عزوف الشباب وصعود الأعيان: قراءة في معركة الأحزاب قبل انتخابات 2026

اورو مغربمنذ 6 دقائقآخر تحديث :
عزوف الشباب وصعود الأعيان: قراءة في معركة الأحزاب قبل انتخابات 2026

اورو مغرب بقلم: وهيبة الوردي

مع اقتراب انتخابات 2026، يبدو أن المشهد السياسي المغربي يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: العودة القوية نحو العالم القروي والمدن شبه القروية. فبعد سنوات من تراجع الثقة السياسية لدى فئات واسعة من الشباب الحضري، بدأت الأحزاب المغربية تعيد ترتيب أولوياتها الانتخابية، واضعة القرى والمراكز الصاعدة في قلب استراتيجيتها الجديدة، باعتبارها الخزان الانتخابي الأكثر استقرارًا وقدرة على الحسم.

لم يعد الصراع السياسي يتمركز فقط داخل المدن الكبرى مثل Casablanca أو Rabat أو Marrakesh، بل أصبح يمتد بقوة نحو الجماعات القروية والمراكز شبه الحضرية التي تحولت إلى ساحة تنافس حقيقية بين الأحزاب والأعيان وشبكات النفوذ المحلي.

تحولات عميقة داخل الخريطة الانتخابية

خلال العقدين الأخيرين، عرف المغرب تحولات اجتماعية وديمغرافية كبيرة. فالشباب الحضري، خصوصًا الفئات المتعلمة، أصبح أكثر ابتعادًا عن الأحزاب التقليدية، بسبب عدة عوامل أبرزها:

ضعف التأطير السياسي الحقيقي.

غياب تجديد النخب الحزبية.

هيمنة الأعيان والعائلات الانتخابية.

اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي.

الإحساس بعدم جدوى المشاركة السياسية.

هذا التحول خلق أزمة ثقة حقيقية، خصوصًا لدى الشباب داخل المدن الكبرى، حيث ارتفعت نسب العزوف الانتخابي بشكل واضح مقارنة بالمجال القروي وشبه القروي.

في المقابل، ما تزال القرى والمناطق شبه القروية تحافظ على نسب مشاركة انتخابية أعلى نسبيًا، لعدة اعتبارات:

قوة الروابط العائلية والقبلية.

تأثير المنتخب المحلي المباشر.

حضور شبكات الوساطة الاجتماعية.

الاعتماد على منطق الخدمات والقرب أكثر من البرامج السياسية الكبرى.

لماذا أصبحت القرى هدفًا انتخابيًا رئيسيًا؟

الأحزاب المغربية تدرك اليوم أن معركة 2026 لن تُحسم فقط عبر الخطابات الإعلامية أو الحملات الرقمية، بل عبر التحكم في الخريطة المحلية والدوائر الصغيرة والمتوسطة.

فالقرية المغربية لم تعد مجرد فضاء فلاحي معزول، بل أصبحت:

كتلة انتخابية مؤثرة.

مجالًا لصعود نخب محلية جديدة.

منطقة قابلة للتعبئة السريعة خلال الانتخابات.

ساحة أقل تأثرًا بالنقاشات الإيديولوجية وأكثر ارتباطًا بالوعود التنموية المباشرة.

لهذا نلاحظ منذ مدة:

تكثيف الزيارات الحزبية للعالم القروي.

تنظيم قوافل طبية واجتماعية.

استقطاب أعيان الجماعات والقبائل.

الاستثمار في الجمعيات المحلية والتعاونيات.

إعادة تدوير المنتخبين المحليين داخل أحزاب مختلفة.

المدن شبه القروية: الكنز الانتخابي الجديد

المدن شبه القروية أو المراكز الصاعدة أصبحت بدورها محط اهتمام استثنائي. فهي تمثل فضاءً وسطًا بين القرية والمدينة، وتتميز بخصائص انتخابية مهمة:

كثافة سكانية متزايدة.

ارتفاع نسبة الشباب العاطل.

ضعف البنيات الثقافية والسياسية.

قابلية التأثر بالخطاب الاجتماعي والديني والخدماتي.

هذه المناطق أصبحت هدفًا مباشرًا للأحزاب التي تبحث عن أصوات أقل تكلفة انتخابية وأكثر قابلية للتوجيه.

