لم يكن احد يتكهن بصيف ساخن على الساحة المغاربية، فبعد الحرائق التي أتت على غابات ومناطق في المغرب وتونس والجزائر، سقطت زخات مطرية باردة لتحكم بالجمود بين المغرب والجزائر، وكانت هذه الغيمة المطيرة ٱتية من سماء الجزائر، لتعلن قطع حبل الود سياسيا بين البلدين، دون ان يمنع هذا القرار الغيمة من تنقلها بحرية بين البلدين، لتمتعها بجواز سفر وجودي يسمو عن ذلك السياسي، عمدته أن الكون كله بيت واحد، وأن كل عنصر فيه محتاج إلى الآخر من أجل رسم لوحة الإبداع فيه، لتسمو هذه الغيمة في سماء الرفعة عن منطق البشر رغم كونها بخار ماء.
إن المتأمل في حرارة العلاقات بين البلدين يجدها غير مستقرة في الدفء العائلي منذ أمد بعيد، وإنما بلغت درجة إحراق اليد الممدودة الساعية إلى بناء مستقبل أفضل، وتجاوز ٱرتكاسات تاريخية أثقل، وقد بدات المناوشات في هذه الصائفة الحارة، منذ ٱتهام الجزائر المغرب بالتجسس على الرئيس الفرنسي ماكرون ودول اخرى، بآعتماد تطبيق إسرائيلي، ولم يتلق هذا الاتهام كثير ٱهتمام من الضحايا المفترضين أنفسهم، فصارت جزائر الشهداء منافحة عن ماكرون ومدافعة عليه، وخائفة من ان يطاله مكروه مغربي، وصارت وجلة على أسراره وجل الأم الحانية على طفلها الذي تركته رفقة خادم قاصر وسافرت، هكذا قدمت جزائر الثورة والشهداء نفسها حامية لفرنسا اكثر من الفرنسيين، محتضنة لماكرون بحضن منيع امام الأخطار المغربية، وهذا الاتهام تم ٱنتقاؤه لسببين أولاهما: استثارة فرنسا من أجل مراجعة علاقاتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية مع المغرب، وثانيهما: استثمار التخطيط المغربي الإسرائيلي في تنفيذ خطة تجسسية من أجل الاستفادة منه في الداخل الجزائري، وذلك بٱستدعاء قاموس التطبيع والتخوين، ليلوكه الجزائريون على ألسنتهم، ويسوموا العسكر بالدهاة والمجاهدين، وحماة الشرف العربي الإسلامي المتمثل في فلسطين، لكن فرنسا لم تكثرت لتحذيرات الجزائر، وهي التي لا تقبل أبدا أن توكل لها مهمة الحفاظ على أمنها القومي ولا حتى الإبلاغ بمعلومات غابت عنها وحضرت في حيز المتابعة لدى الجزائر ، ولن يرضيها أن تكون محاطة بالحماية من مستعمرة سابقة، فمهما قدمت جزائر الثورة والشهداء نفسها ناصحة لفرنسا الاستعمارية سابقا، فإن الفرنسيين لن يصدقوا هذه القصاصة، مادام للأمن القومي أجهزة تترصد من يهدده، لأن الواقع كشف أن الجزائر تتهم نفسها بتخلف آستخباراتي، وقصور في حماية نفسها من الخطر المغربي المزعوم، عندما جعلت نفسها ضحية الحرائق التي لم تتوافر لها المعلومات المسبقة من أجل تفاديها، فكيف تقدم إفادات آستباقية تبقي ماكرون في مأمن من التطاول المغربي التجسس -حسب زعمها- على هاتفه، وهي لم تستطع حماية شجرة من موقد نار؟! وأمام هذا الحنو الجزائري على الرئيس ماكرون عبرت الجزائر عن ٱستماتة قوية في ٱتهام المغرب بحرائق منطقة القبائل وما جاورها، ليخلص الخطاب الرسمي الجزائري إلى وضع عبارة ” أفعال عدائية” حجة تتوسل بها من أجل إقحام المغرب في نيرانها الغابوية، وحقيقة الأمر أن الضحية عندما تشتكي فإنها تفصل وتدقق، إلا أن الجزائر ٱختارت ٱتهاما فضفاضا يصلح للتأويل و يبقى وفيا لإذكاء التوتر بين الشعبين، دون أن تتشجع في وصف الاتهامات بدقة، وتبين كيف توصل المغرب إلى الأراضي الجزائرية ليحرقها بأدلة ثابتة،لكي تدول القضية و تقوم بآتهام المغرب دوليا، وتجره إلى المساءلة الدولية، لأنها تعلم علم اليقين، أن هذا الاتهام صنع في الجزائر من أجل الاستهلاك الداخلي، ولن يصدقه العالم.
إن إعلان الجزائر الرسمية قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، لم يكن شيئا مفاجئا، لأنه كان هدفا لم يتوصل إليه عن طريق ورقة الاتهام بالتجسس، و لا بورقة توريط المغرب في الحرائق، وإنما كانت ورقة التقارب المغربي الإسرائيلي الفرصة السانحة التي وجد فيها النظام الرسمي الجزائري ضالته، فأعلن عن مراده، وظفر بما كان يوده، وهو قطع كل محاولات التقارب بين البلدين، خصوصا وأن خطاب العرش الذي رام الصلح واليد الممدودة أحرج النظام الجزائري في الداخل والخارج، فكان لا بد من ذريعة لتصوير المغرب خطرا على المنطقة، إلا أن قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب بسبب تطبيعه مع إسرائيل يدعو الجزائر إلى قطع علاقتها مع تركيا والإمارات والسعودية…. لأنها هي الاخرى دول مطبعة، ثم هل تستطيع الجزائر قطع علاقاتها مع فرنسا لآحتضانها حركة الماك؟ وهل بوسع الجزائر إيقاف تعاملها مع بريطانيا بسبب وجود حركة رشاد المعارضة على أراضيها؟ طبعا لن تستطيع، وخلاصة القول أن قطع العلاقات كان حلما جزائريا في عصر تكثفت فيه الاتصالات، فبذلت الجزائر الرسمية كل الوسع للوصول إليه، وتحقق الهدف أخيرا.
لقد توسلت الجزائر الرسمية كثيرا بالقضية الفلسطينية، وتقدم نفسها على أنها عمدة العروبة وصوت الجهاد، وحقيقة الأمر أن المقاومة الفلسطينية لطالما عبرت عن جمود دبلوماسي جزائري تجاهها، ذلك أن قادتها ٱشتكوا أثناء زيارتهم الجزائر، بأن الحكومة تتحاشى ٱستقبالهم، وتكتفي ببعث نواب برلمانيين من أجل القيام بواجب الضيافة، وعبر عن هذا الاستياء أحد أبرز قادة الحركة محمود الزهار، الذي صرح بأن الشخصيات الحكومية تتفادى آستقبال وفد حماس، كما أكد بأن الحكومة الجزائرية لا تعترف بحماس، وما يغزز هذا المعطى، أن زيارة إسماعيل هنية الأخيرة إلى المغرب، بدعوة من حزب العدالة والتنمية المغربي، حيث حظي بدعوة ملكية إلى مأدبة عشاء، وما يكتنف هذا من دلالات دبلوماسبة عميقة، لم يتمكن الوفد الفلسطيني بعدها من زيارة الجزائر، رغم أنه قدم طلبا مسبقا في الأمر، لكن هذا الطلب بقي معلقا دون جواب من جزائر الثورة إلى حد الآن. وفي الأمر إشارة إلى أشياء خفية حالت دون أن تطأ أقدام قيادات حماس الأراضي الجزائرية.
إن العالم اليوم تجاوز الفكر الضيق المحبوس في حجرة التاريخ، ليعيش حجرا فكريا، وأوروبا بتاريخها الدموي، وخلافات بلدانها الطاحنة، رسمت أجمل مثال في الوحدة من أجل خدمة الإنسان الأوروبي، في حين يبقى العقل العربي، حالما بأن يوقف حركة تلك الغيمة حتى لا تدخل بلدا مجاورا فتمطره مطرا، يصير خسارة ووصمة عار في كبريائه المتوهم.
طارق مرحوم
بعثرة الورقات من اجل قطع العلاقات












عذراً التعليقات مغلقة