عبد الصمد اليزيدي يكتب من الكلمات إلى الرصاص.. حين تتحول الكراهية إلى إرهاب

اورو مغرب24 أكتوبر 2026آخر تحديث :
عبد الصمد اليزيدي يكتب من الكلمات إلى الرصاص.. حين تتحول الكراهية إلى إرهاب

اورو مغرب بقلم: عبد الصمد اليزيدي
رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا

لم تكن الجريمة التي شهدتها ضواحي العاصمة الفرنسية باريس يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026 مجرد حادث إطلاق نار، بل اعتداءً إرهابيًا عنصريًا أعاد إلى الواجهة خطرًا طالما حذرنا منه: تحول خطاب الكراهية والتحريض ضد المسلمين والمهاجرين إلى عنف يستهدف الأبرياء في حياتهم وأمنهم.

ففي مدينتي تراب (Trappes) ولا فيريير (La Verrière)، الواقعتين في إقليم إيفلين غرب باريس، أقدم رجل يبلغ من العمر 39 عامًا على إطلاق النار من سيارته باستخدام سلاح رشاش، مستهدفًا أشخاصًا في الشوارع بالقرب من أحياء سكنية ومساجد. وأسفر الهجوم عن مقتل شاب يبلغ من العمر 26 عامًا وإصابة خمسة أشخاص، بينهم طفلة في الثانية عشرة من عمرها. وقد ألقت الشرطة القبض على المشتبه به، فيما تولت النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب التحقيق في الجريمة، للاشتباه في دوافع إرهابية وعنصرية مرتبطة بلون بشرة الضحايا أو انتمائهم الديني المفترض.

ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما حدث بأنه «هجوم إرهابي عنصري»، معتبرًا إياه منعطفًا خطيرًا في تاريخ الجمهورية الفرنسية. ولا تزال التحقيقات جارية لتحديد دوافع الجاني وملابسات الجريمة بصورة نهائية.

إن ما جرى في فرنسا يستدعي أكثر من مجرد الإدانة والاستنكار والتضامن مع الضحايا وأسرهم. إنه يفرض علينا مواجهة سؤال جوهري: كيف وصلنا إلى مرحلة يُستهدف فيها أناس في وضح النهار بسبب لون بشرتهم أو دينهم المفترض؟

لا يمكن فصل هذه الجريمة عن المناخ السياسي والإعلامي الذي تشهده فرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى منذ سنوات، حيث أصبح المسلمون والمهاجرون موضوعًا دائمًا للاتهام والتشكيك، وتحول تحميلهم مسؤولية الأزمات الاجتماعية والأمنية إلى وسيلة سهلة في المنافسة السياسية.

فكلما وقعت جريمة أو اندلعت اضطرابات، سارع البعض إلى البحث عن المسؤولين في أوساط المهاجرين والمسلمين، قبل ظهور نتائج التحقيقات أو اتضاح الحقائق. وهكذا تتحول المسؤولية الفردية إلى اتهام جماعي، ويصبح الانتماء الديني أو الأصل العائلي سببًا كافيًا لإثارة الشبهات.

والأخطر أن هذا الخطاب لم يعد حكرًا على الجماعات اليمينية المتطرفة، بل بات يجد طريقه إلى تصريحات مسؤولين سياسيين ومنابر إعلامية مؤثرة، بما يسهم في تطبيع العداء للمسلمين والمهاجرين، وإضفاء مشروعية اجتماعية على الأحكام المسبقة ضدهم.

وقد كشفت النقاشات التي رافقت الاضطرابات الأخيرة في فرنسا عن هذه الإشكالية بوضوح. فبينما تصاعدت الاتهامات التي تربط أعمال العنف بالمهاجرين والمسلمين والتيارات اليسارية، اضطر الرئيس ماكرون إلى التصدي لروايات مضللة تصور فرنسا وكأنها تعرضت لاجتياح من المهاجرين والمسلمين. كما رفضت المدعية العامة في باريس، لور بيكيو، التعميمات التي نسبت أعمال العنف إلى أقصى اليسار دون أدلة كافية.

ولم يقتصر هذا الخطاب على فرنسا، بل امتد إلى ألمانيا، حيث تحدث وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت عن تحالف بين متطرفين يساريين وما سماه «الوسط المهاجر» في مواجهة النظام الديمقراطي.

إن استخدام مثل هذه التعبيرات من قبل مسؤولين يتولون حماية الأمن والنظام الدستوري يثير تساؤلات مشروعة حول المسؤولية السياسية والأخلاقية للكلمة. فمن حق الدولة، بل من واجبها، مواجهة التطرف والجريمة بكل حزم، لكن ذلك لا يبرر وضع جماعات بأكملها في دائرة الاشتباه.

إنني أرى أن أحد أخطر التحولات التي تشهدها مجتمعاتنا الأوروبية اليوم هو الاعتياد التدريجي على الخطاب المعادي للمسلمين، حتى أصبحت بعض أشكال العنصرية والتمييز تُقدَّم في ثوب مواقف سياسية عادية، بل أحيانًا باعتبارها تعبيرًا عن الدفاع عن الديمقراطية وقيم المجتمع.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كيف يمكن الدفاع عن الديمقراطية بخطاب يقوض أحد أهم أسسها، وهو المساواة في الكرامة والحقوق بين جميع المواطنين؟

لا أقول إن كل تصريح معادٍ للمهاجرين يؤدي بالضرورة إلى جريمة عنصرية، ولا إن المسؤولية الجنائية عن هذه الاعتداءات تقع على غير مرتكبيها. لكن من الصعب إنكار أن التكرار المستمر للصور النمطية والاتهامات الجماعية يخلق مناخًا تتراجع فيه الحواجز الأخلاقية أمام الكراهية، ويجد فيه المتطرفون ما يتوهمون أنه تبرير لأفعالهم.

فمن الكلمات تتشكل الصور النمطية، ومن الصور النمطية تُصنع العداوات، وحين تصبح الكراهية أمرًا مألوفًا، قد لا يبقى بينها وبين العنف سوى خطوة واحدة.

ولذلك، فإن الاكتفاء بإدانة الجرائم العنصرية بعد وقوعها، مع استمرار الخطابات التي تغذي العداء للفئات المستهدفة، لم يعد مقبولًا. نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لمسؤولية السياسة والإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي، وإلى موقف واضح يرفض تحويل المسلمين والمهاجرين إلى كبش فداء للأزمات والإخفاقات السياسية.

إن المسلمين في أوروبا ليسوا غرباء عن مجتمعاتهم، ولا جماعات تعيش على هامشها. إنهم مواطنون وشركاء في بناء حاضرها ومستقبلها، يساهمون في مؤسساتها واقتصادها وثقافتها وحياتها العامة. ومن حقهم أن يعيشوا دون خوف أو تمييز، وأن يُعاملوا باعتبارهم أفرادًا متساوين في الحقوق والواجبات، لا ممثلين مفترضين لجماعة مطالبة باستمرار بإثبات براءتها أو ولائها.

إن الاعتداء الذي شهدته ضواحي باريس يجب أن يشكل جرس إنذار للمجتمعات الأوروبية كافة. فالعنصرية ضد المسلمين ليست شأنًا يخص المسلمين وحدهم، بل تهديد للقيم الإنسانية والديمقراطية التي تقوم عليها مجتمعاتنا.

لقد حان الوقت للانتقال من بيانات التضامن إلى تحمل المسؤولية، ومن إدانة العنف إلى مواجهة الخطابات التي تهيئ المناخ لانتشاره.

*فالكراهية لا تبدأ عندما يُطلق الرصاص، بل عندما يُصبح إنسان ما موضع اتهام أو احتقار لمجرد اسمه أو أصله أو دينه.*

وإذا أردنا ألا تتكرر مأساة تراب ولا فيريير، فعلينا أن نواجه الكراهية قبل أن تتحول الكلمات إلى رصاص.

Translate »