اورو مغرب بقلم: محمد الحدوشي
في إطار نشر الثقافة القانونية وتنوير الرأي العام بمستجدات العمل القضائي، يبرز حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالصويرة، عبر قسم قضاء القرب، كأحد النماذج الدالة على تزايد وعي القضاء بأهمية حماية الحيوانات من مختلف أشكال العنف، حيث قضت المحكمة بإلزام شخص بأداء تعويض مالي قدره 3000 درهم لفائدة مالك حمار، بعد ثبوت تورطه في الاعتداء عليه والتسبب له في إصابات خطيرة. وتعود وقائع هذه النازلة إلى شهر مارس الماضي، حين أقدم المعني بالأمر، بدوار “آيت بن الطالب”، على ضرب الحمار بواسطة فأس بدعوى دخوله إلى ملكه الخاص، وهو ما خلف إصابة بليغة على مستوى الرجل الخلفية للحيوان، وألحق أضراراً مادية ومعنوية بمالكه.
هذا الحكم يثير نقاشاً قانونياً مهماً حول حدود ممارسة حق الملكية، ذلك أن حماية الملك الخاص تظل مضمونة قانوناً، غير أنها ليست مطلقة، بل مقيدة بعدم التعسف في استعمال الحق وعدم اللجوء إلى وسائل غير مشروعة أو مفرطة، خاصة عندما يتعلق الأمر بكائن حي. فالقضاء في هذه القضية لم ينكر واقعة دخول الحيوان إلى ملك الغير، لكنه اعتبر أن الرد العنيف باستعمال أداة خطيرة يشكل تجاوزاً لحدود المشروعية ويستوجب ترتيب المسؤولية القانونية في حق الفاعل.
من الناحية القانونية، يندرج هذا الفعل ضمن الأفعال المجرمة بمقتضى القانون الجنائي المغربي، ولاسيما الفصول المنظمة للاعتداء على الحيوانات المملوكة للغير، وعلى رأسها الفصل 601 وما يليه، والتي تجرم قتل أو إيذاء الحيوانات المستأنسة، وتقر عقوبات حبسية وغرامات مالية تختلف بحسب ظروف ارتكاب الفعل. كما يندرج هذا الحكم ضمن السياق العام لتطور الترسانة القانونية الوطنية في اتجاه تعزيز حماية الحيوانات، خاصة مع بروز مشروع القانون رقم 19.25، الذي يسعى إلى توسيع نطاق التجريم ليشمل أيضاً الحيوانات الضالة، مع التنصيص على عقوبات أكثر صرامة في حالات التعذيب أو القتل العمد.
أما على المستوى المدني، فإن الحكم بالتعويض يجد سنده في قواعد المسؤولية التقصيرية، حيث يلزم كل من ارتكب خطأ تسبب في ضرر للغير بجبر هذا الضرر، وهو ما طبقته المحكمة من خلال إلزام المدعى عليه بأداء تعويض لفائدة مالك الحيوان عن الأضرار التي لحقت به، سواء من حيث فقدان منفعة الحيوان أو تكاليف علاجه أو الأذى المعنوي المرتبط بذلك. ويُفهم من هذا التوجه أن القضاء لم يعد ينظر إلى الحيوان فقط باعتباره مالاً قابلاً للتعويض، بل ككائن حي يستوجب الحماية من الأفعال المؤذية.
ويحمل هذا الحكم دلالات مهمة على مستوى الاجتهاد القضائي، إذ يعكس توجهاً نحو تكريس حماية أوسع للحيوانات، ويؤكد أن العنف ضدها لم يعد سلوكاً بسيطاً أو هامشياً، بل فعلًا يستوجب المساءلة القانونية. كما يعكس توازناً دقيقاً بين حماية الحقوق الفردية، وعلى رأسها حق الملكية، وبين احترام القيم الإنسانية والأخلاقية التي ترفض تعذيب الكائنات الحية.
إن نشر مثل هذه الأحكام يساهم في تعزيز الوعي القانوني لدى المواطنين، ويوجه رسالة واضحة مفادها أن القانون لا يحمي فقط مصالح الإنسان في بعدها المادي، بل يمتد ليشمل حماية محيطه البيئي والكائنات التي تعيش فيه، في أفق بناء مجتمع يقوم على احترام القانون وقيم الرحمة والمسؤولية













عذراً التعليقات مغلقة