اورو مغرب
بقلم: نعيمة عثماني، باحثة في دراسة الأديان ورئيسة قسم حوار الثقافات بمركز الحكمة للدراسات الدينية وحوار الثقافات
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود سؤال المشاركة السياسية إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط من زاوية مستوى الإقبال على صناديق الاقتراع، وإنما من زاوية أعمق تتصل بمعنى المواطنة وحدود المسؤولية الفردية تجاه المجتمع والوطن. فهل المشاركة في الانتخابات مجرد حق فردي يخضع للاختيار والرغبة، أم أنها، بالنظر إلى آثارها على الصالح العام، مسؤولية وأمانة تستوجب الوعي بممارستها؟
يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا في سياق يعرف استمرار مظاهر العزوف السياسي، إذ قد ينظر بعض المواطنين إلى عدم التصويت باعتباره موقفا احتجاجيا أو تعبيرا عن عدم الرضا عن أداء الأحزاب والمؤسسات. غير أن مقاطعة صناديق الاقتراع لا تعني بالضرورة تغيير الواقع، بل قد تفضي، في بعض الحالات، إلى ترك تحديد موازين القوى السياسية لمن اختاروا المشاركة. فالاختلاف مع الأحزاب أو عدم الرضا عن أداء بعض المنتخبين لا يجعل العزوف الخيار الوحيد؛ فالمشاركة تظل إحدى الوسائل المتاحة للمواطن للتعبير عن موقفه، واختيار البديل الذي يراه أقرب إلى تطلعاته، وممارسة حقه في المساءلة السياسية.
أولا: التأصيل القيمي والمقاصدي للاختيار الانتخابي
تندرج المشاركة في تدبير الشأن العام، من منظور فكري وديني، ضمن منظومة من القيم الإسلامية الجامعة، وفي مقدمتها الشورى، والأمانة، وتحمل المسؤولية، وإقامة العدل، ورعاية المصلحة العامة. ومع أن الانتخابات بصورتها المؤسسية المعاصرة قد تبلورت في سياق تاريخي وسياسي حديث مرتبط بالدولة الوطنية والمواطنة، فإن المبادئ التي تقوم عليها تتقاطع مع عدد من القيم الأخلاقية التي رسختها المرجعية الإسلامية.
وتتجسد قيمة الشورى في المرجعية الإسلامية بوصفها مبدأ لحسن تدبير الجماعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ ولا يعني استحضار هذا المبدأ مطابقة الشورى بالنظام الانتخابي الحديث، وإنما النظر إليها باعتبارها ثقافة سياسية وأخلاقية ترفض الاستئثار بالرأي، وتفتح المجال للمشاركة الجماعية في تدبير الشأن العام.
وتتصل الشورى بقيمة أخرى هي الأمانة؛ فالمسؤولية العامة ليست امتيازا شخصيا، بل تكليف وأمانة تقتضي إسنادها إلى من تتوافر فيه الكفاءة والاستحقاق، امتثالا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر ممارسة الحق الانتخابي على الإدلاء بالصوت، بل تنطوي على مسؤولية مدنية وأخلاقية يشارك الناخب من خلالها في تشكيل المؤسسات المنتخبة؛ وهو ما يقتضي النزاهة والتجرد من المصالح الضيقة أو الولاءات الزبونية، واستحضار المبدأ النبوي الجامع:” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”.
وتشكل المصلحة العامة صلة أساسية بين القيم الأخلاقية والممارسة السياسية المعاصرة؛ فمقاصد الشريعة، كما بلورها الفكر المقاصدي، تقوم على رعاية مصالح الناس، وحفظ الضروريات، وجلب المنافع ودرء المفاسد. ومن ثم، لا ينفصل الاختيار السياسي عن النظر في آثاره ومآلاته على الصالح العام، والمفاضلة بين البرامج والبدائل على أساس ما يمكن أن تحققه من نفع وما قد تترتب عنها من أضرار.
ثانيا: المشاركة الانتخابية بين الحق الدستوري والمسؤولية الوطنية
حظيت المشاركة الانتخابية بمكانة أساسية في مسار التطور السياسي والدستوري للمملكة المغربية، وظلت حاضرة في الخطاب الرسمي للدولة باعتبارها مدخلا لممارسة المواطنة، وترسيخ التمثيلية السياسية، والمشاركة في تدبير الشأن العام. وقد وجد هذا التوجه أساسه الدستوري في دستور2011، الذي جعل الخيار الديمقراطي من الثوابت الجامعة للمملكة، وأقر في الفصل الثلاثين منه أن “التصويت حق شخصي وواجب وطني”.
وتكتسي هذه الصيغة الدستورية دلالة خاصة، لكونها تجمع بين بعدين متكاملين: حق المواطن في اختيار ممثليه، ومسؤوليته الوطنية في ممارسة هذا الحق. فالمشاركة الانتخابية تتجاوز الإدلاء بالصوت إلى ممارسة واعية للاختيار، والانخراط في الحياة السياسية، والمشاركة في تحديد من يتولى تمثيل المواطنين وتدبير الشأن العام.
ويظل صندوق الاقتراع الوسيلة التي تترجم من خلالها الإرادة العامة إلى تمثيل داخل المؤسسات المنتخبة، الأمر الذي يجعل المشاركة في الانتخابات جزءا من ممارسة المواطنة وأحد أسس العمل السياسي القائم على الاختيار الشعبي. وتتطلب ممارسة الحق الانتخابي وعيا بطبيعة البرامج والبدائل المطروحة، والنظر في مدى توافر الكفاءة والنزاهة.
غير أن هذه المسؤولية الوطنية لا تقع على عاتق المواطن وحده؛ إذ تقتضي المعادلة الديمقراطية استجابة متوازنة من جانب الأحزاب والمؤسسات السياسية. فاستعادة ثقة المواطن تستوجب تجديد الخطاب السياسي، وتعزيز النزاهة الداخلية، وفسح المجال أمام الطاقات الشابة والكفاءات النزيهة. إن الشراكة الوطنية الحقيقية تقتضي من الفاعلين السياسيين تقديم نخب وبرامج في مستوى تطلعات الناخبين، وتأسيس علاقة سياسية قوامها الثقة والمسؤولية المتبادلة.
ثالثا: من الاختيار الانتخابي إلى المواطنة المستمرة
إن المواطنة السياسية الحقيقية لا تختزل في مجرد الذهاب إلى صندوق الاقتراع، بل تبدأ منه؛ فبعد التصويت تأتي المتابعة والمساءلة والمشاركة المستمرة في النقاش العمومي.
فالاختيار السياسي لا يكون دائما بين الأفضل والأحسن، بل قد يفرض أحيانا المفاضلة بين بدائل متفاوتة في درجة ملاءمتها، واختيار ما يراه المواطن أقل ضررا وأكثر نفعا. وغياب الخيار المثالي لا يجعل العزوف الخيار الوحيد، بل يدعو إلى ممارسة الحق في المقارنة الواعية بين البدائل المتاحة، وتحمل المسؤولية في ترجيح الاتجاه الأقرب إلى خدمة الصالح العام.
وفي هذا الإطار، يندرج تأطير المشاركة السياسية ضمن المسؤولية الفكرية والمجتمعية؛ إذ يبرز البعد المقاصدي للقيم الدينية، كالأمانة والعدل والمصلحة العامة، باعتباره أساسا أخلاقيا للمواطنة الحديثة. فالمواطنة لا تكتمل بالتمتع بالحقوق دون تحمل المسؤوليات، كما أن الانخراط في الشأن العام لا يقتصر على لحظة التصويت، وإنما يمتد إلى ما بعد يوم الاقتراع عبر ممارسة الرقابة المجتمعية، وتوظيف الوسائط المدنية والإعلامية المتاحة لتتبع أداء المؤسسات وتقييم مدى وفائها بالالتزامات الانتخابية.
إن الدعوة إلى التصويت هي دعوة إلى ممارسة المواطنة بوعي ومسؤولية، والتعامل مع الصوت الانتخابي باعتباره وسيلة سلمية للتعبير والاختيار والمساءلة. فإذا كان الوطن مجالا مشتركا لجميع أبنائه، فإن مسؤولية حمايته وتطوير مؤسساته لا تقع على الدولة والأحزاب وحدها، وإنما تشمل المواطن أيضا.
فالتصويت ليس مجرد ورقة تودع في صندوق الاقتراع، بل قرار يعبر عن وعي المواطن بمستقبل بلده، واختيار تترتب عليه مسؤولية أخلاقية ومجتمعية. فالمواطنة الحقيقية تبدأ حين يدرك الإنسان أن لصوته أثرا يتجاوز لحظة الاقتراع إلى المشاركة في توجيه الحياة السياسية.












