اورو مغرب إعداد محمد الحدوشي
قضت المحكمة الابتدائية بمراكش، اليوم الاثنين، بإدانة صانعة المحتوى المعروفة باسم «سكينة كلامور» بعشرة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 500 درهم، مع منعها من استعمال مواقع التواصل الاجتماعي والظهور عبرها لمدة ثلاث سنوات، على خلفية متابعتها في قضية تتعلق بالإخلال العلني بالحياء ونشر وبث محتويات اعتُبرت مخلة بالحياء العام.
الحكم، وبعيدا عن أي تشفٍّ في المعنية بالأمر، يحمل رسالة قوية إلى كل من يتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها فضاء بلا قانون، وإلى من يعتقد أن الشهرة وعدد المتابعين والمشاهدات يمكن أن تمنحه حصانة من المساءلة.
ومن هذا المنطلق، لا بد من توجيه تحية تقدير إلى النيابة العامة والقضاء المغربي على القيام بأدوارهما في حماية المجتمع وتطبيق القانون كلما عُرضت عليهما أفعال يجرمها التشريع، مع التأكيد أن القضاء وحده يبقى صاحب الاختصاص في تقرير الإدانة أو البراءة وتحديد العقوبات وفق الضمانات القانونية وطرق الطعن المقررة.
فالفضاء الرقمي لم يعد عالما افتراضيا منفصلا عن المجتمع. ما ينشر فيه يصل في ثوان إلى ملايين الهواتف، ويدخل البيوت دون استئذان، ويشاهده الراشد والقاصر، ولذلك فإن مواجهة الأفعال التي تتجاوز حدود حرية التعبير إلى دائرة التجريم ليست ترفا، بل جزء من حماية النظام العام والحقوق التي يصونها القانون.
لكن المسؤولية لا تقع على النيابة العامة والقضاء والأجهزة الأمنية وحدها. المجتمع المدني مطالب اليوم بأن يتحمل مسؤوليته أيضا.
فالجمعيات الجادة المهتمة بحماية الطفولة والأسرة والذوق العام والتربية الإعلامية مطالبة بألا تظل مجرد متفرج على التحولات الخطيرة التي يعرفها المحتوى الرقمي. ومن حقها، في إطار القانون، رصد الظواهر المثيرة للقلق، والتوعية بمخاطرها، وإثارة النقاش العمومي بشأنها، وسلوك المساطر القانونية المتاحة متى توافرت شروطها، مع ترك تقدير وجود الجريمة والمسؤولية للنيابة العامة والقضاء.
نحن لا نريد مجتمعا تتحول فيه الجمعيات إلى «شرطة أخلاقية»، ولا نريد مطاردة الناس بسبب أذواقهم أو آرائهم أو لباسهم، فالحريات الفردية وحرية التعبير حقوق يجب احترامها. لكننا، في المقابل، لا يمكن أن نجعل من كلمة «الحرية» مظلة تبرر كل شيء عندما يتعلق الأمر بأفعال قد تدخل، وفق القانون، في نطاق التجريم.
والمشكلة أعمق من قضية سكينة كلامور. لقد نشأ خلال السنوات الأخيرة نموذج اقتصادي كامل حول «الصدمة الرقمية». فكلما كان المحتوى أكثر إثارة واستفزازا، ارتفعت المشاهدات والتعليقات والمشاركات، وتحولت المشاهدات إلى شهرة والشهرة إلى مداخيل. وهكذا أصبح البعض يتسابق على تجاوز الآخر في الكلام البذيء والإيحاء والاستفزاز بحثا عن بضعة آلاف إضافية من المتابعين.
وهنا يصبح تدخل المؤسسات وتوعية المجتمع المدني ضرورة، ليس لمحاربة حرية الإبداع والتعبير، وإنما لترسيخ قاعدة واضحة وهي أن ما هو ممنوع قانونا خارج الهاتف لا يصبح مباحا لمجرد تصويره ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن المطلوب هو الاستمرارية والمساواة في تطبيق القانون. فلا ينبغي أن تتحرك المساطر فقط عندما يتحول اسم معين إلى «ترند»، بينما تمر حالات أخرى دون اهتمام. القانون يجب أن يطبق على الجميع متى توافرت شروط المتابعة، بصرف النظر عن الشهرة أو عدد المتابعين.
وقضية سكينة كلامور ينبغي أن تكون مناسبة لإطلاق نقاش جدي حول مسؤولية صناع المحتوى، ومسؤولية الأسر، والمدرسة، والإعلام، والمنصات الرقمية، والمجتمع المدني، إلى جانب المسؤولية القانونية التي تضطلع بها النيابة العامة والقضاء.
وتحية مرة أخرى للنيابة العامة والقضاء المغربي على أداء أدوارهما في إطار القانون.
أما المجتمع المدني، فقد حان الوقت لكي ينتقل جزء منه من مرحلة الاستنكار في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي إلى العمل المؤسساتي الجاد، عبر التوعية والتأطير والرصد واللجوء إلى الآليات القانونية المتاحة كلما كان ذلك ممكنا ومبررا.
ولسكينة كلامور نقول إننا لا نتشفى فيها، ونتمنى لها الهداية وأن تكون هذه التجربة فرصة للمراجعة.
أما لكل من يعتقد أن الشهرة الرقمية تضع صاحبها فوق القانون، فإن الرسالة أصبحت واضحة الهاتف ليس حصانة، وعدد المتابعين ليس رخصة، والفضاء الرقمي ليس أرضا بلا قانون













عذراً التعليقات مغلقة