الذكرى الأولى لعيد الوحدة من هندسة الدبلوماسية السياسية والقانونية إلى هندسة التنمية المجالية بالصحراء المغربية

اورو مغربمنذ 10 دقائقآخر تحديث :
الذكرى الأولى لعيد الوحدة من هندسة الدبلوماسية السياسية والقانونية إلى هندسة التنمية المجالية بالصحراء المغربية

اورو مغرب الدكتور أحمد خرطة

مقدمة: عيد الوحدة وبداية مرحلة إستراتيجية جديدة

تحل يوم31 أكتوبر 2026الذكرى الأولى لعيد الوحدة في سياق وطني وإقليمي ودولي يتسم بتحولات عميقة في مسار قضية الصحراء المغربية،وخاصة، أن اجتماع مجلس الأمن يوم 30أكتوبر 2026 لم يتوج بأي قرار يمدد لبعثة المينورسو بالصحراء المغربية.
بل إن بلاغ الديوان الملكي في نفس اليوم،أكد على نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديد في القضية الوطنية.
ولهذا،فهي مناسبة لا تقتصر دلالتها على استحضار المكتسبات السياسية والدبلوماسية والقانونية التي راكمتها المملكة، بل تفتح المجال أمام قراءة إستراتيجية لمرحلة جديدة عنوانها الانتقال من هندسة المواقف والترافع الدولي إلى هندسة التنمية المجالية وصناعة المستقبل.
فإذا كانت العقود الماضية قد اتسمت بتعبئة الدبلوماسية المغربية للدفاع عن الوحدة الترابية، وتطوير الحجج التاريخية والقانونية، وتوسيع شبكة الاعترافات والمواقف الدولية، فإن المرحلة الراهنة تطرح سؤالاً استراتيجياً مختلفاً: كيف يمكن تحويل هذه المكتسبات إلى قوة اقتصادية واجتماعية ومجالية مستدامة؟
إن هذا التحول لا يعني التخلي عن الدبلوماسية السياسية أو القانونية، وإنما الانتقال بهما إلى مستوى أكثر تكاملاً، حيث تصبح التنمية امتداداً عملياً للرؤية السياسية، ويصبح الاستثمار في البنيات التحتية والطاقة والنقل والموانئ والصناعة والموارد البشرية جزءاً من هندسة استراتيجية شاملة.
ومن هنا تكتسب الذكرى الأولى لعيد الوحدة أهميتها؛ فهي مناسبة للانتقال من الاحتفاء بالمكتسبات إلى تقييم الإنجازات، ومن تدبير النزاع إلى بناء المجال، ومن الترافع من أجل الوحدة الترابية إلى جعل الوحدة الوطنية رافعة للتنمية والاندماج الإقليمي.
أولاً: عيد الوحدة ودلالته في التحول الاستراتيجي للقضية الوطنية
أعلن الديوان الملكي في 4 نونبر 2025جعل يوم 31أكتوبر من كل سنة عيداً وطنياً باسم (عيد الوحدة)، استحضاراً للتحول التاريخي الذي عرفه مسار القضية الوطنية والتطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 .
ويحمل هذا القرار دلالات تتجاوز البعد الاحتفالي، إذ يربط الذاكرة الوطنية بمسار الوحدة الترابية، ويجعل من المناسبة محطة سنوية لاستحضار المسؤولية الجماعية في حماية المكتسبات الوطنية وتطويرها.
لكن الأهم في هذه المرحلة،هو أن الوحدة لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها قضية سياسية وقانونية، بل أصبحت تطرح باعتبارها مشروعاً متكاملاً لبناء المجال الترابي، وتأهيل الاقتصاد، وتحسين ظروف عيش السكان، وتعزيز موقع المغرب في محيطه الإفريقي والأطلسي.
وبذلك يمكن الحديث عن انتقال استراتيجي من ثلاث هندسات متكاملة:
هندسة الدبلوماسية: بناء التحالفات وتوسيع الدعم الدولي وتطوير الشراكات.
هندسة الحل السياسي والقانوني: تقديم مبادرة الحكم الذاتي والتفاعل مع المسار الأممي.
هندسة التنمية المجالية: تحويل المكتسبات إلى مشاريع منتجة للثروة وفرص الشغل والاندماج الاقتصادي.
إن التحدي اليوم ليس فقط تثبيت الموقف في المحافل الدولية، وإنما بناء نموذج تنموي يجعل من الأقاليم الجنوبية فضاءً استراتيجياً للإنتاج والاستثمار والتواصل القاري.
ثانياً: من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية
لقد نجحت الدبلوماسية المغربية، عبر مسار طويل، وبتوجيهات ملكية سامية في جعل قضية الصحراء حاضرة بقوة في العلاقات الدولية، حيث أكد جلالته أوجه رسالة واضحة للجميع : إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات لذا، يتابع جلالة الملك :”ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل”. وأضاف جلالة الملك ” لقد تمكنا خلال السنوات الأخيرة، من تحقيق إنجازات كبيرة، على الصعيدين الإقليمي والدولي،لصالح الموقف العادل والشرعي للمملكة، بخصوص مغربية الصحراء…””.
إننا – بالتأكيد – أمام تحول في فلسفة التعامل مع القضية الوطنية: من هندسة المجال السياسي والقانوني إلى هندسة المجال الاقتصادي والجغرافي، ومن الدفاع عن الوحدة الترابية إلى بناء شروط الوحدة التنموية، ومن تثبيت الموقع الجيوسياسي للمغرب إلى تحويله إلى قوة اقتصادية ولوجستية وطاقية تربط إفريقيا بأوروبا والمحيط الأطلسي.
ويمكن تحديد ملامح هذا التحول في ثلاثة مستويات:
المستوى السياسي والقانوني: مواصلة الترافع الدولي، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، ومواكبة المسار الأممي.
المستوى المؤسساتي: تطوير الحكامة الترابية، وتوسيع المشاركة المحلية، وتفعيل إمكانات الجهوية المتقدمة.
المستوى الاقتصادي والمجالي: بناء المشاريع المهيكلة، وتطوير شبكات الطاقة والماء والنقل، وربط الأقاليم الجنوبية بالاقتصاد الوطني والعمق الإفريقي.
وبذلك يصبح عيد الوحدة موعداً سنوياً ليس فقط لاستحضار ما تحقق، وإنما أيضاً لمساءلة السياسات العمومية حول ما أنجزته وما ينبغي إنجازه، ومدى قدرة المشاريع الكبرى على إحداث تحول حقيقي في حياة السكان.
وتتمثل هذه المشاريع المهيكلة ذات البعدين الوطني والدولي في:
أولا: الطريق السريع تيزنيت–الداخلة: إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمملكة
يمثل الطريق السريع تيزنيت–الداخلة أحد أبرز المشاريع المهيكلة التي تجسد الانتقال من هندسة الحدود الجغرافية إلى هندسة الربط الاقتصادي والمجالي.
والذي تفضل جلالة الملك فأطلق عليه طريق (Donald John Trump)، اعترافا بمجهوداته في دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي.
فهذا المشروع، الذي يمتد على حوالي 1055 كيلومتراً، لا يقتصر على تطوير البنية الطرقية، بل يعيد تشكيل العلاقة بين شمال المملكة وجنوبها، ويعزز الربط بين الأقاليم الجنوبية وباقي الجهات، ويفتح آفاقاً جديدة أمام حركة الأشخاص والبضائع والاستثمارات.
وقد دخل المشروع مرحلة الاستغلال بعد استكمال الأشغال وافتتاحه أمام حركة المرور في يناير 2025.
ويتكون من ثلاثة مقاطع رئيسية:
• تيزنيت–كلميم، بطول يقارب 114 كيلومتراً.
• كلميم–العيون، بطول يقارب 441 كيلومتراً.
• العيون–الداخلة، بطول يقارب 500 كيلومتر، عبر توسيع وتقوية الطريق القائمة.
وتجاوزت الكلفة الإجمالية للمشروع تسعة مليارات درهم، كما ساهم خلال مرحلة الإنجاز في خلق ملايين أيام العمل، وتعبئة المقاولات ومكاتب الدراسات والكفاءات المغربية.
وتتمثل أهميته الاستراتيجية في عدة أبعاد:
أولاً: البعد الاقتصادي. تقليص تكاليف النقل واللوجستيك، وتحسين انسيابية المبادلات التجارية، وتعزيز تنافسية المنتجات المحلية.
ثانياً: البعد الاجتماعي. تسهيل تنقل السكان وربط التجمعات الحضرية والمجالات القروية بالخدمات الأساسية.
ثالثاً: البعد الاستثماري. تحسين جاذبية الأقاليم الجنوبية أمام المستثمرين، من خلال توفير بنية نقل أكثر كفاءة.
رابعاً: البعد الإفريقي. تعزيز امتداد المغرب نحو موريتانيا وغرب إفريقيا، وتسهيل الربط البري مع الأسواق الإفريقية.
إن هذا المشروع يمثل مثالاً واضحاً على أن التنمية المجالية ليست مجرد توزيع للاستثمارات، وإنما إعادة تنظيم للجغرافيا الاقتصادية، وتحويل المسافة من عائق أمام التنمية إلى فرصة للتواصل والإنتاج والتبادل.
ثانيا: أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب: مشروع استراتيجي يعيد رسم الخريطة الطاقية الإفريقية
إذا كان الطريق السريع تيزنيت–الداخلة يعيد تشكيل الجغرافيا البرية للمملكة، فإن مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يمثل أحد أكبر رهانات إعادة تشكيل الجغرافيا الطاقية والاقتصادية للقارة الإفريقية.
فالمشروع، المعروف باسم أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، يستند إلى رؤية استراتيجية للتعاون بين المغرب ونيجيريا، تروم ربط الموارد الغازية لغرب إفريقيا بمراكز الاستهلاك الإقليمية، وصولاً إلى المغرب والارتباط بالشبكة التي يمكن أن تتيح التصدير نحو الأسواق الأوروبية.
ويكتسي المشروع أهمية استثنائية بالنظر إلى امتداده الجغرافي، الذي يناهز 6900 كيلومتر وفق التصور المعلن، ومروره عبر 13 بلداً من بلدان الساحل الأطلسي لغرب إفريقيا، مع إمكانية الاستفادة من الربط مع الدول الساحلية والداخلية في منطقة الساحل.
وتصل طاقته التصميمية المستهدفة إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنوياً، منها ما يصل إلى 15 مليار متر مكعب موجهة لتلبية حاجيات المغرب ودعم الإمدادات والتصدير نحو الأسواق الأوروبية.
الأبعاد الإستراتيجية للمشروع
1. البعد الطاقي
يساهم المشروع، في حال استكماله وتشغيله، في تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز أمن الإمدادات، وتوفير الغاز للصناعات ومحطات إنتاج الكهرباء في البلدان المستفيدة.
2. البعد الصناعي
إن توفير الغاز الطبيعي يمكن أن يشجع على تطوير الصناعات التحويلية والبتروكيماوية والأسمدة، ويعزز القيمة المضافة للموارد الإفريقية داخل القارة.
3. البعد الجيوسياسي
يجعل المشروع من المغرب حلقة وصل إستراتيجية بين غرب إفريقيا وشمالها وأوروبا، ويعزز موقعه باعتباره منصة للتعاون الطاقي الإفريقي.
4. البعد الاقتصادي والاجتماعي
يمكن أن يساهم في خلق فرص الشغل، وتطوير الكفاءات التقنية، واستقطاب الاستثمارات، وتحسين البنيات الطاقية في البلدان التي يعبرها.
5. البعد التكاملي
لا يقتصر المشروع على نقل الغاز، بل يؤسس لمنظومة تعاون إقليمي تقوم على المصالح المشتركة، والتنسيق المؤسساتي، وتطوير البنيات التحتية العابرة للحدود.
أين وصل المشروع؟
من الضروري التمييز بين الأهمية الاستراتيجية للمشروع وبين مرحلته التنفيذية الفعلية.
ففي 19 يوليوز 2026، وقعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الاتفاق الحكومي المشترك المتعلق بالمشروع، خلال قمة فريتاون بسيراليون.
كما أعلنت المؤسسة الوطنية للمعادن والهيدروكربورات المغربية أن الدراسات الهندسية التفصيلية ودراسات تحديد المسار قد تقدمت إلى مراحل متقدمة، وأن الدراسات البيئية والاجتماعية والأطر القانونية والمؤسساتية قطعت أشواطاً مهمة.
وتتمثل الخطوات التالية في إحداث شركة المشروع بالدار البيضاء، وإنشاء هيئة حكامة الأنبوب بأبوجا، ثم تعبئة المستثمرين والتحضير لقرار الاستثمار النهائي، فضلاً عن استكمال الاتفاقات الحكومية المتبقية.
وبالتالي، فإن الأنبوب مشروع استراتيجي متقدم في مساره التحضيري والمؤسساتي.
وهنا تكمن أهميته بالنسبة لهندسة التنمية المجالية بالصحراء المغربية: فهو يفتح أفقاً لربط البنية الطاقية الوطنية بالممر الأطلسي الإفريقي، ويمنح الأقاليم الجنوبية موقعاً مهماً في التصور المستقبلي للربط بين شبكات الطاقة والأسواق الإفريقية والأوروبية.
ثالثا: ميناء الداخلة الأطلسي: بوابة المغرب نحو الاقتصاد الإفريقي والأطلسي
يمثل ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز المشاريع التي تجسد الانتقال إلى هندسة التنمية الاقتصادية ذات الامتداد القاري.
فالمشروع لا يتعلق فقط بإحداث ميناء جديد، بل ببناء قطب لوجستي وصناعي وبحري قادر على استقطاب الاستثمارات وتطوير المبادلات التجارية وربط المغرب بالأسواق الإفريقية والدولية.
ويبلغ الاستثمار المعلن للمشروع حوالي 12.65 مليار درهم، مع تصميم يستهدف قدرة مناولة تصل إلى 35 مليون طن سنوياً عند بلوغ مراحل تشغيله المستهدفة.
وتتجلى أهميته في:
• تطوير التجارة البحرية واللوجستيك.
• تعزيز الصناعات المرتبطة بالصيد البحري والمنتجات البحرية.
• توفير فضاءات صناعية وخدماتية جديدة.
• دعم المبادلات التجارية مع دول غرب إفريقيا.
• تعزيز موقع الداخلة ضمن المبادرة الأطلسية المغربية.
• توفير بنية مينائية يمكن أن تواكب التحولات المستقبلية في التجارة والطاقة.
كما أن موقعه الجغرافي يجعله مؤهلاً للقيام بدور مهم في ربط المغرب بعمقه الإفريقي، خاصة في إطار الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز الاندماج الأطلسي للقارة.
رابعا: الماء والطاقة المتجددة: بناء السيادة التنموية
لا يمكن تصور أي تحول اقتصادي مستدام في الأقاليم الجنوبية دون توفير الموارد المائية والطاقية، بالنظر إلى الخصائص المناخية والجغرافية للمنطقة.
ولهذا تكتسب مشاريع تحلية مياه البحر والطاقات المتجددة أهمية استراتيجية، لأنها تضع الأسس المادية لاستدامة الأنشطة الفلاحية والصناعية والحضرية.
1. محطة تحلية مياه البحر بالداخلة
يعد مشروع تحلية مياه البحر بالداخلة من المشاريع المهيكلة التي تستهدف تأمين الموارد المائية للمدينة والمنطقة الفلاحية المرتبطة بها.
ويبلغ الاستثمار الإجمالي المعلن للمشروع حوالي 2.6 مليار درهم، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 37 مليون متر مكعب، منها 30 مليون متر مكعب للسقي و7 ملايين متر مكعب للماء الصالح للشرب.
كما يرتبط المشروع بتطوير محيط فلاحي تبلغ مساحته حوالي 5000 هكتار، بما يسمح بتوفير مياه السقي دون الاعتماد المفرط على المياه الجوفية.
وتكمن أهميته في الجمع بين الأمن المائي والتنمية الفلاحية وحماية الفرشة المائية، وهو ما يجعله نموذجاً لتكامل البنية التحتية مع الاستدامة البيئية.
2. الطاقة الريحية والشمسية
تتوفر الأقاليم الجنوبية على مؤهلات طبيعية مهمة في مجال الطاقة الريحية والشمسية، بما يسمح بتطوير مشاريع إنتاج الكهرباء النظيفة وربطها بالأنشطة الاقتصادية.
ومن أبرز التوجهات في هذا المجال:
• تطوير الحقول الريحية بالداخلة ومحيطها.
• تعزيز مشاريع الطاقة الشمسية بالعيون وبوجدور.
• ربط الإنتاج الكهربائي بحاجيات محطات تحلية المياه.
• تطوير البنيات الكهربائية وشبكات نقل الطاقة.
• توفير شروط استقطاب الاستثمارات الصناعية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
إن الجمع بين تحلية المياه والطاقة المتجددة يعكس انتقالاً من مشاريع قطاعية منفصلة إلى منظومة تنموية متكاملة، حيث تخدم الطاقة الأمن المائي، ويساهم الماء في تطوير الإنتاج الفلاحي، وتوفر هذه الأنشطة فرصاً جديدة للاستثمار والتشغيل.
الكتابة
خامسا: الفوسفاط والصناعات التحويلية: الانتقال من استغلال الموارد إلى إنتاج القيمة المضافة
يشكل قطاع الفوسفاط أحد المكونات الأساسية لهندسة التنمية الاقتصادية بالأقاليم الجنوبية، خصوصاً من خلال المركب الصناعي للفوسفاط بفوسبوكراع.
وتتمثل الرؤية الاستراتيجية في الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تثمينها محلياً، وتطوير الصناعات التحويلية، وربط الإنتاج الفوسفاطي بالصناعات المرتبطة بالأسمدة والمنتجات ذات القيمة المضافة.
ويشمل هذا التوجه تطوير سلسلة الإنتاج والنقل والمعالجة والتسويق، بما يساهم في تعزيز النسيج الصناعي المحلي، وتطوير الكفاءات التقنية، وخلق فرص العمل.
كما يبرز هذا القطاع أهمية الانتقال من اقتصاد قائم على استخراج الموارد إلى اقتصاد يقوم على تحويلها وتثمينها وتطوير الصناعات المرتبطة بها.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الإنتاج، بل في مقدار القيمة الاقتصادية التي يمكن الاحتفاظ بها داخل المجال الترابي، ومدى انعكاس ذلك على التشغيل والتنمية المحلية.
سادسا: الصيد البحري وتربية الأحياء المائية: بناء اقتصاد بحري مستدام
تتوفر الأقاليم الجنوبية على مؤهلات بحرية مهمة، تجعل من الاقتصاد الأزرق أحد المحركات الأساسية للنمو المستقبلي.
وقد شكلت برامج تطوير الصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية وتربية الأحياء المائية جزءاً من النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي أطلق سنة 2015.
وتتطلب المرحلة الجديدة تعزيز الانتقال من النشاط البحري التقليدي إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل:
• تطوير موانئ الصيد والبنيات التحتية المرتبطة بها.
• إحداث وحدات لتجميد وتحويل وتصبير المنتجات البحرية.
• تطوير تربية الأحياء المائية، خصوصاً تربية المحار والأسماك.
• تشجيع البحث العلمي في مجال الموارد البحرية.
• تطوير سلاسل التوزيع والتسويق والتصدير.
• حماية الثروة السمكية وضمان استدامة استغلالها.
ويتيح هذا القطاع فرصاً مهمة لتطوير المقاولات المحلية، وتعزيز التشغيل، ورفع القيمة المضافة للمنتجات البحرية، وتحويل الداخلة والعيون إلى قطبين للاقتصاد الأزرق.
سابعا: الفلاحة والسياحة والصناعات المحلية: تنويع القاعدة الاقتصادية
لا تكتمل هندسة التنمية المجالية بالاعتماد على المشاريع الكبرى وحدها، بل تقتضي تنويع الاقتصاد المحلي وتطوير الأنشطة الإنتاجية التي تستوعب اليد العاملة وتوفر دخلاً مستداماً للسكان.
وفي المجال الفلاحي، يشكل مشروع الداخلة المرتبط بتحلية مياه البحر وتطوير 5000 هكتار من الأراضي الفلاحية نموذجاً لتوظيف التكنولوجيا والموارد المائية غير التقليدية في بناء فلاحة ذات قيمة مضافة.
كما تبرز أهمية تطوير الزراعات الملائمة للبيئة المحلية، وتشجيع التعاونيات والمقاولات الفلاحية، وتحسين شروط التسويق والتصدير.
أما السياحة، فتتوفر على مؤهلات طبيعية وثقافية وبيئية مهمة، خصوصاً في الداخلة والعيون والمناطق الساحلية والصحراوية، بما يسمح بتطوير السياحة البيئية والرياضية والثقافية.
ويقتضي ذلك تطوير العرض الفندقي، وتحسين الخدمات، وتأهيل الموارد البشرية، وتشجيع الاستثمار السياحي المحلي، وربط السياحة بالمنتجات المجالية والصناعات التقليدية.
إن تنويع الاقتصاد يشكل ضمانة أساسية لتقليل التبعية للقطاعات التقليدية، وتحقيق تنمية أكثر توازناً وقدرة على الصمود.
ثامناً: البنيات الاجتماعية والعلمية: الاستثمار في الإنسان باعتباره جوهر التنمية
إن هندسة التنمية لا يمكن أن تنجح دون هندسة موازية للرأسمال البشري، لأن المشاريع الاقتصادية الكبرى لا تكتسب قيمتها الكاملة إلا عندما تتحول إلى فرص تعليم وتكوين وتشغيل وتحسين لجودة الحياة.
وفي هذا الإطار، تندرج المشاريع والبرامج المرتبطة بـ:
• تطوير العرض الصحي وبناء وتأهيل المؤسسات الاستشفائية، وفي مقدمتها مشروع المركز الاستشفائي الجامعي بالعيون.
• تعزيز المؤسسات الجامعية والتكوين المهني والتخصصات المرتبطة بالاقتصاد البحري والطاقة واللوجستيك.
• تطوير البنيات الرياضية والثقافية والشبابية.
• تأهيل الأحياء والتجمعات السكنية والمراكز القروية.
• توسيع شبكات الماء والكهرباء والتطهير والاتصالات.
• تعزيز التكوين المقاولاتي ودعم المبادرات الاقتصادية للشباب والنساء.
ويظل الرهان الأساسي هو جعل السكان شركاء في التنمية، وليس فقط مستفيدين من برامجها، من خلال توسيع المشاركة في اتخاذ القرار وتحديد الأولويات وتقييم النتائج.
تاسعا: الأقاليم الجنوبية والمبادرة الأطلسية: من البعد الوطني إلى العمق الإفريقي
إن التحول الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية لا يمكن فصله عن الرؤية المغربية الرامية إلى تعزيز التعاون الإفريقي، وتطوير الواجهة الأطلسية للقارة، وإيجاد منافذ اقتصادية جديدة أمام الدول الإفريقية غير الساحلية.
وتكتسب المبادرة الملكية الأطلسية التي أعلن عنها في دجنبر 2023 أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تفتح آفاقاً للتعاون في مجالات النقل والموانئ والطاقة والتجارة والبنيات التحتية.
وتبرز الأقاليم الجنوبية في هذه الرؤية باعتبارها مجالاً استراتيجياً يمكن أن يجمع بين:
• الطريق البري الرابط بين شمال المملكة وجنوبها.
• ميناء الداخلة الأطلسي.
• شبكات الطاقة والربط الكهربائي.
• أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي في أفق إنجازه.
• الممرات التجارية التي تربط المغرب بموريتانيا وبلدان غرب إفريقيا.
• مشاريع الاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية.
وبذلك يصبح الموقع الجغرافي للصحراء المغربية جزءاً من منظومة للتكامل الاقتصادي الإفريقي، وليس مجرد موقع جغرافي على هامش المجال الوطني.
كما أن الربط بين المشاريع الوطنية والمبادرات الإفريقية يتيح للمغرب الانتقال من دور الفاعل التجاري إلى دور المساهم في بناء البنيات التحتية الإقليمية، وتطوير شبكات الطاقة والنقل والتبادل.
ولابد من التأكيد بأنه رغم أهمية الاستثمارات والمشاريع المهيكلة، فإن نجاح المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية أو عدد الأوراش المفتوحة، بل بمدى انعكاسها على المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
ولهذا تبرز ضرورة اعتماد منظومة للتقييم السنوي لنتائج التنمية بالأقاليم الجنوبية، خصوصاً بمناسبة عيد الوحدة.
ويمكن أن تشمل هذه المنظومة مؤشرات واضحة:
1. عدد فرص الشغل المستدامة التي أحدثتها المشاريع.
2. نسبة استفادة المقاولات المحلية من الصفقات والاستثمارات.
3. تطور الدخل الفردي ومستوى العيش.
4. جودة الخدمات الصحية والتعليمية.
5. نسبة التغطية بالماء الصالح للشرب والتطهير.
6. حجم الاستثمارات الخاصة المستقطبة.
7. مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الجهوي.
8. مستوى مشاركة السكان في إعداد وتنفيذ المشاريع.
9. الأثر البيئي للمشاريع ومدى احترام الاستدامة.
10. مستوى الاندماج التجاري واللوجستي مع الأسواق الإفريقية.
إن الانتقال إلى هندسة التنمية يقتضي الانتقال أيضاً من منطق إعلان المشاريع إلى منطق قياس النتائج، ومن منطق الإنجاز المادي إلى منطق الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
الكتابة
خاتمة: عيد الوحدة: أو بداية مرحلة صناعة المستقبل
إن الذكرى الأولى لعيد الوحدة تمثل فرصة تاريخية لإعادة قراءة مسار قضية الصحراء المغربية من زاوية التحولات الإستراتيجية التي عرفتها المملكة، والانتقال من مرحلة كانت فيها الدبلوماسية السياسية والقانونية في صدارة الأولويات إلى مرحلة أصبحت فيها التنمية المجالية والاقتصادية عنواناً أساسياً للمستقبل.
فإذا كان الترافع الدبلوماسي قد أسهم في تعزيز موقع المغرب دولياً، فإن الطريق السريع تيزنيت–الداخلة جسّد التحول في الجغرافيا البرية، وميناء الداخلة الأطلسي يفتح أفقاً جديداً للجغرافيا البحرية والتجارية، وأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يؤسس لتصور مستقبلي للجغرافيا الطاقية، فيما تساهم مشاريع تحلية المياه والطاقات المتجددة والفوسفاط والصيد البحري والفلاحة والسياحة في بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً.
إن هذه المشاريع، رغم اختلاف مراحل إنجازها، تلتقي في رؤية استراتيجية واحدة: تحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء اقتصادي متكامل، وقطب للتبادل التجاري والطاقي واللوجستي، وجسر يربط المغرب بعمقه الإفريقي وبالفضاء الأوروبي والأطلسي.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الرؤية لن تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو امتداد الطرق أو الطاقة الاستيعابية للموانئ، وإنما بقدرتها على خلق الثروة وفرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتعزيز العدالة المجالية، وضمان مشاركة السكان في صناعة مستقبلهم.
ومن هنا، فإن عيد الوحدة ينبغي أن يتحول إلى موعد سنوي لتقييم الحصيلة التنموية، واستحضار المسؤولية الجماعية في بناء نموذج تنموي مستدام، يربط بين الوحدة الترابية والوحدة الاقتصادية والاجتماعية.
إن التحول الاستراتيجي الذي تعبر عنه هذه المرحلة يمكن اختزاله في ثلاث معادلات:
• من هندسة المواقف الدبلوماسية إلى هندسة المصالح الاقتصادية.
• من هندسة الحدود الجغرافية إلى هندسة الممرات والبنيات التحتية القارية.
• من تثبيت الوحدة الترابية إلى ترسيخ الوحدة التنموية والعدالة المجالية.
وهكذا، فإن الرهان الأكبر للمرحلة المقبلة هو الانتقال من الدفاع عن جغرافية الوطن إلى بناء قوتها الاقتصادية، ومن الترافع من أجل المجال إلى الاستثمار في إمكاناته، ومن الاحتفاء بالمكتسبات إلى صناعة إنجازات جديدة.
فإذا كانت الدبلوماسية قد اشتغلت على تثبيت الموقع السياسي والقانوني للمغرب، فإن هندسة التنمية مطالبة اليوم بتحويل هذا الموقع إلى قوة إنتاجية واقتصادية وإفريقية؛ لتصبح الصحراء المغربية ليس فقط مجالاً للوحدة الوطنية، بل فضاءً لصناعة الثروة، وملتقى للقارات، ومنصة للتكامل الأطلسي والإفريقي.
إنها، باختصار، مرحلة الانتقال من هندسة قضية وطنية إلى هندسة مستقبل تنموي لقوة إقليمية ذات امتداد إفريقي وأطلسي.

Translate »