نداء من راونهايم إلى تجاوز عقلية الهجرة وترسيخ المواطنة: نحو قراءة جديدة للوجود الإسلامي في ألمانيا

اورو مغربمنذ 4 دقائقآخر تحديث :
نداء من راونهايم إلى تجاوز عقلية الهجرة وترسيخ المواطنة: نحو قراءة جديدة للوجود الإسلامي في ألمانيا

اورو مغرب

شهد مسجد الصداقة بمدينة راونهايم الألمانية، مساء الجمعة 16 أكتوبر 2026، لقاءً فكريًا وحواريًا نظمته جمعية الصداقة المغربية بألمانيا، تحت عنوان «*حين تتعدد الجذور وتتسع الهوية: نحو قراءة جديدة للوجود الإسلامي في ألمانيا*»، بمشاركة عبد الصمد اليزيدي، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، و الشيخ الحسين خلوق، إمام وخطيب مسجد الصداقة، و الشيخ مصطفى أزرفان، الإمام والخطيب والباحث في شؤون الهجرة والاندماج.

وشكّل اللقاء مناسبة للتأمل في التحولات التي شهدها الوجود الإسلامي في ألمانيا، ومناقشة قضايا الهوية والانتماء والمواطنة، وآفاق تطوير الحضور الإسلامي بما يعزز المشاركة المجتمعية والتعايش في ظل التنوع الثقافي والديني.

وفي مداخلته، قدّم الأستاذ عبد الصمد اليزيدي قراءة تاريخية وفكرية للتحولات التي عرفها الوجود الإسلامي في ألمانيا، من مرحلة الهجرة والعمل والإقامة المؤقتة، مرورًا بالاستقرار العائلي وبناء المساجد والمؤسسات، وصولًا إلى أجيال وُلدت ونشأت في ألمانيا، ولم تعد علاقتها بها علاقة وافد بمجتمع مضيف، بل علاقة مواطن بوطنه.

واعتبر أن هذا التحول الاجتماعي العميق لم يواكبه بالقدر الكافي تحول في الخطاب العام ولا في التصورات السائدة داخل بعض المؤسسات الإسلامية نفسها، حيث لا تزال مفردات الجالية والهجرة والاندماج تطغى أحيانًا على مفاهيم المواطنة والانتماء والمسؤولية المشتركة.

وتوقف اليزيدي عند مفهوم الهوية المركبة، متسائلًا عما إذا كان الإنسان مطالبًا بالاختيار بين جذوره ووطنه، وبين ذاكرته الثقافية وواقعه الاجتماعي، وبين انتمائه الديني ومواطنته. وأكد أن الهوية ليست قالبًا جامدًا ولا انتماءً أحاديًا، بل بناء متجدد تتفاعل فيه الجذور والتجارب والقيم، وأن الاعتزاز بالأصول المغربية أو العربية أو الأمازيغية، والمحافظة على المرجعية الإسلامية، لا يتعارضان مع الانتماء الوطني الألماني، بل يمكن أن يشكلا مصدر غنى للمجتمع بأسره.

وشدد على أن المواطنة ليست مجرد وضع قانوني أو مجموعة من الحقوق، بل وعي بالانتماء وممارسة يومية للمسؤولية، تبدأ من الحي والمدرسة والجمعية، وتمتد إلى مختلف مؤسسات المجتمع والدولة.

وخلص إلى أن مستقبل الوجود الإسلامي في ألمانيا يستدعي الانتقال من سؤال «كيف نحافظ على وجودنا؟» إلى سؤال أكثر طموحًا: «كيف نسهم في بناء مستقبل مجتمعنا؟»، ومن الانشغال المستمر بإثبات الانتماء إلى ممارسة المواطنة بثقة ومسؤولية، بعيدًا عن ثنائية الذوبان في المجتمع أو الانغلاق على الذات.

ومن جانبه، تناول الشيخ الحسين خلوق، إمام وخطيب مسجد الصداقة، العلاقة بين الثوابت الدينية ومتطلبات العيش في مجتمع متعدد الثقافات والانتماءات، مسلطًا الضوء على المسؤولية التربوية والاجتماعية للمساجد في ترسيخ الوعي الديني المتوازن وتعزيز قيم الانفتاح والتعايش.

وأبرز أهمية أن تتجاوز رسالة المسجد وظيفته التعبدية لتشمل التربية والتوجيه وبناء الإنسان، ومواكبة التحديات التي تواجه الأجيال الناشئة، بما يعزز ارتباطها بقيمها الدينية وهويتها الثقافية وانتمائها المجتمعي.

أما الشيخ مصطفى أزرفان، الإمام والخطيب والباحث في شؤون الهجرة والاندماج، فقد تناول التحولات الاجتماعية المرتبطة بالهجرة والاندماج وتحديات الانتماء في المجتمعات الأوروبية المتعددة.

واستعان في مداخلته ببعض أطروحات المفكر وعالم الاجتماع الألماني المعاصر الدكتور علاء الدين مفعلاني (Aladin El-Mafaalani)، ولا سيما رؤيته لمفارقات الاندماج، التي ترى أن تصاعد النقاشات والخلافات حول الهوية والمشاركة لا يعكس بالضرورة فشل الاندماج، بل قد يكون نتيجة لتقدمه، حين تنتقل الفئات التي كانت على هامش المجتمع إلى موقع المشاركة والمطالبة بدور أكبر في صياغة قواعد العيش المشترك.

وأكدت هذه المقاربة أهمية تجاوز الفهم التقليدي للاندماج باعتباره عملية تكيّف أحادية الجانب، والنظر إليه بوصفه مسارًا مجتمعيًا متبادلًا يقوم على الاعتراف والمشاركة وتكافؤ الفرص.

وقد تكاملت المداخلات الثلاث في تقديم قراءة متعددة الأبعاد للوجود الإسلامي في ألمانيا، جمعت بين المنظور الفكري والمؤسسي، والمقاربة الدينية والتربوية، والتحليل الاجتماعي لقضايا الهجرة والاندماج.

واختُتم اللقاء بكلمة توجيهية لفضيلة الشيخ أحمد القداري، مؤسس مسجد الصداقة وأحد الفاعلين الدينيين في ألمانيا من الجيل الأول، الذي تمثل مسيرته جانبًا من تاريخ تأسيس العمل الإسلامي والمسجدي في البلاد. وقد أضفت مشاركته على اللقاء بُعدًا تاريخيًا ورمزيًا، ربط بين جهود الجيل المؤسس وتطلعات الأجيال الجديدة نحو ترسيخ المواطنة وتطوير الحضور الإسلامي.

وفي ختام اللقاء، توجه عبد الصمد اليزيدي بالشكر والتقدير إلى السيد فؤاد العثماني، رئيس إدارة مسجد الصداقة، وإلى القائمين على المسجد وجمعية الصداقة المغربية بألمانيا، على احتضان هذه الندوة الفكرية وحسن تنظيمها، مثمنًا جهودهم في جعل المسجد فضاءً للعلم والحوار والتواصل المجتمعي.

ويعكس هذا اللقاء الحاجة المتزايدة إلى تجديد النقاش حول مستقبل المسلمين في ألمانيا، وتجاوز المقاربات التي تختزل وجودهم في الهجرة والاندماج، نحو رؤية تقوم على المواطنة المتساوية والمشاركة الفاعلة والمسؤولية المشتركة.

فحين تتعدد الجذور، لا تضيق الهوية، بل تتسع لتحتضن انتماءات متعددة، يجمعها الاعتزاز بالخصوصية والوفاء للوطن والإسهام في بناء مستقبله المشترك.

Translate »