التعسف في ترحيل السجناء: عقوبة مضاعفة للأسرة والسجين

اورو مغرب27 سبتمبر 2025آخر تحديث :
التعسف في ترحيل السجناء: عقوبة مضاعفة للأسرة والسجين

اورو مغرب بقلم : محمد الحدوشي

من بين الممارسات التي تسترعي الانتباه في السياسة السجنية ببلادنا، مسألة ترحيل السجناء إلى مؤسسات سجنية بعيدة عن محل إقامتهم وأسرهم، حيث يجد الكثير من النزلاء أنفسهم بين ليلة وضحاها منقولين إلى سجون في مدن نائية، لا لاعتبارات أمنية قاهرة، بل في أحيان كثيرة بشكل تعسفي يفتقد للمبرر القانوني والإنساني.
هذا الإجراء الذي قد يبدو للبعض إداريًا عاديًا، يشكل في جوهره عقوبة مضاعفة لا تصيب السجين وحده، بل تمتد لتطال أسرته الصغيرة والكبيرة. فالأسرة التي يقتصر دورها في الأصل على الدعم النفسي والمادي، تتحول إلى ضحية مباشرة، حيث تُرهق بالمسافات الطويلة، ومصاريف التنقل، وصعوبة الحصول على مواعيد الزيارة. الأمر الذي يؤدي إلى تقليص فرص التواصل الإنساني ويزرع شرخًا في الروابط الأسرية والاجتماعية.
وتتضاعف خطورة هذا التعسف حين يتعلق الأمر بسجناء كبار السن أو المرضى، الذين تفرض حالتهم الصحية رعاية خاصة واستقرارًا نفسيًا وطبيًا. فترحيل سجين مسن يعاني من أوضاع صحية هشة إلى سجن بعيد، هو في الحقيقة حكم غير معلن بالإجهاز على ما تبقى من قواه. فالمسافة الجغرافية تحرمه من الزيارات الدورية التي تمثل جرعة أمل، وتضعف قدرته على مواجهة المرض، وتضاعف من عزلته ومعاناته. كما أن البنية الصحية داخل أغلب السجون لا تتوفر على الإمكانات اللازمة لمواكبة حالات معقدة أو متقدمة في العمر، مما يجعل الرعاية الطبية في مثل هذه الظروف مجرد حبر على ورق.
وهنا يبرز البعد الدولي لهذه القضية، حيث تؤكد القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم “قواعد مانديلا”، على أن معاقبة السجين لا تعني حرمانه من حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الكرامة الإنسانية والتواصل مع أسرته. هذه القواعد التي اعتمدتها الأمم المتحدة سنة 2015، تشكل مرجعًا عالميًا لإدارة السجون، ومن أبرز ما جاء فيها:
• ضرورة إيواء السجناء في مؤسسات قريبة من أماكن إقامة أسرهم، إلا إذا اقتضت الضرورة خلاف ذلك.
• ضمان تسهيل الزيارات العائلية بشكل منتظم، باعتبارها ركيزة للحفاظ على الروابط الاجتماعية.
• توفير رعاية صحية مساوية للرعاية المتوفرة خارج السجن، مع عناية خاصة بكبار السن والمرضى.
• التأكيد على أن السجن ليس عزلاً مطلقًا، بل فضاء إصلاحي يهدف إلى إعادة الإدماج.
وبالتالي، فإن أي سياسة أو ممارسة تتناقض مع هذه المبادئ، مثل الترحيل التعسفي للسجناء المرضى والمسنين إلى سجون بعيدة، تعتبر انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية التي التزمت بها الدولة، وتفريغًا لخطاب الإصلاح من مضمونه.
لكن ما يحدث على أرض الواقع يناقض هذه الالتزامات، حيث تتفاجأ أسر عديدة، بعد مشقة الطريق، أن قريبها قد نُقل دون سابق إشعار إلى وجهة مجهولة، في مشهد يعكس غياب الشفافية والبعد الإنساني في تدبير هذا الملف.
إن التعسف في تنقيل السجناء لا يمكن قراءته إلا باعتباره شكلاً من أشكال التعذيب غير المباشر، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمسنين أو مرضى. فهو وإن لم يترك أثرًا جسديًا مباشرًا على السجين، فإنه يعصف بحقوقه الأساسية، ويضغط على أسرته التي لم ترتكب أي جرم. وفي هذا، تتحول المؤسسة السجنية من فضاء يفترض أن يحتضن عملية إصلاحية وتأهيلية، إلى أداة لإنتاج المزيد من الألم والمعاناة.
إن الإصلاح الحقيقي للسياسة السجنية يقتضي إرساء معايير واضحة وشفافة لعمليات الترحيل، وجعلها خاضعة لرقابة قضائية وإدارية مستقلة، حتى لا تتحول إلى أداة للتعسف أو للضغط على السجناء. كما يقتضي اعتماد مقاربة إنسانية تراعي مصلحة السجين وأسرته، وتجعل من الحفاظ على الروابط الأسرية جزءًا أساسيًا من فلسفة العقوبة الإصلاحية، مع إعطاء وضعية خاصة للمسنين والمرضى، الذين لا تحتمل ظروفهم الصحية مثل هذه القرارات القاسية.
في النهاية، يظل السجين إنسانًا قبل كل شيء، له حقوق لا تسقط بسقوط حريته المؤقتة. وإذا كان قد أخطأ في حق المجتمع، فإن المجتمع من جانبه لا يملك حق معاقبة أسرته البريئة، ولا حق الإجهاز على من أنهكه المرض وكبر السن. فترحيل السجناء المرضى وكبار السن إلى مناطق بعيدة، هو بمثابة عقوبة إضافية غير مشروعة، تتعارض مع القيم الإنسانية والقانونية، وتتنافى مع فلسفة الإصلاح وإعادة الإدماج.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »