اورو مغرب
في تناقض صارخ يثير علامات استفهام كبرى وغضباً متصاعداً بين ساكنة إقليم الناظور، تستضيف المدينة مهرجاناً للسينما، في مفارقة عجيبة، لا تمتلك الناظور أصلاً قاعة سينمائية واحدة تستوعب عشاق الفن السابع ، هذا الحدث، الذي يُصرف عليه الملايين من المال العام، يأتي في وقت حرج تتصدر فيه الأولويات التنموية والاقتصادية المشهد، وتئن فيه الساكنة تحت وطأة الحاجة الماسة لمشاريع ذات نفع مباشر.
لا يمكن إنكار أهمية الثقافة والفن، لكن توقيت ومكان وكيفية تنظيم مهرجان السينما في إقليم الناظور يضع الجهات المنظمة ومسؤولي الإقليم في قفص الاتهام ، فبينما يطالب الشباب والشابات بالحق في صحة كريمة، تعليم جيد، وبنية تحتية أساسية، تذهب الملايين من الميزانية، التي كان يمكن توجيهها لإطلاق مشاريع اقتصادية صغيرة أو متوسطة تعود بالنفع المباشر على أبناء المنطقة، وتخلق فرص شغل، لتُصرف على حفلات وضيوف “المهرجان”.
ويُعد هذا الإنفاق غير المبرر استفزازاً لمشاعر المواطنين، خاصة وأن الإقليم يعاني من ارتفاع معدلات البطالة وضعف الإقلاع التنموي ، فهل الناظور التي تصارع من أجل تثبيت دعائمها الاقتصادية، ينقصها حقاً مهرجان سينمائي؟ أم أنها تحتاج إلى مستشفيات مجهزة، طرق صالحة، ومؤسسات تعليمية تستجيب لمعايير الجودة؟
يصف كثير من المنتقدين المشهد الحالي بأنه يمثل حالة من “اللامسؤولية” أو “الاستهتار” بأوجاع الساكنة ، ففي الوقت الذي يُفترض أن ينكب فيه المسؤولون على إيجاد حلول للمشاكل الهيكلية، نجدهم ينشغلون بالترويج لفعاليات ترفيهية قصيرة الأجل، لا تضيف قيمة حقيقية أو مستدامة للمنطقة.
“هذا هراء! كيف يضحك هؤلاء المسؤولون ويمرحون ويخسرون الملايين على مهرجانات السينما عوض استغلال هذه الأموال في مشاريع تعود بالنفع على أبناء المنطقة؟” – هذا هو لسان حال الكثيرين من أبناء الناظور، الذي يعكس استياءً عميقاً من طريقة تدبير الشأن المحلي.
إن تنظيم مهرجان سينمائي في إقليم لا يمتلك قاعة سينمائية هو بمثابة تكرار لمأساة “المُستورد” الثقافي الذي لا يرتكز على بنية تحتية محلية، ويظل مجرد حدث عابر لا يترك أثراً عميقاً ومستمراً ، فالفن والثقافة يجب أن يكونا امتداداً لحركة تنموية شاملة، وليس بديلاً أو ستاراً لتغطية فشل في تدبير الأولويات.
يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل جاء مهرجان السينما في وقته؟
بينما يخرج الشباب إلى الشارع مطالبين بحقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم والبنى التحتية، تبدو هذه المهرجانات وكأنها محاولة لصرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية ، الناظور اليوم بحاجة إلى قرارات اقتصادية جريئة، وضخ استثمارات منتجة، وإعادة ترتيب صارمة للأولويات، تضع الإنسان والمستقبل التنموي في صلب الاهتمام.
إن إطلاق مشاريع تعود بالنفع على الساكنة، وتوفير العيش الكريم، هو الفيلم الذي ينتظر سكان الناظور مشاهدته على أرض الواقع، وليس مجرد احتفالات باهظة تُقام على أنقاض قاعات سينما مفقودة وأحلام تنمية مؤجلة.













عذراً التعليقات مغلقة