لقاء دراسي حول موضوع : “التنمية القروية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية : واقع وآفاق”

اورو مغرب23 ديسمبر 2023آخر تحديث :
لقاء دراسي حول موضوع : “التنمية القروية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية : واقع وآفاق”

اورو مغرب

ورقة تأطيرية

يعاني العالم القروي من مجموعة من المشاكل المرتبطة بغياب عدالة مجالية مند عقود، الشيء الذي أدى إلى احتدام الهجرة القروية إلى المراكز الحضرية خاصة على مستوى فئة الشباب. وبالتالي، فقد لوحظ خلال الإحصاء العام للسكان والسكنى سنة 2004 أن هناك تراجعا كبيرا في نسبة الساكنة القروية في ظرف عشر سنوات من 49% إلى 45%.
كما تشير توقعات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أنه خلال سنة 2025 ستبلغ الساكنة المغربية حوالي 39 مليون نسمة، حيث سيكون نصيب القرويين منها 14مليون نسمة فقط.
لقد تكثفت الهجرة القروية نحو المراكز الحضرية بشكل كبير على مرور السنين، خاصة على مستوى المناطق الشبه صحراوية والمناطق الجبلية. ينضاف إلى هذه الظاهرة عدم قدرة المراكز الحضرية على امتصاص هذه الكتل البشرية التي تصل إليها من القرى، مما ينعكس سلبا على جودة العيش وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على مستوى هذه المراكز.
احتدام الفقر بالعالم القروي
تبعاً للإحصاء الذي قامت به وزارة الفلاحة خلال سنة 1996، تشكل الساكنة التي لها دخل ضعيف حوالي 5,7 مليون نسمة أي حوالي 43% من الساكنة القروية آنذاك. هذه الإحصائيات رغم قدمها إلا أنها تشكل أرضية لتحليل هذا الموضوع على اعتبار أنها كانت أكثر شمولية وهمت السكان القرويين، كما أنه منذ ذلك التاريخ لم تتغير الأمور كثيراً على مستوى البوادي المغربية.
وتجدر الإشارة أن ثلثي الساكنة الفقيرة بالبوادي تعيش في إطار استغلاليات صغرى (أقل من 3 هكتارات بالأراضي البورية وأقل من 1 هكتار بالمناطق المسقية) والثلث الباقي يعيش بدون استغلاليات.
هناك دراسات أخرى تشير إلى أن 70% من الفقراء بالمغرب يعيشون بالعالم القروي و30% من الساكنة القروية تنفق فقط 3000 درهم سنوياً، هذه الساكنة الفقيرة تعيش من خلال تعدد الأنشطة الموسمية بالعالم القروي أو بالمجالات الحضرية القريبة. أما معدل البطالة بالعالم القروي فيبلغ حوالي 5,4% مقابل 13,9% كمعدل وطني.
لكن هذه المعطيات ليست معبرة على اعتبار أن البطالة المقنعة هي السائدة بالعالم القروي.
ارتفاع نسبة الأمية بالعالم القروي
إذا كان معدل الأمية، لأكثر من 10 سنوات بالمغرب، مرتفع جدا فإن هذه النسبة بالعالم القروي تصبح مضاعفة، ومعدل تمدرس الفتيات بالعالم القروي لا يتعدى 48% والأغلبية يغادرن المدرسة خلال المستوى الإعدادي على الأكثر.
وفي ظل هذا الوضع، فإن النساء والفتيات هن من يتحملن العبء الأكبر من مصاعب العالم القروي، خاصة في مجال التزود بالماء الصالح للشرب وتوفير خشب الطهي والتدفئة، إضافة إلى غياب أو ضعف الخدمات للمراكز الصحية وافتقار النساء الحوامل ومواليدهم للعناية اللازمة.
هذه الإشكالية تحيلنا بالخصوص إلى غياب وضعف البنيات التحتية، حيث رآكم العالم القروي تأخرا واضحا بالمقارنة مع المجال الحضري في ميدان البنيات التحتية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
فرغم مساهمة مجموعة من السياسات القطاعية التي تم اعتمادها للنهوض بالعالم القروي (البرنامج الوطني لإنجاز الطرق القروية (PNCRR)، وبرنامج التزود بالماء الشروب (PAGER ، وبرنامج الكهربة القروية (PERG)، إلا أن هذه البرامج حددت لها أهداف ما بين 1995 و 2010 تفوق 6 إلى 7 مرات ما تم تحقيقه خلال 40 سنة (1995-1956) ، إضافة إلى برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية و المجالية (PRDST) الذي رصدت له 55 مليار درهم منذ انطلاقه في 2016.
مكانة النشاط الفلاحي بالعالم القروي
يساهم النشاط الفلاحي بنسبة 13 إلى 14% (كمعدل) في الناتج الوطني الخام بتغيرات سنوية حسب الظروف المناخية والتساقطات المطرية. ويعيش حوالي 80% من الساكنة القروية على النشاط الفلاحي.
كما تجدر الإشارة أن التغيرات المناخية وحدة سنوات الجفاف تؤدي دائما إلى تدبدب كبير على مستوى تحقيق الأمن الغذائي المطلوب، الشيء الذي يؤدي إلى صرف أموال باهضة في استيراد المواد الغذائية الأساسية خلال سنوات الجفاف.
تدهور واستنزاف الموارد الطبيعية
لقد أدى الاستغلال الغير المعقلن في النشاط الفلاحي إلى استنزاف حاد للموارد المائية الجوفية (حالة سهل سوس، مناطق الواحات، المناطق الشرقية والمناطق الساحلية غير المجهزة بقنوات الري).
أما الأراضي الصالحة للزراعة فتتعرض إلى تدهور كثيف نتيجة زحف العمران وظاهرة التصحر. كما تتعرض الموارد المائية لأشكال كثيرة من الملوثات (المياه العادمة الصناعية والمنزلية التي تقذف مباشرة في المجاري المائية السطحية). إضافة إلى الإفراط في استعمال المبيدات والأسمدة في النشاط الفلاحي، وكذا مشكل المطارح العمومية المتواجدة على ضفاف الأودية والمجاري المائية.
غياب الصناعات الغذائية بالعالم القروي والمناطق الجبلية
جل الصناعات التحويلية والمقاولات التجارية تتمركز بالأقطاب الصناعية بالمدن، وبالتالي فإن العالم القروي أصبح يعرف تهميشا واضحا في الآونة الاخيرة، مما أدى إلى استفحال الأزمة داخل المجتمع القروي والتي أصبحت تهدد عيش الساكنة كما أصبحت تهدد التوازنات داخل المجال الترابي الوطني.
ترى ما السبب وراء هذه الازمة؟ وأين تتجلى بوضوح؟ وكيف يمكن تجاوزها والقضاء عليها؟ في الوقت الذي تحظى فيه المدن بأهمية كبيرة مقارنة مع البوادي، وهذا بالرغم من الدور المهم الذي تلعبه هذه الأخيرة في عدة مجالات فضلا عن دورها في تحقيق التوازنات الأيكولوجية والطبيعية للمجال الترابي الوطني.
فإذا نظرنا إلى البنية التحتية والمرافق الأساسية وغيرها من ضروريات الحياة، فإننا نجد العالم القروي لا يتوفر حتى على الربع بالمقارنة مع المجال الحضاري الذي يتوفر سكانه على كل مستلزمات العيش. إن معظم بوادي المغرب يعاني سكانها من العزلة ومن مشاكل متعددة تشدد عليهم الخناق، إذ أن أغلب القرى لا تتوفر على الطرق المعبدة والتي تعتبر من المرافق الضرورية، ناهيك عن المستشفيات والمدارس. هناك على سبيل المثال عشرات من الدواوير لا يستفيدون إلامن مستوصف وحيد لا يتوفر حتى على أبسط الأجهزة، إضافة إلى الإشكالية الكبرى التي تتمثل في النقص الحاد للمياه الصالحة للشرب.
وبناء على ما سبق، فقد جاءت فاجعة زلزال الحوز، لتدفع الجميع إلى طرح التساؤلات المتعددة عن أية استراتيجية وأية سياسة واقعية ينبغي اعتمادها لتدارك الهوة الشاسعة بين المجالين الحضري والقروي، ويكون هدفها الأساسي هو التنمية المستدامة والعدالة المجالية وكذا الحد من آثار الكوارث الطبيعية.
من أجل الإحاطة بهذه الإشكالية وكذا التساؤلات المرتبطة بها، يأتي تنظيم هذا اللقاء الدراسي الذي سيتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية وذلك على الشكل التالي :
1 – المحور الأول : تحولات العالم القروي والمناطق الجبلية وأسئلة التنمية المؤجلة
إن العالم القروي يشهد حالة من عدم التوازن تصل حد التناقض، سيما أنه يصعب تحديده جغرافيا. فهل يمكن اعتبار السياسات العمومية والبرامج الموجهة له قادرة على تحقيق تحولات تنموية على مستوى جميع الأبعاد؟
هل تعدد المتدخلين في وضع وتنفيذ السياسات العمومية الموجهة للعالم القروي، جعلت منها سياسات قطاعية ولم تشتغل بمقاربة ترابية تمكن من وضع مؤشرات علمية تسهل من عملية التتبع والتقييم؟
هل يمكن اعتبار الغياب المتعلق بالملاءمة والانسجام والنجاعة والاستدامة والإلتقائية للبرامج التنموية وراء تعثر وفشل السياسات العمومية في هذا المجال، وبالتالي نحن أمام تنمية مؤجلة؟
هل صعوبة تدبير المجال القروي تتجلى في كونه مشتتاً ومتباينا بين “دوار” وآخر؟ وماهي أهم التحولات السوسيو اقتصادية والبيئية المسجلة على مستوى المجال القروي والمناطق الجبلية؟

2 – المحور الثاني : الاستراتيجيات المتبعة لتحقيق تنمية قروية وعدالة مجالية : الحصيلة وإكراهات الواقع
لا أحد يجادل حول إشكالية تأخر العالم القروي وتخلفه أمام التحديث الذي يعيشه المجال الحضري يوما بعد يوم، ولا أحد يجادل أيضا في الهوة الشاسعة بين المجال الحضري والمجال القروي خلال العشر سنوات الأخيرة رغم البرامج المتعددة والاعتمادات المالية الضخمة التي خصصتها الحكومات المتعاقبة. وبالتالي يمكن طرح التساؤلات التالية :
كيف يمكن حصر أهم المعيقات والإكراهات (اقتصادية، اجتماعية، سياسية، بيئية…) التي حالت دون تحقيق الآثار المتوخاة من مختلف البرامج والمشاريع على مدى عقود؟
هل العالم القروي حاضر، حقيقة، كموضوع محوري ضمن السياسات العمومية في المغرب، أم أنه يُعاني من اختزاله في البعد المتعلق بالقطاع الفلاحي ليس إلا؟
هل اعتماد البعد الترابي كركيزة للسياسات العمومية قد يؤدي إلى خلق الدينامية والإلتقائية المطلوبة كشرط مسبق لأي سياسة تنموية؟
هل يمكن اعتبار تعميم التعليم وإدخال التكنولوجيات الحديثة وكذا فك العزلة عبر تكثيف وسائل النقل، عوامل فعالة لتحقيق التفاعل بين المجالين. وبالتالي فإن العالم القروي يمكن أن ينحو بدوره إلى نمط عيش حديث ويقترب من النمط الحضري؟

3 – المحور الثالث : نحو مفهوم جديد لسياسة إعداد التراب الوطني والحد من آثار الكوارث الطبيعية
نظرا للأهمية التي يكتسيها العالم القروي بالمغرب، وأخذا بالاعتبار الجهود المحمودة التي بذلتها الدولة على مدى عقود، لا أحد يجادل اليوم في مدى فداحة الأزمة التي يعيشها العالم القروي والتي لا يمكن حصرها في المشاكل البيئية من جفاف وهشاشة وشح الأمطار، ولا في تآكل الأراضي الزراعية بسبب زحف المدن عليها، ولا في عدم وجود موارد مادية كافية أو كفاءات بشرية من شانها أن تدعم عملية التغيير نحو استراتيجيات تنموية مستدامة، بل أن السياسات الحكومية المتتالية والمتوالية أبانت، بعد أكثر من خمسين سنة من الأولوية للعالم القروي، عن هشاشته وتخلفه ، حيث لا يتوفر على أدنى حد من المرونة والمقاومة الذاتية تجاه الكوارث الطبيعية أو العواقب المترتبة عن الأزمات الاقتصادية والتقلبات المناخية. وبالتالي يمكن اعتبار زلزال الحوز صدمة تتطلب توسيع المجهود التنموي ليشمل كل المناطق الجبلية والقروية وضواحي المدن.
على هدا الأساس، يمكن طرح الأسئلة التالية :
كيف يمكن بلورة رؤية تنموية متوازنة كأساس لتحقيق تنمية قروية ومجالية وكذا الحد من آثار الكوارث الطبيعية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وتقوية البنيات الأساسية كسبيل للحد من الهشاشة والفقر؟
كيف يمكن بلورة برامج تنموية ومندمجة تمكن من تعزيز ديمقراطية الولوج إلى البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية؟
هل يمكن اعتبار البعد المتعلق بالقطاع الفلاحي كرافعة أساسية، أن يحقق التنمية القروية الشمولية؟
ماهي أهم الإكراهات والتحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تحول دون تحقيق الآثار المتوخاة من مختلف البرامج التنموية على مدى عقود؟
كيف يمكن إعطاء المجال الترابي المكانة المركزية كمصدر لخلق الثروة على المستوى المادي واللامادي وتكريس الديمقراطية التشاركية وترسيخ مبادئ الاستدامة للموارد الطبيعية وتأقلمها مع التقلبات المناخية؟
هل يمكن اعتبار فاجعة الحوز فرصة لمصلحة العالم القروي قصد تجاوز الاختلالات المسجلة وربح رهان التنمية القروية المنشودة؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »