اورو مغرب إعداد: محمد الحدوشي
وضع حزب العدالة والتنمية قطاع التعليم في صدارة أولوياته ضمن برنامجه الانتخابي، من خلال حزمة من المقترحات التي تمس عدداً من الملفات التي ظلت خلال السنوات الأخيرة في قلب النقاش التربوي والاجتماعي بالمغرب، وعلى رأسها شروط ولوج مهنة التدريس، والتعليم الأولي، والسياسة اللغوية، وجودة المدرسة العمومية، فضلاً عن تحسين الوضع المهني والاجتماعي لنساء ورجال التعليم.
ويبرز في مقدمة هذه المقترحات توجه الحزب نحو إلغاء سقف سن 35 سنة في مباريات توظيف الأطر التربوية، والعودة إلى القواعد العامة المعمول بها في الوظيفة العمومية، وهو مقترح يعيد إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات التي أثارت جدلاً واسعاً في صفوف خريجي الجامعات والراغبين في ولوج مهنة التدريس، خاصة في ظل الانتقادات التي طالت اعتماد سن محدد كشرط مسبق للترشح.
وبالتوازي مع ذلك، يدعو البرنامج إلى مراجعة شروط الولوج إلى مباريات توظيف الأطر التربوية، ولا سيما الشروط الانتقائية القبلية، بما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تكافؤ الفرص في ولوج الوظيفة التعليمية، ومدى ملاءمة الشروط الحالية مع حاجيات القطاع ومع مبدأ الاستحقاق.
وفي ملف التعليم الأولي، يقترح الحزب إحداث وكالة وطنية للإشراف على هذا القطاع، على أن يكون الهدف الاستراتيجي هو دمجه بشكل تدريجي في منظومة التعليم الابتدائي. ويعكس هذا المقترح توجهاً نحو إعادة ترتيب حكامة التعليم الأولي، الذي ظل لسنوات موزعاً بين عدد من المتدخلين، مع تفاوت واضح في طرق التدبير والتأطير والتمويل.
ويطرح هذا التصور، في حال تنزيله، تحولات مهمة في بنية التعليم الأولي، إذ من شأنه أن ينقل هذا المستوى من مجرد مرحلة تمهيدية منفصلة إلى جزء أكثر اندماجاً في المسار التعليمي الرسمي، بما قد يساهم في توحيد المناهج، وتقوية التأطير، وتحسين شروط الاشتغال، وضمان استفادة الأطفال من تعليم أولي أكثر انتظاماً وجودة.
أما في ما يتعلق باللغات، فقد اختار حزب العدالة والتنمية الدعوة إلى اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس، مع اعتماد التناوب اللغوي في تدريس بعض المواد، إلى جانب تطوير وضع اللغة الأمازيغية داخل المدرسة. ويضع هذا الاختيار السياسة اللغوية مرة أخرى في صلب النقاش العمومي حول المدرسة المغربية، خاصة أن لغة التدريس ظلت من أكثر الملفات إثارة للجدل بين مختلف الفاعلين التربويين والسياسيين.
ويراهن الحزب، وفق هذه المقترحات، على الحفاظ على موقع اللغة العربية داخل المنظومة التعليمية، مع الإبقاء على الانفتاح على لغات أخرى في إطار التناوب اللغوي، بالتوازي مع تقوية حضور الأمازيغية وتطوير تدريسها، بما يعكس التعدد اللغوي الذي يميز المجتمع المغربي.
وفي جانب يرتبط ببنية المدرسة العمومية، يقترح البرنامج إلغاء التمييز بين مدارس الريادة وباقي المدارس، بهدف ضمان مدرسة عمومية موحدة وذات جودة للجميع. ويأتي هذا المقترح في سياق نقاش متواصل حول مدى عدالة توزيع برامج التجويد والإمكانات التربوية بين المؤسسات التعليمية، ومدى قدرة نموذج الريادة على التحول من تجربة محدودة إلى سياسة تشمل مختلف المدارس.
ومن خلال هذا التصور، يبدو أن الحزب يتجه نحو تبني فكرة تعميم الجودة بدل حصرها في مؤسسات بعينها، بما ينسجم مع مطلب تكافؤ الفرص بين التلاميذ، سواء من حيث جودة التعلمات أو الموارد البيداغوجية أو ظروف التمدرس.
كما تضمن البرنامج مقترح إطلاق برنامج وطني لتقوية التحكم في القراءة والكتابة والرياضيات بالتعليم الابتدائي، باعتبار هذه المهارات أساس التعلم في المراحل اللاحقة. ويأتي هذا المقترح في وقت تتزايد فيه الانتقادات بشأن مستوى التحكم في التعلمات الأساس، خصوصاً في السنوات الأولى من المسار الدراسي.
ويراهن الحزب من خلال هذا البرنامج على معالجة التعثر في بداياته، بدل انتظار انتقاله إلى المستويات الإعدادية والثانوية، بما قد يسهم في تقليص الهدر المدرسي، والحد من التفاوتات بين المتعلمين، ورفع مردودية المدرسة العمومية.
وفي محور لا يقل أهمية، دعا البرنامج إلى تعزيز الاستقرار المهني والاجتماعي لنساء ورجال التعليم، بما يضمن كرامتهم ويرفع من مردوديتهم، وهو توجه يلامس واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل القطاع، في ظل ما عرفته المنظومة التعليمية خلال السنوات الماضية من احتجاجات ونقاشات مرتبطة بالأجور والترقيات والحركة الانتقالية والوضعيات الإدارية والاستقرار المهني.
ويربط هذا المقترح، بشكل واضح، بين جودة التعليم وبين وضعية الموارد البشرية، باعتبار أن أي إصلاح للمدرسة يظل رهيناً بمدى قدرة المنظومة على توفير شروط مهنية واجتماعية مستقرة ومحفزة للأطر التربوية والإدارية.
وتكشف هذه المقترحات مجتمعة أن حزب العدالة والتنمية اختار الدخول إلى النقاش الانتخابي من بوابة التعليم ببرنامج يمس ملفات حساسة ومباشرة، بعضها يرتبط بإعادة النظر في خيارات اتخذت خلال السنوات الماضية، وبعضها الآخر يسعى إلى إعادة هيكلة أجزاء من المنظومة، خاصة في ما يتعلق بالتوظيف والتعليم الأولي والسياسة اللغوية ونموذج مدارس الريادة.
كما أن عدداً من هذه المقترحات مرشح لإثارة نقاش واسع بين مختلف الفاعلين، سواء داخل الأوساط التربوية أو النقابية أو السياسية، بالنظر إلى أن تنفيذها، في حال تحولها إلى التزامات حكومية، سيتطلب تعديلات قانونية وتنظيمية وميزانيات إضافية، فضلاً عن إعادة النظر في بعض الاختيارات التي أصبحت جزءاً من السياسة التعليمية الحالية.
ويبقى قطاع التعليم، بما يحمله من إشكالات متراكمة وانتظارات اجتماعية واسعة، واحداً من أكثر القطاعات قدرة على اختبار جدية البرامج الانتخابية، ليس فقط من خلال قوة الشعارات، وإنما أيضاً من خلال مدى واقعية المقترحات، وإمكانية تمويلها، والجدولة الزمنية لتنفيذها، ومدى قدرتها على تحقيق أثر ملموس داخل الأقسام والمؤسسات التعليمية.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يُنتظر أن تتحول ملفات من قبيل سن الولوج إلى مهنة التدريس، وشروط التوظيف، ومستقبل التعليم الأولي، ومدارس الريادة، ولغات التدريس، ووضعية نساء ورجال التعليم، إلى محاور أساسية في النقاش السياسي، خاصة وأنها ترتبط بشكل مباشر بانتظارات مئات الآلاف من الأسر والأطر التربوية وخريجي الجامعات.
وفي المحصلة، يقدم حزب العدالة والتنمية تصوراً تعليمياً يقوم على إعادة فتح عدد من الأوراش التي ظلت موضع جدل خلال السنوات الأخيرة، مع تقديم بدائل في التوظيف والحكامة واللغات وجودة التعليم والاستقرار المهني، وهي مقترحات ستبقى قيمتها الفعلية مرتبطة بمدى قدرتها على الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس والمساءلة.












عذراً التعليقات مغلقة