اورو مغرب إبراهيم بن مدان
احتضنت قاعة الندوات والعروض التابعة للجامعة الوطنية للتعليم عن بُعد (UNED) بمدينة مليلية، ندوة ثقافية وفنية متميزة، تخللتها عروض الفيلم الوثائقي «Rough Sahara»، للمخرجة أليسا ديسكوتس تويوساكي، الذي يسلط الضوء على ثقافة الطوارق بالصحراء الكبرى، وذاكرتهم الجماعية، وعلاقتهم بأرضهم، فضلاً عن دور الموسيقى في التعبير عن هويتهم ومقاومة مختلف أشكال التهميش والتطرف.
وأطر هذا اللقاء الثقافي خوان كارلوس كابيرو، رئيس ملتقى أساتذة الفلسفة للفكر والتربية بمليلية، ومندوب اتحاد كتاب إسبانيا بالمدينة، والمكلف بالعلاقات بين العالم العربي وإسبانيا، فيما تولى عبد العلي الرحماني، رئيس جمعية موشي بنميمون للتراث اليهودي المغربي السلام، مهمة الترجمة من الفرنسية إلى الإسبانية، بما أتاح للجمهور متابعة مختلف محاور النقاش والتفاعل مع مضامينه.
وجاء تنظيم هذه الندوة في إطار الأنشطة الموازية لمهرجان IWA، الذي اختتم صباح اليوم برنامجه الثقافي بالجامعة الوطنية للتعليم عن بُعد، بعد انطلاقته التمهيدية التي احتضنتها منطقة ريال باتيريا يوم 19 شتنبر الجاري.
وشكل عرض الفيلم الوثائقي مناسبة لفتح نقاش معمق حول ثقافة الطوارق وتاريخهم وتحدياتهم الاجتماعية والإنسانية، حيث جمعت الجلسة بين المخرجة أليسا ديسكوتس تويوساكي وعثمان موسى، الموسيقي في فرقة تاميكريست وأحد المشاركين في الفيلم، في حوار أداره خوان كارلوس كابيرو.
واستعرضت المخرجة مسارها المهني الذي يجمع بين الصحافة والبحث الوثائقي، متوقفة عند تجربتها الطويلة في التعرف على مجتمعات الطوارق، وعلاقتها بقضايا الصحراء الكبرى. كما تحدثت عن اهتمامها بموضوع اليورانيوم، الذي بدأ خلال عملها الصحفي في أعقاب زلزال فوكوشيما باليابان، قبل أن يقودها البحث إلى النيجر، حيث وقفت على تداعيات أنشطة التعدين والصعوبات التي تواجه المجتمعات الرعوية، وهو ما أتاح لها الاقتراب من قصص النزوح والصمود والبقاء في الصحراء.
من جهته، سلط عثمان موسى الضوء على واقع مجتمعات الطوارق، ولا سيما في شمال مالي، في ظل التحديات التي تفرضها النزاعات والصراعات، مبرزاً أهمية الموسيقى باعتبارها وسيلة للتعبير عن الهوية والذاكرة الجماعية، ونقل معاناة السكان وتطلعاتهم.
واحتلت الموسيقى حيزاً مهماً من النقاش، من خلال التطرق إلى فن «التيندي»، الذي تؤديه النساء بشكل أساسي، وصولاً إلى تجربة الفرق الموسيقية المعاصرة، من قبيل «تيناريوين» و«تاميكريست»، التي استطاعت التعريف بالثقافة الطارقية عبر الموسيقى الحديثة، مع الحفاظ على جذورها وتقاليدها الأصيلة.
وفي هذا السياق، استحضرت أليسا ديسكوتس تويوساكي بدايات اهتمامها بالموسيقى الطارقية قبل نحو 25 عاماً، مشيرة إلى أنها شرعت في ترجمة كلمات الأغاني لفهم مضامينها ورسائلها، التي تتناول قضايا الحرية والحرب والمعاناة والضغوط الاجتماعية، إلى جانب موضوعات الهوية والذاكرة والانتماء.
كما شهد اللقاء نقاشاً حول دور الموسيقى والإبداع الفني في مواجهة التطرف، بما في ذلك التطرف الديني، وقدرتهما على صون التراث الثقافي ونقله إلى الأجيال الصاعدة، فضلاً عن تعزيز قيم التعايش والانفتاح والحوار بين الثقافات.
واختتمت هذه الندوة برنامج الأنشطة الثقافية الموازية لمهرجان IWA، ممهدة لانطلاق يومي المهرجان الرئيسيين، اللذين احتضنهما حصن فيكتوريا غراندي يومي الجمعة والسبت، من خلال برنامج فني متنوع يجمع بين الموسيقى ذات الجذور التقليدية والتعبيرات الإبداعية المعاصرة القادمة من ثقافات ومناطق جغرافية مختلفة.
ويأتي هذا المهرجان في سياق ثقافي يهدف إلى جعل الفن والموسيقى فضاءً للحوار والتواصل بين الشعوب، ومواجهة مختلف أشكال التعصب والتطرف، عبر الانفتاح على الثقافات المتعددة والاحتفاء بتنوع اللغات والتقاليد الفنية.
وكانت مستشارة الثقافة بمليلية، فضيلة مختار، قد أكدت خلال حفل افتتاح المهرجان أهمية هذا الموعد الثقافي، مشيرة إلى خصوصية برنامجه الذي يسعى إلى تجاوز الأطر الفنية التقليدية، وإبراز أصالة الثقافات المختلفة من خلال لغات وأساليب فنية معاصرة.
كما استحضرت مختار شهادة أحد الصحفيين العاملين بإذاعة «راديو 3»، الذي وصف مهرجان IWA بأنه مهرجان فريد من نوعه، بالنظر إلى جمعه ثقافات ولغات متعددة من مختلف قارات العالم، في مبادرة تروم ترسيخ قيم التسامح والتعايش والسلام.
ويؤكد هذا الموعد الثقافي، من خلال برامجه الفنية والفكرية، أهمية الثقافة باعتبارها جسراً للتواصل بين الشعوب، ووسيلة للتعريف بالتراث الإنساني المشترك، وتعزيز الحوار والتفاهم بين مختلف الثقافات.



















