مسلات مورية.. شواهد صامتة تروي أصالة الهوية واللباس المغربي في قلب الرباط

اورو مغرب26 يونيو 2026آخر تحديث :
مسلات مورية.. شواهد صامتة تروي أصالة الهوية واللباس المغربي في قلب الرباط

اورو مغرب بقلم: جمال البوطيبي

بين أروقة متحف التاريخ والحضارات بالرباط، تنبض القطع الأثرية بحكايات موغلة في القدم، معلنةً عن تجذر الحضارة المورية الأمازيغية في أرض المغرب، لا تقتصر هذه الشواهد على كونها قطعاً من الحجر، بل هي وثائق تاريخية حية، فنقائشها الرومانية-المورية تفتح نوافذ على معاهدات سياسية وعسكرية صيغت بدقة، وخُطت فوقها أسماء حكام، ملوك، وزعماء المور الذين أداروا دفة الحكم والدبلوماسية في العصور الغابرة.

تكشف اللوحات والنقوش الجنائزية والطقوسية عن جانب بالغ الأهمية في الشخصية المورية، الاستقلالية العقائدية ورغم التمازج السياسي والعبء العسكري لروما، لم ينغمس المور في الحياة الدينية للرومان، بل حافظوا على آلهتهم وخصوصيتهم الروحية.

ويبرز هنا الإله “ساتورن الأمازيغي” (Baal Saturn)، إله الخصب والزرع والنماء عند أجدادنا المور، كرمز لتلك الاستمرارية الروحية والارتباط الوثيق بالأرض وعطائها.

من أقدم وأثمن مقتنيات المتحف، تبرز لوحة أثرية استثنائية قادمة من موقع وليلي الأثري، تُعرف بـ “لوحة الثلاثة” أو “الثالوث الموري الأمازيغي”، هذه اللوحة لا تُقدم مجرد مشهد ديني قديم، بل تُعد وثيقة بصرية مذهلة تثبت أن اللباس المغربي المعاصر (كالجلابة والكساء الطويل) يمتد بجذوره إلى آلاف السنين.

يتصدر المشهد رجل يرتدي عباءة طويلة وقلنسوة مدببة، وهي تُمثل تاج الإله عند الأمازيغ القدامى، ويُرجح بقوة أنه تجسيد للإله “ساتورن” كما تظهر امرأتان ترتديان جلابيب طويلة ومخططة، تتماثل بشكل مدهش مع اللباس التقليدي الذي لا تزال المرأة الأمازيغية والمغربية ترتديه حتى يومنا هذا.

لم يكن النحات الموري في ذلك العصر مدفوعاً بهواية الفن التجريدي أو الجمالي البحت، بل كان “مُوثقاً لاهوتياً” يهدف إلى تجسيد مشهد روحي مهيب يحمل طاقة الدعاء والمناجاة.

تتجلى هذه الروحانية في تفاصيل النحت بدقة العيون الكبيرة والجاحظة حيث صُممت لتعبر عن “النظر الإلهي” المحيط والراعي للإنسان.

كما ان الأيدي المرفوعة تُحاكي حركة التضرع ورفع مطالب العباد ونيل الاستجابة والدعاء من الإله المعبود.

إنها باختصار، مسلات وشواهد تؤكد أن ما نعيشه اليوم من تفاصيل في لباسنا وثقافتنا ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد حي لحضارة مورية صمدت أمام عاديات الزمن.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »