الرسالة الصامتة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس في افتتاح البرلمان

اورو مغربمنذ 47 ثانيةآخر تحديث :
الرسالة الصامتة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس في افتتاح البرلمان

اورو مغرب

بقلم: عبد الصمد اليزيدي
مدير عام مواطنة – المعهد الألماني للحوار والتفاهم

ليست كل الرسائل العظيمة بحاجة إلى كلمات، ولا كل المواقف البليغة تحتاج إلى خطب مطولة حتى تبلغ القلوب والعقول. فهناك رسائل تُكتب بالحضور، وأخرى تُصاغ بالموقف، وثالثة يختصرها مشهد واحد، فيحمل من المعاني والدلالات ما قد تعجز عن حمله صفحات من الكلام.

ولعل حضور صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، شخصيًا لافتتاح البرلمان، رغم الظروف الصحية التي نسأل الله تعالى أن يمنّ عليه فيها بتمام الشفاء وموفور العافية، يحمل في طياته رسالة صامتة، عميقة الدلالة، تتجاوز حدود المناسبة الدستورية والمراسيم الرسمية، لتلامس جوهر العلاقة بين المسؤولية والالتزام، وبين الدولة ومؤسساتها، وبين المواطن وواجبه تجاه وطنه.

إنها رسالة لم تُكتب بالحبر، ولم تُعلن في بيان، ولكنها تستحق أن تُقرأ بعناية، بعيدًا عن ضجيج السياسة اليومية وحساباتها الضيقة.

فحين يحرص جلالة الملك على أداء هذا الواجب الدستوري، رغم ما قد تفرضه الظروف الصحية من مشقة، فإن حضوره الكريم يجسد ما يوليه جلالته من عناية سامية لمؤسسات المملكة، ومن تقدير للشعب المغربي وممثليه.

فالمسؤولية، في أسمى معانيها، ليست امتيازًا نتمتع به حين تسمح الظروف، ولا موقعًا نحتفظ به ما دامت الأعباء محتملة، وإنما هي التزام أخلاقي ومؤسساتي، يقتضي الوفاء بالواجب وتقديم المصلحة العامة على اعتبارات الراحة والظروف الخاصة.

وما أبلغ أن تصل هذه الرسالة من أعلى مؤسسة في الدولة!

وهنا تبرز مفارقة تستحق أن نواجه أنفسنا بها بشجاعة وصدق.

ففي الوقت الذي نرى فيه جلالة الملك يحرص على أداء واجبه الدستوري، نجد بيننا من يبحث عن ألف مبرر للابتعاد عن الشأن العام، والعزوف عن المشاركة السياسية، والتخلي عن المسؤولية الجماعية.

نقول إن السياسة لم تعد تستحق الاهتمام، وإن المؤسسات فقدت بريقها، وإن الانتخابات لا تغير شيئًا، وإن الأحزاب لا تمثل تطلعات المواطنين، وإن الفساد أفسد كل شيء.

وقد لا تخلو هذه الانتقادات من أسباب واقعية وتجارب مؤلمة.

نعم، قد تكون هناك اختلالات في الأداء، وقد يوجد فساد أو سوء تدبير، وقد تصدر عن بعض المسؤولين ممارسات تضعف الثقة وتسيء إلى صورة العمل السياسي. وقد يشعر المواطن أحيانًا بأن صوته لا يجد الصدى الذي يستحقه، وأن المسافة بين الوعود والإنجازات أصبحت أكبر مما ينبغي.

وليس من الإنصاف أن نطالب المواطن بالثقة العمياء، أو أن نختزل أزمته مع السياسة في ضعف الوعي أو غياب الحس الوطني. فالثقة لا تُفرض، وإنما تُكتسب بالمصداقية، وتُصان بالنزاهة، وتتجدد بالإنجاز والمحاسبة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل يشكل وجود هذه الاختلالات سببًا كافيًا للانسحاب من الحياة العامة؟ وهل يكون الرد على ضعف المؤسسات بالتخلي عنها، أم بالعمل على إصلاحها وتقويتها؟ وهل نواجه الفساد بترك المجال فارغًا أمام من يمارسه، أم بتوسيع دائرة المشاركة والمراقبة والمساءلة؟

إن العزوف، مهما بدت مبرراته مفهومة، لا يعاقب بالضرورة من أساؤوا ممارسة المسؤولية، بل قد يمنحهم مساحة أوسع للاستمرار دون منافسة حقيقية أو رقابة مجتمعية فعالة.

وهنا تكمن إحدى مفارقات واقعنا: نشتكي من ضعف البدائل، ثم نتردد في الإسهام في صناعتها؛ وننتقد غياب الكفاءات، ثم نترك المجال العام لمن لا نثق في كفاءتهم؛ ونطالب بالتغيير، ثم ننسحب من أهم الوسائل السلمية والدستورية لتحقيقه.

إن الأوطان لا تتقدم بالصمت وحده، ولا بالشكوى وحدها، ولا حتى بالغضب مهما كان مشروعًا. إنها تتقدم حين يتحول الوعي بالمشكلات إلى إرادة للإصلاح، وحين يصبح النقد مقدمة للعمل لا ذريعة للانسحاب.

فحب الوطن لا يعني التصفيق لكل قرار، كما أن انتقاد السياسات لا يعني التنكر للوطن. وبين التصفيق غير المشروط والرفض المطلق مساحة واسعة للمواطنة الواعية، التي تجمع بين الانتماء واليقظة، وبين الوفاء والجرأة، وبين احترام المؤسسات والإصرار على إصلاحها.

ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس انتشار الأخطاء وحده، بل اعتيادها، ثم الاستسلام لها، حتى يصبح الفساد قدرًا لا يُقاوم، وضعف الأداء حقيقة لا تُناقش، والعزوف موقفًا يُقدَّم باعتباره دليلًا على الحكمة والنضج.

والحال أن الانسحاب من المسؤولية ليس دائمًا علامة وعي، كما أن المشاركة ليست بالضرورة تعبيرًا عن السذاجة. فقد يكون الموقف الأكثر شجاعة هو أن نواصل المحاولة رغم خيبات الأمل، وأن نبحث عن سبل التغيير رغم صعوبة الطريق.

وكثيرًا ما نسمع من يقول: لا أجد من يستحق ثقتي، ولا حزبًا يمثل قناعاتي، ولا مشروعًا سياسيًا يعبر عن طموحاتي.

وهي مشاعر ينبغي احترامها وفهم أسبابها. لكن ألا يستحق الأمر أن نطرح سؤالًا آخر: إذا كان البديل الذي ننتظره غائبًا، فمن المسؤول عن صناعته؟

إن البدائل لا تولد مكتملة، ولا تنزل من السماء، ولا تظهر بمجرد انتظارها. إنها ثمرة عمل طويل، وتراكم تجارب، ومبادرات مواطنين قرروا ألا يكتفوا بدور المتفرج.

فإن لم تجد البديل، فساهم في بنائه. وإن لم تجد من يمثلك، فابحث عمن يشاركك القيم والطموحات. وإن لم تجد مشروعًا يستحق انخراطك، فبادر إلى صياغة مشروع جديد. وإن كنت تمتلك الكفاءة والنزاهة والاستعداد لخدمة الناس، فلا تستبعد أن تكون أنت جزءًا من البديل الذي تنتظره.

وليس المقصود أن يتحول كل مواطن إلى سياسي محترف، أو أن يسعى الجميع إلى المناصب الانتخابية. فالمشاركة في الشأن العام أوسع بكثير من الانتماء الحزبي، وأغنى من التنافس على المقاعد.

إنها تبدأ من الحي والمدرسة والجمعية والجماعة المحلية، ومن المبادرة التطوعية، والمساهمة في النقاش العمومي، ومراقبة تدبير المال العام، والدفاع عن الحقوق، والقيام بالواجبات.

والمغرب، بما يمتلكه من رصيد تاريخي وحضاري، وبما يزخر به من طاقات وكفاءات داخل الوطن وخارجه، يستحق أن ننظر إلى مستقبله بعين المسؤولية، لا بعين الاستسلام.

إنه يحتاج إلى مواطنين يطالبون بحقوقهم ويؤدون واجباتهم، وإلى نخب سياسية تتنافس في خدمة الناس لا في اقتسام الامتيازات، وإلى مؤسسات تستمد قوتها من ثقة المواطنين، وإلى مجتمع مدني يقظ يساهم في البناء والمساءلة.

وليس من العدل أن نحمّل المواطن وحده مسؤولية العزوف، بينما تظل بعض الممارسات السياسية بعيدة عن تطلعاته. فإعادة بناء الثقة مسؤولية متبادلة: على المؤسسات والأحزاب أن تستحق ثقة الناس، وعلى المواطنين أن يدركوا أن غيابهم عن المجال العام لا يساعد بالضرورة على إصلاحه.

وحين أتأمل مشهد افتتاح البرلمان، أجد نفسي أمام معنى يتجاوز تفاصيل المناسبة الدستورية. أرى في الحضور الملكي الكريم تذكيرًا بسمو الواجب، وبأن احترام المؤسسات لا يكتمل بالشعارات، وإنما يتجسد في الالتزام والعمل والوفاء بالمسؤولية.

وأجد فيه مناسبة لنسأل أنفسنا، كل من موقعه: ماذا قدمنا نحن لمؤسسات وطننا؟ وهل ساهمنا في إصلاح ما ننتقده؟ وهل بذلنا ما نستطيع قبل أن نعلن فقدان الأمل؟

إن الوطن لا يحتاج إلى مواطنين لا يرون فيه إلا الكمال، كما لا يحتاج إلى مواطنين لا يرون فيه إلا الإخفاق. إنه يحتاج إلى من يحبونه بما يكفي ليصارحوه، وينتمون إليه بما يكفي ليخدموه، ويؤمنون بمستقبله بما يكفي ليعملوا من أجله.

فإذا كنا نريد مؤسسات أفضل، فلنساهم في بنائها. وإذا كنا نريد سياسة أنظف، فلنفسح المجال أمام الكفاءات النزيهة. وإذا كنا نبحث عن بديل ولم نجده، فلنمتلك الشجاعة لنكون نحن جزءًا من ذلك البديل.

ذلك أن الأوطان لا يبنيها المنتظرون وحدهم، وإنما يبنيها الذين ينهضون حين يتراجع الآخرون، ويبادرون حين يتردد غيرهم، ويتمسكون بالأمل حين يصبح اليأس هو الخيار الأسهل.

ولعل هذه هي الرسالة الصامتة التي يجدر بنا أن نستلهمها من الحضور الملكي الكريم: أن نغادر مقاعد المتفرجين، وأن نستعيد ثقتنا في قيمة العمل العام، وأن ندرك أن مستقبل المغرب مسؤولية وطن بأكمله، كلٌّ من موقعه وبقدر استطاعته.

حفظ الله مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأسبغ عليه موفور الصحة والعافية، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وحفظ سائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، وأدام على وطننا العزيز نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.

Translate »