اورومغرب : محمد الحدوشي
كأن التاريخ يعيد نفسه ما إن يُعلَّق قانون أو يُلغى إجراء، حتى يخرج علينا المناضلون الفيسبوكيون من جحور الصمت ليغرقوا المنصات بشعارهم السحري عاجل.. تعليق القانون . مشهد مضحك حد البكاء صفحات تعج بالتهليل، وكتائب إلكترونية تتسابق لتقديم نفسها كصانعة للنصر، في حين أن الحقيقة واضحة وضوح الشمس أصحاب الدراجات وحدهم من دافع عن دراجاتهم، وحدهم من دفعوا الثمن، وحدهم من تجرعوا المرارة يوميًا في الشوارع.
فأين كان الفيسبوكيون حين كان القانون الجائر يطبق بصرامة ويُعامل الدراجون كما لو أنهم خارجون عن القانون؟ أين كانت حناجرهم حين كان الشباب يوقفون في الشوارع ويُحرمون من حقهم في التنقل، فقط لأنهم يمتطون وسيلة نقل رخيصة تناسب جيوبهم؟ لا أصوات، لا مقالات، لا حتى تضامن رمزي. الصمت كان سيد الموقف، وكأن المظلومين يعيشون في كوكب آخر.
لكن ما إن صدر خبر التعليق، حتى انقلب المشهد رأسًا على عقب. صفحات امتلأت بـ (عاجل)، وجيوش من المنصّبين أنفسهم مناضلين رقميين يكتبون وكأنهم كانوا يتفاوضون في دهاليز البرلمان، أو يكتبون المذكرات السرية التي دفعت الحكومة إلى التراجع. سبحان الله على بطولة اللايكات والبارطاج!
هذه هي ثقافة الفيسبوك عندنا نومٌ عميق في لحظة الحسم، وضجيج صاخب بعد انتهاء المعركة. تمامًا مثل المشجع الذي يصرخ هدف بعد خمس دقائق من تسجيله لأنه كان منشغلًا بالسيلفي. بطولة من ورق، بطولات مؤجلة لا تكلف أصحابها شيئًا غير سرعة اتصال بالأنترنت.
الأبطال الحقيقيون هم أولئك الشباب الذين رفضوا القانون على الأرض، الذين تحدثوا للإعلام، الذين شرحوا معاناتهم اليومية، الذين دافعوا عن حقهم في امتلاك وسيلة نقل شعبية دون أن يُجرّموا. هؤلاء لم ينتظروا أن يُعلن القرار ليصفقوا، بل حملوا همومهم في الشارع وفي حياتهم اليومية.
أما المناضل الفيسبوكي فهو أشبه بـرجل الإطفاء الذي يصل بعد أن ينطفئ الحريق وحده، فيلتقط الصور أمام الرماد ويقول لقد أنقذنا البيت!. أو مثل المصارع الذي يدخل الحلبة بعد إعلان الفائز ليلتقط صورة مع الحزام.
إن ما حدث مع قانون الدراجات النارية ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو درس صارخ في هشاشة الوعي الجمعي الفيسبوكي جمهور ينتفض على الخبر العاجل لكنه يعجز عن قول كلمة حق حين تكون الكلمة مكلفة.
فيا قوم، البطولة ليست في مشاركة المنشور بعد أن يُلغى القانون، البطولة أن تكون أول من يرفع صوته ضده وهو في عزّ تنفيذه. البطولة ليست في سباقكم المحموم إلى التهليل بعد انتهاء المعركة، بل في الوقوف مع المظلومين حين يكونون وحدهم في الميدان.
خلاصة القول التاريخ لا يُكتب باللايكات، بل بالمواقف. ومن يكتفي بدور المصفق بعد المعركة، فليتأكد أنه مجرد متفرج متأخر على مسرح الأحداث، لا بطلًا فيها.













عذراً التعليقات مغلقة