اورو مغرب
بقلم: الدكتور منير بحري
رئيس حزب التجديد والتقدم
شكل الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، محطة سياسية ووطنية بالغة الأهمية، لما حمله من توجيهات استراتيجية عميقة، ورسائل واضحة بشأن مستقبل التنمية بالمملكة، ومسؤولية المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية في مواكبة التحولات التي تعرفها بلادنا.
إن القراءة المتأنية لمضامين هذا الخطاب الملكي تؤكد أننا أمام رؤية ملكية متبصرة، تستشرف المستقبل بثقة وواقعية، وتضع مصلحة الوطن وكرامة المواطن فوق كل اعتبار، في إطار الاستمرارية التاريخية للإصلاحات الكبرى التي يقودها جلالة الملك.
ومن هذا المنطلق، فإننا في حزب التجديد والتقدم نعتبر أن التشبث بالثوابت الوطنية والالتفاف حول المؤسسة الملكية لا يمكن اختزالهما في التعبير عن الولاء والاعتزاز فحسب، بل يجب أن يترجما إلى سلوك سياسي مسؤول، ومبادرات واقعية، ومواقف واضحة تخدم المصالح العليا للوطن والمواطنين.
أولاً: الرؤية الملكية وتجديد مفهوم المسؤولية السياسية
لقد حمل الخطاب الملكي رسالة جوهرية إلى مختلف الفاعلين السياسيين، مفادها أن المرحلة المقبلة لا تحتمل منطق الانتظارية أو المزايدات الحزبية الضيقة، وإنما تتطلب الجدية والكفاءة والنزاهة والقدرة على تقديم الحلول.
إن السياسة، في مفهومها الوطني النبيل، ليست مجرد تنافس على المواقع والمناصب، بل مسؤولية أخلاقية ودستورية تجاه الوطن والمواطن.
وفي هذا السياق، تكتسي الإشارة الملكية إلى أن الانتداب البرلماني يشكل التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً مع المواطنين دلالة عميقة، تضع المنتخبين أمام واجب المساءلة والمحاسبة، وتؤكد ضرورة إعادة الاعتبار للممارسة السياسية الجادة.
وبالنسبة إلينا في حزب التجديد والتقدم، فإن تجديد العمل الحزبي يمر أساساً عبر ترسيخ ثقافة الصدق السياسي، ومحاربة الانتهازية، وتقريب القرار من المواطن، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
ثانياً: العدالة الاجتماعية والمجالية في صلب المشروع التنموي
لقد أبرز جلالة الملك، من خلال خطابه السامي، أن طموح المغرب إلى تعزيز مكانته كقوة اقتصادية صاعدة لا يمكن أن ينفصل عن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.
وهذا التوجه يعكس جوهر النموذج التنموي الذي يجعل الإنسان محور السياسات العمومية وغايتها الأساسية.
فلا معنى للنمو الاقتصادي إذا لم تنعكس ثماره على تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وتجويد خدمات التعليم والصحة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والترابية، وتوفير فرص شغل تحفظ كرامة الشباب وتفتح أمامهم آفاق المستقبل.
كما أن الحديث عن الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري يفرض تجاوز المقاربات الشكلية، والانتقال نحو تمكين الجهات من الصلاحيات والموارد الضرورية لإنجاز المشاريع والاستجابة للحاجيات الفعلية للساكنة.
إن المغرب الذي نطمح إليه هو مغرب لا تقاس فيه التنمية بحجم المشاريع المعلنة فحسب، بل بأثرها الحقيقي على حياة المواطنين، في المدن والقرى والمناطق الجبلية والنائية.
ثالثاً: الشباب المغربي من موقع الانتظار إلى موقع المبادرة والقيادة
لقد وضع جلالة الملك قضايا الشباب في مقدمة أولويات المرحلة المقبلة، بما يعكس وعياً عميقاً بأن مستقبل المغرب رهين بقدرته على تحرير طاقات أجياله الصاعدة.
ومن موقعنا السياسي، نعتبر أن إنصاف الشباب لا يتحقق بالخطب الموسمية أو الوعود الانتخابية، بل بإرساء سياسات عمومية مندمجة تربط التعليم والتكوين بسوق الشغل، وتشجع المبادرة المقاولاتية، وتضمن تكافؤ الفرص.
كما أن تجديد النخب السياسية وتوسيع مشاركة الشباب والنساء في صناعة القرار يشكلان ضرورة ديمقراطية وتنموية، وليس مجرد اختيار تنظيمي.
فالوطن القوي هو الذي يمنح أبناءه الثقة والفرصة للمساهمة في بنائه.
رابعاً: السيادة الوطنية في عالم متحول
لقد أكد الخطاب الملكي أهمية تعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتطوير الصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبارها مرتكزات أساسية للسيادة الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة.
كما حمل الخطاب تصوراً واضحاً للعلاقات الدولية، قائماً على الاحترام المتبادل والشراكة المتوازنة ورفض كل أشكال الضغط والابتزاز.
وفي هذا الإطار، نجدد في حزب التجديد والتقدم تشبثنا الراسخ بالوحدة الترابية للمملكة المغربية، واعتزازنا بالمكتسبات الدبلوماسية والتنموية التي تحققت تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس.
ونؤكد أن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يقتصر على المواقف الدبلوماسية، بل يشمل أيضاً بناء اقتصاد منتج، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتطوير البحث العلمي والتكنولوجيا، وتقوية الجبهة الداخلية على أساس التضامن والعدالة والثقة في المؤسسات.
خامساً: التشبث بالرؤية الملكية يقتضي شجاعة الإصلاح وصدق الالتزام
إننا نؤمن بأن أفضل تعبير عن التشبث بالرؤية الملكية هو الانخراط الصادق في تنزيل مضامينها، والمساهمة في إنجاح الأوراش الوطنية الكبرى، مع ممارسة النقد البناء لكل اختلال من شأنه إبطاء وتيرة الإصلاح.
فالتشبث بالمؤسسة الملكية لا يتعارض مع المطالبة بالحكامة الجيدة، ومحاربة الفساد والريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بل يجد في هذه المبادئ تعبيراً عملياً عن الإرادة الوطنية في بناء دولة قوية بمؤسساتها وعادلة في سياساتها.
وعليه، فإن حزب التجديد والتقدم مدعو، من موقع مسؤوليته السياسية، إلى جعل التوجيهات الملكية مرجعاً أساسياً في بلورة تصوراته ومبادراته، ولا سيما في مجالات العدالة الاجتماعية، والتنمية الترابية، وتأهيل الشباب، وتعزيز المشاركة الديمقراطية.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في تكرار مضامين الخطاب الملكي، وإنما في امتلاك الشجاعة السياسية لتحويلها إلى أولويات قابلة للتنفيذ، وإلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ختاماً: من الاعتزاز بالانتماء إلى المسؤولية في البناء
لقد جسد الخطاب الملكي السامي مرة أخرى عمق الارتباط التاريخي والوجداني بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي، وأكد أن الاعتزاز بالهوية المغربية ليس مجرد شعور وجداني، وإنما مسؤولية وطنية تستوجب العمل والتضحية والإخلاص.
وإننا، في حزب التجديد والتقدم، إذ نعبر عن اعتزازنا بالتوجيهات الملكية السامية، نجدد تمسكنا بثوابت الأمة المغربية، المتمثلة في الدين الإسلامي الحنيف، والملكية الدستورية، والوحدة الوطنية والترابية، والاختيار الديمقراطي.
كما نجدد عزمنا على المساهمة، بكل جدية ومسؤولية، في خدمة المشروع الوطني للتحديث والتنمية، بما يعزز مكانة المغرب، ويصون كرامة مواطنيه، ويفتح آفاق الأمل أمام أجياله الصاعدة.
فالوطنية الحقة ليست في قوة الشعارات، بل في صدق المواقف ونبل الغايات وملموسية الإنجازات.
والوفاء للرؤية الملكية ليس موقفاً ظرفياً تفرضه المناسبات، بل التزام وطني دائم، ومسؤولية تاريخية تستوجب أن نكون جميعاً في مستوى طموحات جلالة الملك وتطلعات الشعب المغربي.
حفظ الله مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والوحدة والتقدم والازدهار.
الدكتور منير بحري
رئيس حزب التجديد والتقدم
المملكة المغربية – 10 أكتوبر 2026