كما أن ضعف التأطير السياسي داخل هذه المدن يسمح بعودة قوية لمنطق:

الولاءات الشخصية.

العلاقات العائلية.

النفوذ الاقتصادي.

الزبونية الانتخابية.

الشباب المغربي: الغائب الأكبر عن المعادلة

المفارقة الكبرى أن الأحزاب تتحدث كثيرًا عن الشباب، لكنها عمليًا تتجه نحو الفئات التي تضمن التصويت التقليدي بدل الاستثمار الحقيقي في استعادة الثقة السياسية لدى الجيل الجديد.

فجزء مهم من الشباب المغربي اليوم يعيش حالة:

نفور من العمل الحزبي.

فقدان الثقة في الوعود الانتخابية.

اهتمام أكبر بالهجرة أو الاستقرار الاقتصادي.

توجه نحو التعبير الرقمي بدل المشاركة الميدانية.

وهذا ما جعل العديد من الأحزاب تعتبر أن تعبئة الشباب الحضري أصبحت معركة مكلفة وغير مضمونة، مقابل سهولة أكبر في تعبئة العالم القروي عبر شبكات النفوذ التقليدي.

صعود الأعيان من جديد

السباق نحو القرى أعاد أيضًا ظاهرة “الترحال الانتخابي” وصعود الأعيان بقوة. فالأحزاب أصبحت تبحث عن:

أصحاب النفوذ المالي.

المنتخبين ذوي القاعدة العائلية.

رجال الأعمال المحليين.

رؤساء الجماعات القادرين على ضمان الأصوات.

وهنا تبرز إشكالية حقيقية مرتبطة بمستقبل العمل الحزبي بالمغرب هل أصبحت الأحزاب مجرد أدوات انتخابية لتجميع الأصوات بدل أن تكون مؤسسات للتأطير وصناعة النخب؟

الكثير من المتابعين يرون أن الأحزاب فقدت تدريجيًا دورها الإيديولوجي والفكري، وتحولت إلى شبكات انتخابية موسمية تتحرك بقوة فقط قبيل الاستحقاقات.

انتخابات 2026: بين التنمية والخدمات واستعمال النفوذ

من المتوقع أن ترتكز الحملات المقبلة على قضايا قريبة من المواطن القروي وشبه القروي مثل:

الماء والطرق.

الصحة والنقل المدرسي.

التشغيل المحلي.

الدعم الاجتماعي.

البنيات الرياضية والثقافية.

برامج الفلاحة والتعاونيات.

لكن التخوف يبقى قائمًا من عودة استعمال المال والنفوذ الانتخابي بشكل أكبر داخل المناطق الهشة، خصوصًا مع احتدام المنافسة الحزبية واقتراب موعد الانتخابات.

هل تستطيع الأحزاب استعادة الشباب؟

رغم هذا التوجه نحو القرى، فإن الرهان الحقيقي على المدى البعيد يبقى مرتبطًا بالشباب المغربي. لأن أي مشروع سياسي بدون انخراط الأجيال الجديدة سيظل مشروعًا هشًا ومؤقتًا.

استعادة الثقة لن تتحقق بالشعارات فقط، بل عبر تجديد النخب الحزبية ومنح الشباب مواقع القرار. مع ربط السياسة بالتشغيل والكرامة ومحاربة الريع والزبونية وتطوير خطاب سياسي قريب من الواقع

انتخابات 2026 لن تكون مجرد تنافس انتخابي عادي، بل ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأحزاب المغربية على التأقلم مع التحولات الاجتماعية الجديدة. وبين مدن فقدت جزءًا كبيرًا من ثقتها السياسية، وقرى أصبحت خزانات انتخابية استراتيجية، يتشكل اليوم مشهد سياسي جديد عنوانه: من يملك الأرض الانتخابية يملك الطريق نحو المؤسسات.

غير أن السؤال الأهم يبقى مطروحًا هل سينجح هذا السباق نحو القرى في إعادة الحيوية للحياة السياسية المغربية، أم أنه سيعمق فقط هيمنة الأعيان ومنطق المصالح على حساب المشاركة الديمقراطية الحقيقية؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »