التزكية.. ذلك الكائن السياسي الذي يوقظ حب الوطن فجأة!

اورو مغربمنذ 15 دقيقةآخر تحديث :
التزكية.. ذلك الكائن السياسي الذي يوقظ حب الوطن فجأة!

اورو مغرب بقلم: محمد الحدوشي

في بلادنا، تحدث كل خمس سنوات ظاهرة سياسية تستحق أن تُدرَّس في كليات العلوم، لأنها تتحدى المنطق، وتربك علم الاجتماع، وتُدخل المواطن في حيرة حقيقية.
أشخاص يعيشون بيننا بشكل عادي، لا يُسمع لهم صوت، ولا يُرى لهم أثر في الأحياء والأسواق والمستشفيات والمدارس، يختفون لسنوات طويلة، ثم يستيقظون فجأة على نداء داخلي قوي يقول لهم: يجب أن نخدم المواطن.
والمثير في الأمر أن الجميع يريد خدمة المواطن.
الجميع يحب المواطن.
الجميع يشعر بمعاناة المواطن.
لكن المشكلة الوحيدة هي أن هذا المواطن المسكين يجب أن ينتظر أولاً صدور التزكية.
فلا أحد يريد أن يخدمه بلا تزكية.
لا أحد يريد الدفاع عن الشباب بلا تزكية.
لا أحد يريد الترافع عن قضايا الناس بلا تزكية.
ولا أحد يريد النزول إلى الميدان إلا بعد أن يحصل على ذلك الختم الحزبي السحري الذي يحول صاحبه، في لحظة واحدة، من شخص عادي إلى مناضل استثنائي وخبير في كل شيء.
التزكية عند البعض ليست مجرد ترشيح انتخابي، بل شهادة ميلاد سياسية جديدة. قبلها يكون الإنسان مواطناً عادياً، وبعدها يصبح خبيراً في الاقتصاد، ومختصاً في التشغيل، ومدافعاً عن الفقراء، وخبيراً في الصحة والتعليم والطرق والماء والكهرباء والبطالة والسكن.
بل إن بعضهم يكتشف فجأة أن لديه تاريخاً نضالياً طويلاً، وأن الوطن كان ينتظره منذ سنوات، وأن الحزب لا يمكنه أن يخوض الانتخابات بدونه.
وفجأة تتحول المقاهي إلى مكاتب سياسية، والهواتف إلى غرف عمليات، والولائم إلى اجتماعات استراتيجية، والزيارات العائلية إلى مشاورات وطنية كبرى.
الجميع يبحث عن التزكية.
الجميع يفاوض من أجل التزكية.
الجميع يغضب بسبب التزكية.
الجميع ينتقل من حزب إلى آخر بسبب التزكية.
حتى أصبح المواطن يعتقد أن الأزمة الحقيقية في البلاد ليست البطالة ولا التعليم ولا الصحة، بل أزمة التزكيات.
المواطن نفسه لم يفهم بعد هذه المعادلة العجيبة.
إذا كانت غايتكم خدمة الناس، فلماذا تنتظرون التزكية؟
إذا كان الوطن يحتاج إلى جهودكم، فلماذا لا تبدأون العمل قبل الانتخابات؟
ولماذا لا تظهر هذه الغيرة على الأحياء الهامشية إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع؟
لو كانت خدمة الناس مرتبطة بالمقعد، لكان الطبيب ينتظر الانتخابات قبل علاج المرضى، وكان الأستاذ ينتظر التزكية قبل دخول القسم، وكان رجل الإطفاء يطلب ترخيصاً حزبياً قبل إخماد الحرائق.
لكن السياسة عندنا لها قوانين خاصة.
فبعض السياسيين يشبهون رجلاً يبحث عن مفاتيح بيته في منزل الجيران. يقول إنه يريد خدمة المواطن، لكنه يقضي كل وقته في خدمة التزكية. يتحدث عن التنمية، لكنه لا يرى إلا مقر الحزب. يتحدث عن الفقراء، لكنه لا يسمع إلا أصوات الوسطاء واللجان والأمناء العامين.
والأجمل من ذلك أن التزكية أصبحت قادرة على إحداث المعجزات.
فهي تجعل السياسي يكتشف فجأة أن هناك شباباً عاطلاً، ومستشفيات تعاني، ومدارس متعثرة، وطرقات مهترئة، وأحياء مهمشة. وما إن تنتهي الانتخابات حتى تعود الأشياء إلى أماكنها الطبيعية، ويعود المواطن إلى الانتظار، ويعود السياسي إلى الانشغال بأمور أكثر أهمية.
أما المواطن، ذلك الكائن الذي يتم استدعاؤه مرة كل خمس سنوات، فيجلس في المقهى يتابع المشهد.
فلان غاضب لأنه لم يحصل على التزكية.
وفلان انتقل إلى حزب آخر بسبب التزكية.
وفلان اكتشف أن حزبه فقد مبادئه بعد حرمانه من التزكية.
وفلان أعلن اعتزال السياسة احتجاجاً على التزكية.
حتى أصبح المواطن يعتقد أن الوطن كله أصبح رهينة ورقة صغيرة تحمل توقيع الأمين العام.
إنها حقاً معجزة التزكية.
التزكية التي تجعل الحي الشعبي أهم من نيويورك، والمقهى الشعبي أهم من البرلمان، والمواطن أهم من الجميع، لكن لفترة محدودة فقط.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً:
هل التزكية وسيلة لخدمة المواطن؟
أم أن المواطن نفسه أصبح وسيلة للحصول على التزكية؟
وفي انتظار الجواب، تستمر الرحلة الكبرى نحو المقرات الحزبية، وتستمر طوابير الطامحين، وتكثر الابتسامات والولائم والوعود، ويستمر الجميع في إعلان حب الوطن، ذلك الحب الموسمي الذي يظهر كل خمس سنوات، ويحتاج دائماً إلى ختم الحزب ومباركة القيادة.
أما المواطن، فقد أصبح أكثر ذكاءً من الجميع.
فهو يعرف جيداً أن موسم التزكيات هو الفصل الوحيد الذي يصبح فيه بطلاً في الخطب، وضيفاً في اللقاءات، وموضوعاً في التصريحات، قبل أن يعود بعد الانتخابات إلى مكانه المعتاد في كرسي الانتظار

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »