لا تحكم على الناس بالمظاهر… بل بالأخلاق والمواقف

اورو مغرب9 يونيو 2025آخر تحديث :
لا تحكم على الناس بالمظاهر… بل بالأخلاق والمواقف

اورو مغرب

✍️ بقلم : نوالدين البركاني
المركز المغربي للتنمية

في زمن كثرت فيه الألقاب، وتعددت الشهادات، وتزايدت المظاهر الخادعة، أصبح الكثير من الناس أسرى للأوهام في نظرتهم إلى الآخرين. فكم من شخص ننخدع به بسبب منصبه الرفيع، أو شهادته الجامعية العالية، أو مظهره الأنيق، أو ثرائه الفاحش، أو حتى تدينه الظاهري في صيامه وصلاته وحجه واعتماره… بينما عند أول اختبار للمواقف والأخلاق يسقط القناع، وينكشف المستور.

الحكم العادل على الإنسان لا يكون بمنصبه، ولا بدرجته العلمية، ولا بأصله ونسبه، ولا بما يملكه من مال أو جاه، ولا حتى بكثرة عباداته الشكلية، وإنما يكون من خلال مواقفه وسلوكياته ومعاملاته اليومية. فالقيمة الحقيقية للمرء تتجلى في أمانته، صدقه، وفائه بالوعود، التزامه بالمواعيد، احترامه للآخرين، تواضعه، حسن ألفاظه، عفوه، رحمته، وحرصه على الخير للناس دون انتظار مقابل.

كم من أستاذ جامعي لا يحسن التعامل مع طلابه! وكم من مسؤول كبير يظلم مرؤوسيه! وكم من ثريّ بخيل لا يخرج من ماله حق الفقراء! وكم من عابد صوّام قوام، لكنه سيء الخلق مع زوجته وأبنائه، غليظ القلب مع جيرانه، متكبر في مجالسه!

الإنسان يقاس بما يصنعه في الخفاء قبل العلن، بما يقدمه للمجتمع من خير، بما يتركه في النفوس من أثر جميل، لا بما يظهر أمام عدسات الكاميرات أو ينشر في وسائل الإعلام.

لو كان المنصب معيارا للحكم على الناس لكان كل حاكم صالحا، ولو كانت الشهادات معيارا لكان كل متعلم حكيما، ولو كان المال مقياسا للإنسانية لكان كل غني كريما! لكن الواقع يعلمنا أن القيم النبيلة لا علاقة لها بهذه الأمور الشكلية.

بل إن الأخطر أن تتحول العبادات – وهي أعظم ما يتقرب به الإنسان إلى الله – إلى مجرد مظاهر تخدع الناس، بينما السلوك العملي في الحياة اليومية يكشف تناقض الشخصية بين القول والفعل، بين الظاهر والباطن.

وفي المقابل، قد تجد عاملا بسيطا، أو فلاحا فقيرا، أو رجلا عاديا بلا شهادات ولا ألقاب، لكنه مثال في الأمانة، والإخلاص، والصدق، والكرم، والتواضع، والاحترام، حتى لكأنه يحمل في قلبه من القيم ما لا تحمله رفوف الكتب.

ما أجمل أن يتناسق الظاهر والباطن! أن يجتمع العلم والخلق، العبادة والسلوك، المنصب والتواضع، الغنى والسخاء، الدين والمعاملة! فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

خلاصة القول:
لا تغتر بالمظاهر، ولا تخدعك الشهادات ولا الألقاب، بل دقق النظر في المواقف، في التفاصيل الصغيرة:
كيف يعامل والديه؟
كيف يتصرف مع زوجته وأبنائه؟
كيف يفي بوعده؟
هل يحترم المواعيد؟
هل يمد يد العون للناس؟
هل لسانه طيب أم لاذع جارح؟
هل يتواضع أم يتكبر؟

هذه هي المرايا الحقيقية التي تعكس معدن الإنسان. فكم من متواضع صادق خير من متكبر مزيف! وكم من عامل بسيط أصدق من مسؤول منافق!

إن الأمم لا تنهض بكثرة الألقاب والمناصب، بل برجال ونساء صادقين في أفعالهم قبل أقوالهم، عادلين في مواقفهم قبل خطبهم.

✍️ نوالدين البركاني باحث في قضايا الإصلاح والتنمية المجتمعية

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »