تدفعهم إلى الشارع.
أكدت نجاة أنوار رئيسة منظمة “” ماتقيش ولدي”” ، في تصريح لموقع (أورو مغرب) ، أن التسول بالأطفال لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر بل باعتباره شكلا من أشكال استغلال الطفولة يستدعي تدخلا يجمع بين الحماية الاجتماعية والتطبيق الصارم للقانون، مع التمييز بين الأسر التي تعاني الهشاشة والأشخاص الذين يستغلون الأطفال لتحقيق مكاسب مادية.
وأشارت أن المعطيات الوطنية المتاحة بشأن الظاهرة تظل محدودة، بالنظر إلى آخر بحث وطني متخصص المنجز سنة 2007، والذي قدّر عدد الأشخاص الذين يمارسون التسول بالمغرب بحوالي 195.950 شخصاً واعتبرت أن هذه الأرقام لم تعد كافية لتحديد الحجم الحالي للظاهرة أو طبيعة التحولات التي عرفتها مؤكدة ضرورة إنجاز بحث وطني جديد ومحيّن يوفر معطيات دقيقة تساعد على إعداد سياسات عمومية فعالة.
وفي ما يتعلق باستغلال الأطفال استحضرت أنوار معطيات قضائية تشير إلى ارتفاع عدد القضايا المسجلة من 64 قضية سنة 2017، شملت 72 طفلاً ضحية، إلى 127 قضية سنة 2022، شملت 154 طفلاً. كما أظهرت المعطيات المتعلقة بالمتابعين في هذه القضايا أن الأمهات مثلن 50 في المائة، والآباء 9 في المائة، فيما تعلقت 18 في المائة بأشخاص لا تربطهم بالطفل صلة قرابة.
وشددت رئيسة المنظمة على أن هذه الأرقام رغم أهميتها لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة لأنها تقتصر على القضايا التي وصلت إلى أجهزة العدالة ولا تشمل جميع الأطفال الذين قد يعيشون أوضاعاً مماثلة. كما أكدت أن غياب إحصائيات ميدانية شاملة خاصة بمدينة وجدة والجهة الشرقية لا يسمح بتقديم أرقام محلية غير موثقة ما يجعل التشخيص الميداني الدقيق ضرورة أساسية لفهم الظاهرة وتحديد سبل معالجتها.
وأضافت أن وجود طفل في الشارع يمارس التسول أو يُستعمل لاستدرار عطف المارة يفرض التعامل معه باعتباره طفلاً قد يكون ضحية استغلال وليس جانحا أو متهما. وأبرزت أن القانون المغربي يتيح بحسب ظروف كل حالة وعناصرها تكييف بعض أفعال استغلال الأطفال في التسول ضمن جريمة الاتجار بالبشر، وهو ما يستوجب التحقق من ملابسات كل حالة وتحديد المسؤوليات قبل ترتيب الآثار القانونية.
وحذرت نجاة أنوار من مخاطر استغلال الرضع والأطفال الصغار في التسول، مشيرة إلى أن بقاءهم لساعات طويلة في الشارع قد يعرضهم لمخاطر صحية وأمنية متعددة. ودعت إلى التحقق من هوية الأشخاص الذين يصطحبون الأطفال وطبيعة علاقتهم بهم مع تجنب الأحكام المسبقة التي قد تخلط بين الفقر والاستغلال، والتشديد على ضرورة حماية هوية الأطفال وخصوصيتهم وعدم نشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأكدت أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على إبعاد الأطفال عن الشارع بشكل مؤقت، لأن استمرار الظروف الاجتماعية والاقتصادية نفسها قد يدفعهم إلى العودة إليه. وأوضحت أن التدخل الفعال ينبغي أن يبدأ برصد الحالات وتقييم الوضع الأسري والاجتماعي لكل طفل، ثم توفير الحماية والرعاية الصحية والنفسية، وضمان التمدرس أو التكوين عند الاقتضاء، إلى جانب دعم الأسر التي تعاني الهشاشة ومواكبة الحالات بعد التدخل لتفادي تكرار الاستغلال.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أن منظمة ” ماتقيش ولدي” تعمل في مجال الوقاية والتحسيس بحقوق الطفل والتبليغ والتوجيه والمواكبة في قضايا العنف والاستغلال، والترافع من أجل تعزيز منظومة حماية الطفولة، مع إحالة الحالات على الجهات المختصة بحسب طبيعتها. وشددت على أن المنظمة لا تعوض أدوار الشرطة والنيابة العامة وأجهزة حماية الطفولة وأن الاشتباه في وجود استغلال أو عنف أو اتجار بالبشر يستوجب إشعار السلطات المختصة دون تأخير.
ووجهت أنوار رسالة إلى المواطنين تدعوهم فيها إلى عدم التعامل مع مشاهد التسول بالأطفال باعتبارها أمرا عادياً، موضحة أن تقديم المال في الحالات التي يُستغل فيها الطفل قد يعزز دون قصد، في استمرار هذه الممارسة واعتبرت أن التضامن الحقيقي يقتضي حماية الطفل والتبليغ عن حالات الاستغلال المشتبه فيها، والمطالبة بتوفير شروط العيش الكريم والتمدرس والرعاية دون تجريم الأسر الفقيرة أو الخلط بين الحاجة الاجتماعية والاستغلال المتعمد.
وختمت رئيسة المنظمة بالتأكيد على أن مكان الطفل هو المدرسة وفضاءات الرعاية الآمنة، وليس الأرصفة والإشارات المرورية لاستدرار عطف المارة، مشددة على أن النجاح في مواجهة الظاهرة لا يقاس بمجرد إبعاد الأطفال عن الشارع، بل بضمان حماية مستدامة لهم ومعالجة الأسباب التي دفعتهم إليه ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلالهم.
من الناحية القانونية، أكد محفوظ كيطوني المحامي ورئيس لجنة تدبير مركز النجد لرعاية الأطفال في وضعية صعبة، أن ظاهرة التسول ولا سيما عندما يتعلق الأمر باستغلال الأطفال تطرح إشكالات قانونية واجتماعية تستدعي معالجة تتجاوز مجرد ضبط المتسولين في الفضاءات العامة، لتشمل البحث في الجهات التي تقف وراء استغلالهم والظروف التي تدفعهم إلى الشارع.
وأضاف الاسناذ كيطوني أن القانون الجنائي المغربي يميز بين عدة حالات مرتبطة بالتسول تشمل التسول العادي المنصوص عليه في الفصل 326، والتسول المقترن بظروف التشديد وفق الفصل 327، والتسول المصحوب بحمل السلاح بمختلف أنواعه طبقاً للفصل 331، فضلاً عن الحالة المرتبطة باستخدام الأطفال دون سن الثالثة عشرة في التسول، المنصوص عليها في الفصل 328.
واعتبر أن استغلال الأطفال في التسول يثير تساؤلات بشأن حدود المعالجة القانونية لهذه الظاهرة، خصوصا أن الأمر لا يقتصر بالضرورة على جنحة مرتبطة بالتسول، بل قد يتجاوزها بحسب ظروف كل حالة إلى جرائم أكثر خطورة. وأشار إلى أن تجنيد الطفل أو استخدامه بصورة منتظمة ومتكررة ومستمرة، بهدف تحقيق منفعة مادية للغير عن طريق إجباره على التسول، قد يشكل، وفقاً للوقائع والظروف المحيطة به أحد مظاهر الاستغلال التي يمكن أن تندرج ضمن جريمة الاتجار بالبشر.
وشدد الاستاذ كيطوني على أن المعالجة القانونية لهذه الحالات ينبغي ألا تتوقف عند ضبط طفل يمارس التسول في الشارع، بل يجب أن تمتد إلى تحديد الأشخاص الذين يقفون وراءه، والكشف عن الجهات التي تدفعه إلى التسول وتستفيد من الأموال التي يجمعها، فضلاً عن التحقق من وجود الإكراه أو التنظيم أو المراقبة أو الاستغلال المستمر.
و أكد رئيس لجنة تدبير مركز النجد لرعاية الأطفال في وضعية صعبة أن التجربة الميدانية للمركز تكشف بحسب ما عاينه عن حالات يرتبط فيها تسول الأطفال بالإجبار والاستغلال من طرف الغير، سواء تعلق الأمر بأولياء أمورهم أو بأشخاص يوجد الأطفال تحت عهدتهم، أو بأطفال يعيشون في وضعية تخلي.
وأضاف أن بعض الحالات التي أُحيلت على المركز عن طريق النيابة العامة شهدت عودة أولياء أمور للمطالبة بإخراج أطفالهم من المركز بهدف إعادة استغلالهم في التسول، دون مراعاة حقهم في الدراسة والتكوين أو الاهتمام بصحتهم. واعتبر أن هذه الوقائع تبرز خطورة اختزال الظاهرة في مجرد إبعاد الأطفال المتسولين عن الشوارع دون معالجة الأسباب والظروف التي تجعلهم عرضة للاستغلال.
وأكد كيطوني أن التصدي لهذه الظاهرة يستوجب اعتماد مقاربة مزدوجة تقوم، من جهة، على توفير الحماية الفورية للطفل باعتباره ضحية محتملة للاستغلال ومن جهة أخرى، على ملاحقة الأشخاص المستغلين وفقا للقانون، مع تعميق البحث في ملابسات كل حالة لتحديد المسؤوليات القانونية.
ودعا إلى إعادة النظر في المنظومة القانونية المؤطرة للتسول من زاويتين أساسيتين تتعلق الأولى بمراجعة تجريم التسول العادي بالنسبة إلى الأشخاص البالغين، معتبراً أن إثبات انعدام وسائل العيش يطرح صعوبات عملية، وأن الفقر والحاجة يستدعيان في تدخلاً اجتماعيا بدل اللجوء إلى العقوبة السالبة للحرية. كما رأى أن استمرار تجريم التسول في النص القانوني لا يعني بالضرورة فعاليته في الحد من الظاهرة.
أما الزاوية الثانية فتتعلق، بحسب المتحدث، بضرورة تحيين المنظومة الجنائية بما يعزز الحماية القانونية للأطفال المستغلين في التسول، مع الدعوة إلى التنصيص بشكل صريح على تجريم هذه الممارسات في إطار قانوني يراعي أركان جريمة الاتجار بالبشر، فضلاً عن وضع مقتضيات قانونية لمواجهة التسول الرقمي واستغلال شبكات التواصل الاجتماعي لتحقيق منافع مادية غير مشروعة.
حماية الطفولة مسؤولية مشتركة
إن مواجهة استغلال الأطفال في التسول بمدينة وجدة لا يمكن أن تقتصر على الحد من مشاهدتهم في الشوارع، بل تستوجب معالجة الأسباب الاجتماعية التي تدفعهم إليها، وتوفير الحماية والرعاية اللازمتين لهم، مع مساءلة كل من يثبت تورطه في استغلالهم.
فالأطفال الذين يجوبون الشوارع لاستجداء المارة ليسوا مجرد مشهد عابر في الحياة اليومية بل هم فئة تحتاج إلى تدخل فعلي يضمن حقها في التعليم والعيش الكريم، ويصونها من كل أشكال الاستغلال التي تهدد حاضرها ومستقبلها. فحماية الطفولة لا تتحقق بإبعاد الأطفال عن الأرصفة وحدها وإنما ببناء منظومة متكاملة تضمن سلامتهم وكرامتهم وتمنحهم فرصة حقيقية لحياة آمنة.

Translate »