اورو مغرب
ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، سجّل الأستاذ عبدالصمد اليزيدي، المدير العام للمعهد الألماني للحوار والتفاهم مواطنة ورئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، حضوراً فكرياً لافتاً من خلال ثلاث مشاركات نوعية تناولت قضايا العيش المشترك، وبناء السلام، ودور الأسرة في ترسيخ منظومة القيم. وقد عكست هذه اللقاءات، في تنوع محاورها وغنى المشاركين فيها، عمق الرؤية التي يحملها اليزيدي في مقاربة تحديات العصر من زاوية الحوار والمسؤولية المشتركة.
في محاضرته الموسومة بـ*«مسالك العيش المشترك في الفضاء الأوروبي: رهانات المواطنة الفاعلة في السياق الألماني»*، قدّم اليزيدي قراءة متبصرة في التجربة الأوروبية، متوقفاً عند مفهوم المواطنة باعتباره أكثر من مجرد إطار قانوني ينظم العلاقة بين الفرد والدولة؛ بل باعتباره ثقافة مشاركة، ووعياً بالمسؤولية، وانخراطاً إيجابياً في بناء المجال العام. كما أبرز أن التعددية الثقافية والدينية، رغم ما يحيط بها من تحديات، يمكن أن تتحول إلى مصدر غنى مجتمعي متى تأسست على قيم الاحترام المتبادل والاعتراف المتوازن والمشاركة الفاعلة.
وفي ندوة «دبلوماسية السلم ومسالك الأمل: آفاق الشراكات الاستراتيجية وتنسيق الجهود الدولية»، شارك إلى جانبه روبرت دولغر، سفير جمهورية ألمانيا الاتحادية لدى المملكة المغربية، والدكتور عمر بن بيّه، مستشار منتدى أبوظبي للسلم. وقد شكّل هذا اللقاء مساحة للتفكير في شروط صناعة السلام في عالم تتزايد فيه بؤر التوتر والقلق. وفي هذا السياق، شدد اليزيدي على أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو بناء متواصل لثقافة الثقة والتفاهم، ومسار تشاركي تتكامل فيه جهود الدولة والمؤسسات المدنية والمرجعيات الدينية والثقافية، من أجل ترسيخ الأمل وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وإنصافاً.
أما في ندوة «الأسرة مدرسة القيم وآفاق السلم: رؤية تكاملية بين مبادرة عام الأسرة بالإمارات والسياسات الاجتماعية المغربية»، فقد شارك إلى جانب الدكتور فؤاد مسرة، رئيس ديوان وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بالمملكة المغربية، والدكتورة آمنة سعيد الشحي، مدير مكتب منتدى أبوظبي للسلم بالرباط. وقد انصب النقاش حول الأسرة بوصفها الفضاء الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، وتُغرس فيه قيم المسؤولية والرحمة والاعتدال والتعايش. وفي مداخلته، أبرز اليزيدي أن بناء السلم المجتمعي يبدأ من داخل البيت، حين تتحول الأسرة إلى مدرسة يومية للقيم، تُخرّج أفراداً أكثر وعياً بذواتهم، وأكثر قدرة على الانفتاح على غيرهم، وأكثر استعداداً للإسهام في الخير العام.
لقد كشفت هذه المشاركات الثلاث عن خيط ناظم يجمع رؤية عبدالصمد اليزيدي: الإيمان بأن مستقبل المجتمعات لا يُبنى بالقوة وحدها، بل ببناء الإنسان؛ ولا يُصان بالسياسات فقط، بل بترسيخ القيم؛ ولا يتحقق بالانعزال، بل بالحوار والتعاون وصناعة المشترك الإنساني. ومن الرباط، في فضاء الكتاب والفكر، بدا هذا الصوت الفكري دعوة هادئة وعميقة إلى عالم أكثر تفاهماً وسلاماً وتوازناً.












عذراً التعليقات مغلقة