الاعلام والقوة الناعمة . قراءة في المشهد الاعلامي كسلطة ناعمة

euromagreb6 مارس 2023آخر تحديث :
الاعلام والقوة الناعمة . قراءة في المشهد الاعلامي كسلطة ناعمة

 

في ظل التطور التكنولوجي وامتداد رقعة الشبكة العنكبوتية، أصبح الإعلام أو السلطة الرابعة يطل عبر النافذة المفتوحة على العالم ، ووسيلة فاعلة لكسر جدار الصمت ، والتأثير على الرأي العام وتوجيه الأحداث بشكل جذري ، وتحويل قضية ما إلى قضية رأي عام .
لماذا تطلق تسمية السلطة الرابعة على الإعلام ؟
اقتضت الدساتير أن تجعل من السلطة ثلاثة أنواع تحكم أوضاع البلاد : السلطة التشريعية ، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية ، ولقد خولت الدساتير كل سلطة من هذه السلطات استقلالية قانونية ، بتحمل مسؤولية أداء واجبها في مناخ ينعم بالعدالة والمساواة في الحقوق بين الأفراد ومؤسسات المجتمع ،
إذا كان الإعلام هو سلطة رابعة ، فإن الصحافة سميت بصاحبة الجلالة لِما لها من عظمة وكبرياء ، فعظمتها تنبثق من كونها مهنة البحث عن الحقيقة ، وكبرياؤها يأتي من نزاهتها ؛ فعندما تكشف فسادا ، تهتز الدنيا من حولها وتبقى هي شامخة شموخ الجريء الشريف ، وعندما توصل معلومة هامة الى القاريء فهي تقوم بعمل إنساني يحتاج اليه المجتمع .
استخدم مصطلح صاحبة الجلالة في منتصف القرن التاسع عشر عن طريق المؤرخ *توماس كارلير* في الوقت الذي كان فيه العالم يشهد مرحلة انتقالية من النظام الديكتاتوري الشمولي ، إلى النظام الديمقراطي القائم على مبدأ فصل السلطات ، وترسيخ مبدأ الحريات العامة معتبرا *توماس كارلير* أن الصحافة لها دور أساسي في ولادة الديمقراطية ونموها بحيث تنشر الحقائق وتثير الثورات ضد الطغيان وكان أول ظهور له مرافقا للطفرة التي عرفتها الصحافة العالمية منذ ذلك الحين ليستقر أخيرا إلى معناه الذي يشير بالذات إلى الصحافة وإلى وسائل الاتصال الجماهيري كالإذاعة والتلفاز .لعبت الصحافة كمهنة ورسالة دورا مهما في توعية ونهضة الشعوب ، وتشكيل الرأي العام من خلال ما توفره من مواد : إخبارية، توجيهية ، تثقيفية ،و تحليلية وفي شتى المجالات والميادين الاخرى .
أطلق البعض على الصحافة صفة السلطة الرابعة، فيما ذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك واعتبرها صاحبة الجلالة لما لها من قدرة في القيادة والتأثير ، حيث نجحت هذه الأخيرة في كسر الحواجز والحدود بين الدول والشعوب ، فكان التواصل وتبادل الآراء والمعلومات حتى أصبح العالم بفضلها وبفضل الإعلام قرية صغيرة.. والدولة التي تغيب عنها الصحافة أو تفتقدها تتحول الى صحراء معزولة !
وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، لديها القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء ، وهذه هي القوة لأنها تتحكم فى عقول الجماهير. على غرار ما جاء على لسان المفكر البريطاني *إدموند بروك* في إحدى جلسات مجلس البرلمان البريطاني مشيرا إلى أن هناك ثلاث سلط تجتمع هنا تحت سقف البرلمان لكن في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة وهي أهم منكم جميعا .فقوة هذه الأخيرة تنبثق من السلطات الثلاث ونتيجة للدور الفاعل الذي تلعبه وسائل الإعلام ليس في تعميم المعرفة والتوعية والتنوير فحسب ، وإنما في إثارة القضايا المجتمعية للضغط على الطبقة السياسية الحاكمة وإجبارها على القيام بواجباتها تجاه الشعب .تتمتع وسائل الإعلام بقوة هائلة تؤثر في قناعات الشعب تفوق قوة الحكومات فالإعلام يحظى بسلطة افتراضية غير رسمية قادرة على التدخل في خط أعمال السلط الثلاث لمراقبة ٱدائها ،وتصحيح مسارها .
والدليل على قوة السلطة الرابعة أنها برهنت على قدرتها في تغيير الكثير من المسارات الخاطئة في بعض البلدان ، وحماية استرداد حقوق المضطهدين والٱقليات في العالم .على سبيل المثال لا الحصر القوة الهائلة التي تمتعت بها وسائل الاعلام والدور الذي لعبه الإعلام في التطورات السياسية التي حدتث في العالم العربي *الربيع العربي* من خلال هز عروش بعض الزعماء الذين استأثروا بالسلطة لسنين عديدة ، وفضح فساد حاشيتهم ، والقيام بالتعبئة التي ساهمت في نشوء التحركات والمسيرات الداعية لتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدان اعتاد حكامها على قمع شعوبهم وإسكات إعلامهم .
باختصار ، إن السلطة الرابعة هي نتاج أنظمة ديمقراطية تضطلع بدورين رئيسيين : مراقبة أداء السلطة وتمثيل مصالح الشعوب ، في وقت تدعي فيه النخبة السياسية العمل من أجل شعبها ، أما قيام السلطات الشرعية بسلب حرية الاعلام وتحجيمه ، وجعل وسائل الاعلام مجرد أبواق للطبقة السياسية الحاكمة ، يعني الإطاحة بركن أساسي من أركان الديمقراطية التي كرستها المواثيق الدولية ، والعودة إلى الأنظمة الديكتاتورية البالية وإلى العقلية الرجعية التي تهدف استبعاد الناس .
بواسطة الإعلام تسيطر الدول على العقول ويتم استخدامه في التلميع والتضليل والهجوم ، فبعد سنة 2011 والأحداث التي وقعت عربيا بما يسمى الربيع العربي والتي تم استطرادها أعلاه ، فطنت الدول الى أن الإعلام قوة فتاكة. كيف تستخدم الدول وسائل الإعلام لبناء قوتها الإعلامية ؟ هذا المفهوم( القوة الإعلامية ) أثار مناقشة بين رجال السياسة والإعلام حيث يشمل أبعادا سياسية ،اقتصادية ، تكنولوجية وثقافية. كيف تستخدم الدول مواردها الإعلامية والاتصالية لتبني بها قوتها ومكانتها العالمية ؟ فرض القرن 21 تحديات جديدة تتطلب استخدام الدولة كل مواردها وامكانياتها المادية والثقافية لمواجهة تلك التحديات ،وأن تقوم بالتنسيق بين مصادر قوتها لتحقيق أهدافها .وأن تعمل لمضاعفة قوتها بتحقيق التوازن بين مصادر القوة ومعرفة كيفية استخدامها في الوقت المناسب .ومن أهم تجليات القوة في القرن 21 ،قدرة الدولة على إدارة الأجندة وتحديد القضايا التي تتم مناقشتها عالميا واستبعاد قضايا معينة من أولويات العالم .لذلك تتزايد أهمية وسائل الإعلام في إدارة الدولة للأجندة وتأثيرها في مناقشة القضايا الإقليمية والدولية ،وبالتالي تعتبر القوة الاعلاميه من أهم مصادر القوة التي تستخدم للتأثير في سلوك الدول .هناك بعد آخر للقوة يقوم على القدرة في تشكيل رغبات الآخرين ومصالحهم ودفع قادة الدول الاخرى لتبني رؤية الدولة وتحقيق أهدافها .
إن استخدام القوة الإعلامية لايستهدف فقط جذب الآخرين ،والتأثير فيهم لتبني أهداف الدولة ،بل انها تستخدم أيضا لفرض السيطرة وتوجيه الرأي العام والتحكم في تفضيلات الشعوب وقرارات الحكام .وربما يكون مفهوم القوة الناعمة أكثر نعومة من أن يستوعب استخدام الدول لوسائلها الإعلامية في فرض رؤيتها على الشعوب .بينما تتميز القوة الإعلامية بإمكانية استخدامها لفرض الاستعمار الثقافي والتلاعب باتجاهات الرأي العام، لتحقيق جاذبية الدولة ،وبناء سمعتها وصورتها .
فوسائل الاعلام من أهم مصادر القوة التي تستخدمها الدول في بناء قوتها الناعمة ،وتحقيق أهداف سياستها الخارجية ،وبناء علاقاتها مع الشعوب . لتوفير المعرفة لجمهورها وتعبئته للإنتاج والابتكار وبناء الاقتصاد القائم على المعرفة .
لذلك فبناء القوة الإعلامية يمكن أن يشكل توازنا ناعما مع القوة الصلبة ، ونقل المعرفة، وفرض السيطرة مما يؤدي الى ترشيد استخدام هذه القوة وتحقيقها في كل المجالات لبناء قوتها الإعلامية عن طريق إطلاق حرية الإعلام ،وتأهيل الكوادر القادرة على إنتاج يجذب الجماهير ،وبناء صناعة مضمون الشكل لبناء مجتمع المعرفة .
وختاما ،تعتبر القوة الناعمة هي تلك القدرة على التأثير في سلوك الآخرين ،عبر الجاذبية والاحتواء وجاذبية الثقافة وتجاوز القيم والمباديء ،كما أنها تعتبر القدرة على التأثير بشكل غير مباشر ومن بعيد ،فهي قوة ثالثة تكمل أضلاع مثلث القوة الثالثة التي هي القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة الناعمة .فلا توجد قوة ناعمة بدون قوة عسكرية واقتصاد قوي ،فالدول ذات القوة الناعمة هي نفسها القوى العسكرية والاقتصادية الرئيسية في العالم ،وعلى الأرجح أن القوة الناعمة غير موجودة في ظل غياب النجاح الاقتصادي والاطار السياسي والتنظيمي الفعال .ترتبط قوة الإعلام بقدرة وسائل الإعلام على الاستحواذ ،والاقناع ،والتنوع ،والتكرار ،والجاذبية والإبهار والانفتاح ،وتلبية متطلبات المتلقي ،والتسلل إلى حياتنا ،وهو ما يعرفه المتخصصون ب القوة الناعمة ومواكبة الأحداث الجارية .

كاتبة المقال : نجاة المغراوي
مديرة المؤسسة الالمانية للاعلام HD.PRESSE .فرع المغرب .
عضوة شبكة رائدات بألمانيا

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »