اورو مغرب
يُوفر متحف التاريخ والحضارات بالعاصمة الرباط زاوية أثرية استثنائية، تحمل في رفوفها وخلف واجهاتها الزجاجية أهم الشواهد النذرية الحجرية الأمازيغية والمورية، ومن بين أبرز هذه الكنوز التاريخية التي تشد أنظار الباحثين والزوار، يبرز “حجر أنفا” (ⴰⵣⵔⵓ ⴰⵏⴼⴰ) – أو ما يُعرف بنقيشة الدار البيضاء القديمة – كشاهد مادي حي على عراقة الامتداد الحضاري للمملكة المغربية.
ويضم المتحف إلى جانب هذا الحجر الفريد، باقة غنية من النقائش المورية والأمازيغية المغربية القديمة، كالمسلات، التماثيل، والشهادات الرومانية والمورية التي تؤرخ لحقبة ما قبل الميلاد والفترات الكلاسيكية اللاحقة.
تعود قصة اكتشاف هذا الأثر التاريخي إلى سنة 1926، إبان فترة الحماية الفرنسية، حيث عثر عليه بالصدفة داخل مزرعة للماشية بضواحي العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، عقب اكتشافه نُقل الحجر أول الأمر إلى متحف أنفا بالدار البيضاء، لينضم إلى قائمة النقائش والرموز التي عثر عليها المنقبون والباحثون الفرنسيون في مختلف مناطق المغرب.
وفي عام 1966، حظيت هذه النقيشة باهتمام بروفيسور اللغة الأمازيغية وتاريخ المغرب القديم، الفرنسي “Lionel Galand” (لونيل كالين)، الذي التقط لها صورة توثيقية هامة وأخضعها للدراسة والتحليل، حيث أكد الباحث أن الأبجدية المنقوشة عليها تنتمي إلى صنف “تيفيناغ الغربية القديمة”، وهو خط كان ينتشر جغرافياً في المغرب، جزر الكناري، وغرب الجزائر.
يبلغ ارتفاع هذه النقيشة النادرة حوالي متر ونصف، وهي عبارة عن حجر نذري يحمل في طياته الاسم الأصلي لمدينة الدار البيضاء الغابرة وهو “أنفا” (وهي كلمة أمازيغية تعني “القمة”)، وتعد هذه النقيشة دليلاً تاريخياً قاطعاً يبرز الهوية الثقافية والحضارية القديمة للمنطقة، لكونها تحمل حروف أبجدية “تيفيناغ” الليبوأمازيغية القديمة التي تعود إلى عصور ما قبل الميلاد.
تجدر الإشارة إلى أن كلمة “تيفيناغ” في اللسان الأمازيغية تحمل دلالة عميقة تعني “ابتكارنا”، مما يبرز الوعي المبكر للإنسان المغربي القديم بالتدوين والكتابة كأداة لحفظ الذاكرة والهوية.
وقد جرى لاحقاً نقل هذا الحجر النادر من الدار البيضاء ليستقر في متحف التاريخ والحضارات بالرباط، حيث يعرض اليوم كجزء لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية المغربية، فاتحاً الأبواب أمام الأجيال الحالية لاستكشاف عمق وجذور الحضارة المورية والأمازيغية الأصيلة.
كتبه جمال البوطيبي
الرباط 21/06/26





















عذراً التعليقات مغلقة