ارو مغرب منير حموتي
في امتداد لحضورها باعتبارها أحد أبرز رموز الهوية الثقافية الوطنية تواصل البلوزة الوجدية استحضار مكانتها ضمن الموروث التراثي المغربي بما تختزنه من ذاكرة تاريخية وإبداع أصيل يعكس غنى الروافد الثقافية للمملكة وتنوع تعبيراتها الحضارية احتضن المعهد الثقافي ” إكليل” بوجدة يوم الخميس 5 نونبر الجاري، افتتاح فعاليات الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للبلوزة، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمبادرة من الجمعية الشرقية للتنمية، تحت شعار ” البلوزة خيط يجمع بين جهات المملكة” .
افتتحت فعاليات هذه الدورة بتنظيم ندوة فكرية وتراثية تحت عنوان “البلوزة خيط يجمع جهات المملكة: التراث والهوية في خدمة الوحدة الوطنية” ، خصصت لمناقشة الأبعاد التاريخية والثقافية لهذا الزي الأصيل ودوره في صون الذاكرة الجماعية وتعزيز جسور التواصل الثقافي بين مختلف جهات المملكة.
وشهد اللقاء مشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بقضايا التراث والصناعة التقليدية، من بينهم المحامية والكاتبة والباحثة سليمة فراجي، والدكتور والباحث أحمد طنطاوي، ولطيفة الداودي المسؤولة عن الحرف المهددة بالمديرية الجهوية للصناعة التقليدية، إلى جانب الأستاذ ياسين المغاري المحافظ بالمديرية الجهوية للثقافة بوجدة، فيما تولت الإعلامية مونية حديوي تسيير أشغال الندوة.
وعرفت هذه المحطة الثقافية حضور عدد من المسؤولين والفعاليات الثقافية والفنية، من بينهم صباح الحموتي رئيسة مصلحة الشؤون الثقافية بولاية جهة الشرق، وخالد مالكي، المدير الجهوي للصناعة التقليدية بوجدة، ومحمد مومو، مدير مركز إكليل، وسعاد سبيبي، مديرة مسرح محمد السادس بوجدة، فضلاً عن مصممات أزياء ورئيسات جمعيات وتعاونيات وفعاليات مهتمة بالزي التقليدي ولاسيما البلوزة الوجدية.
وفي تصريح لموقع “أورو مغرب” ، أكدت لطيفة منتبه مصممة الأزياء ومديرة المهرجان الدولي للبلوزة، أن هذه التظاهرة تتجاوز الاحتفاء بلباس تقليدي لتشكل فضاءً للحوار وتبادل المعرفة واستحضار عمق الموروث الحضاري المغربي، وإبراز غنى الهوية الوطنية وتعدد روافدها الثقافية.
وأبرزت منتبه أن البلوزة الوجدية تمثل ذاكرة أجيال وشاهدا على تاريخ مدينة وجدة وجهة الشرق ، بما تحمله من مظاهر الإبداع والأصالة والتأثيرات الثقافية والحضارية المتنوعة. وشددت على أن الحفاظ على هذا الموروث يقتضي تكثيف جهود البحث والتوثيق والتعريف به والعمل على نقله إلى الأجيال الصاعدة وتحويله إلى رافعة للتنمية الثقافية والاقتصادية والسياحية معتبرة أن التراث يشكل جسراً للتواصل بين مختلف جهات المملكة ويعزز وحدة الهوية المغربية.
من جهتها سلطت سليمة فراجي الضوء على أهمية الانتقال من الاحتفاء بالبلوزة الوجدية إلى اتخاذ خطوات عملية لحمايتها وتثمينها معتبرة أن بلوغ المهرجان دورته التاسعة يعكس تنامي الاهتمام بالتراث اللامادي المغربي ويؤكد الحاجة إلى صون هذا الموروث المتجذر في تاريخ جهة الشرق.
ودعت فراجي إلى العمل على تسجيل البلوزة ضمن التراث اللامادي الوطني تمهيداً لإعداد ملف متكامل لترشيحها لدى منظمة اليونسكو، مؤكدة ضرورة جرد مختلف أنواعها وتوثيقها بالصور والشهادات الحية للحرفيات والنساء اللواتي حافظن على هذا الزي عبر الأجيال تفاديا لضياع تفاصيله وخصوصياته مع مرور الزمن كما شددت على أهمية إحداث فضاءات ومتاحف متخصصة للتعريف به، وتعزيز تسويقه على المستويين الوطني والدولي، بما يضمن حماية خصوصيته الثقافية وتثمين مكوناته التراثية.
وفي قراءة تاريخية واجتماعية لهذا الموروث، أبرز الدكتور والباحث أحمد طنطاوي أن البلوزة الوجدية تشكل جزءاً أصيلا من الخصوصية الثقافية والاجتماعية لمدينة وجدة، مستحضراً ارتباطه الشخصي بها بحكم نشأته داخل أسرة اهتمت بصناعتها وخياطتها، وهو ما أتاح له التعرف عن قرب على تقاليدها وأنواع أقمشتها والطقوس الاجتماعية المرتبطة بها.
وأشار طنطاوي إلى أن البلوزة عرفت خلال العقود الماضية تراجعا في حضورها بفعل منافسة الألبسة العصرية، قبل أن تستعيد مكانتها تدريجيا بفضل المهرجان ومبادرات الجمعيات وإن ظل ارتداؤها اليوم مرتبطا أساساً بالمناسبات والأعياد والاحتفالات وأكد أن صون هذا الزي يندرج ضمن الحفاظ على الهوية المحلية والتراث غير المادي لجهة الشرق، مشدداً على ضرورة التوثيق والتدوين لحماية الموروث الشفوي من الاندثار وضمان انتقاله إلى الأجيال القادمة.
من جانبه أكد ياسين المغاري، المحافظ الجهوي للتراث بجهة الشرق ومفتش جهوي للمباني التاريخية، أن مهرجان البلوزة يشكل محطة مهمة للاحتفاء بأحد مكونات التراث الثقافي غير المادي الذي يعكس جانبا من الهوية المغربية مبرزاً الدور المحوري للمرأة باعتبارها حارسة للتراث وحاملة للذاكرة الجماعية عبر الأجيال.
وأضاف المغاري أن الندوة أكدت أهمية تثمين هذا الموروث وتحويله إلى رافعة للتنمية السوسيو اقتصادية والثقافية والسياحية بالمنطقة منوها بدور المبادرات الثقافية بدعم من وزارة الثقافة في التعريف بالبلوزة الوجدية والترويج لها وصون مقوماتها.
وهكذا لم يكن افتتاح الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للبلوزة مجرد احتفاء بزي تقليدي بل شكل مناسبة لإعادة طرح أسئلة التوثيق والحماية والتثمين والتأكيد على أن صون هذا الموروث يظل مسؤولية جماعية تستدعي تضافر جهود الباحثين والمؤسسات والفاعلين الثقافيين والحرفيين حتى تظل البلوزة الوجدية حاضرة في الذاكرة الوطنية وقادرة على مواصلة إشعاعها عبر الأجيال.





















































































