عندما يبوح الحجر يخرس اللسان…

Admin12 يناير 2021آخر تحديث :
عندما يبوح الحجر يخرس اللسان…

 

يصمت الإنسان عندما يعجز عن الكلام، وتنوب عن الإفصاح آهات الجنان، وقد يقوى الألم ليتساقط عبرات من المقل، وفي الصمت بلاغة أقوى من الكلام في بعض الأحيان، قد يكون رضا نابت عنه آبتسامة، وعجزت أن تحمله جمل لتكون منطوقة على الألسنة، وقد يكون غضبا وصل بصاحبه إلى قناعة أنه أمام أمر تافه ظنه لسنوات من صلب آهتمامه فينتقم بالصمت، وقد نصمت لنحيل الكلمة للون كي يعبر، وللرسم كي يفصح، وللقصة كي تعيد تدوير الأحداث كي لا تقذف في سلة المهملات، لتبقى راسخة بعبرها في الذكريات.
لقد صمت النحات السوري نزار علي بدر أمام فاجعة حلت بالديار، التي أحالتها الحرب إلى الاندثار، فكانت عنوان الشتات والدمار، وفي هذه النكبة السورية، لا تنفصل اللبنات عن الجدران فقط، بل آنفصمت أرواح عن الحياة، وآنفصلت أجساد عن بيوتها التي هي محط الذكريات، عندما تؤول المنازل خرابا، وتتصاعد الأدخنة بعد أن أدت القنابل والأسلحة دورها بإتقان، وصاح منفذها :”الله أكبر”، وقال مستقبلها:”الله أكبر”، وبين التكبيرات من هنا وهناك،كبائر آرتكبتها الإنسانية في حق نفسها.
يطالعنا النحات هاهنا ببدعة مستحدثة، فعوض أن ينحت على الحجارة، نحت بها، لينحت في القلوب المتحجرة غصبا نداء الحياة الذي تبخر في حلب وبعلبك والرمة ودمشق وغيرها من الحواضر والبوادي التي سقطت عليها حجارة من سجيل، جعلت للأطلال نواحا وثكالى، وطمست معالم الحياة التي كانت تمتزج فيها زقزقة العصافير بنزق الأطفال وشدوهم، ليفكر من تبقى من الكبار إلى هجرة المكان الذي لازالت أشلاء الأحياء فيه عالقة ملطخة بدم الحنين و أحداث الطفولة، وسمر الأصدقاء، وجلسة الأقارب، وقهقهات أفراد الأسرة وهم ملتفون حول مائدة عمدتها شاي دافئ في ليالي الشتاء القارسة، قبل أن تلتف حولهم هموم الفراق، وحسرات الهجران، التي جعلتهم قوافل مهاجرة نحو المجهول، يريدون أي مكان يستنشقون فيه الهواء بلا دخان، ويرون السماء بلا ألم.
لقد نحت نزار في ضمير الإنسانية المتشظي بحجارة صورت حركة حزينة لقلوب تثاقلت خطاها بوقع الصدمة، وقوة النكبة، وهي تسير مهاجرة قد أعياها الزمن وضاق بها المكان، وفي التعبير بالحجارة رمزية الصمود، فالحجر من الأرض صاعد، والأرض لها القلوب تهوي، وكثيرا ما قيل: “أمنا الأرض”، ففي رحلة الهجرة ثبات رغم مأساوية المشهد، فسيأتي يوم يروي الأحياء قصة العودة إلى الديار، فيقولون “هنا رقدوا هنا ضحكوا هنا ماتوا…..” فالأحياء والأموات من الأرض وإلى الأرض يؤوبون، وإذا كان شعراء الجاهلية أنشدوا أشعارا بكوا فيها الأطلال وبقايا الديار التي هي أحجار، فلقد نظمت الحجارة في هذه اللوحة ديوان المأساة، وكانت تفعيلتها منتمية إلى بحر آستطاع إيقاعه التأثير في قلوب لتنطق بالدموع على إنسانية تحجرت وهي تظن أنها للعصر الحجري قد تجاوزت، فعندما أمطرت سماء سوريا حجارة من سجيل، طرب البعض بإنجازه لما رأى إلى الوضع بحسابات سياسية متحجرة، لتنوب الحجارة عن ضمير البشرية وقلبها، لتعبر عن تشظي القلب الإنساني الذي تصلبت فيه شرايين العطف والسلام، لتنبجس من الحجارة أنهار البيان، تسقي جفاف المشاعر، وتنتزع الدموع من صحراء العيون القاحلة.
ذ طارق مرحوم

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »