الرباط: الحديقة التجريبيةالنباتية ذاكرة نباتية ضمن التراث العالمي لليونسكو

اورو مغرب21 يناير 2026آخر تحديث :
الرباط: الحديقة التجريبيةالنباتية ذاكرة نباتية ضمن التراث العالمي لليونسكو

اورو مغرب منير حموتي

الحديقة التجريبية النباتية بالرباط، المصنفة ضمن التراث الوطني منذ عام 1992، تُعد أحد المكونات الثمانية لموقع الرباط، العاصمة الحديثة والمدينة التاريخية تراث مشترك، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2012.
أُنشئت هذه الحديقة سنة 1914 على ثلاث مراحل، تحت إشراف المهندسين المعماريين جان كلود نيكولا فوريستييه وألبرت لابراد. وتمتد على مساحة تبلغ 17 هكتارًا، وقد صُممت في الأصل كحديقة للتأقلم والبحث العلمي، بهدف إدخال أنواع نباتية من مناخات متنوعة ودراسة قدرتها على التكيّف مع البيئة المحلية.
تجسد الحديقة أسلوبا فريدًا يجمع بين فنون الحدائق المغربية الأندلسية والفرنسية، حيث حافظت على تصميمها الهندسي المتناسق المنظم حول محور مركزي، تحيط به مدرجات على الطراز الفرنسي. ويصطف على امتداد هذا المحور عدد من أشجار الفيكوس، تتخللها أحواض ونوافير تضفي على الفضاء طابعا جماليا متناغما.
وتُعد الحديقة النباتية بالرباط من روائع تصميم الحدائق وفنون تنسيق المناظر الطبيعية في المغرب خلال القرن العشرين. وتتميّز بهندسة تحاكي تضاريس الموقع المتدرجة، فيما تتيح المسارات الجانبية المقوَّسة، المزدانة بالبرك والنافورات، أجواءً منعشة ونابضة بالحياة. ومن خلال المنظور المركزي للحديقة، يمكن استكشاف أحواض الغرس المتوالية التي استخدمت سابقا لإجراء التجارب على الشتلات، والتي تحولت اليوم إلى مجموعات نباتية كبيرة تشهد على نجاح عمليات التأقلم، مؤكدة بذلك الدور العلمي والبحثي للحديقة.
وتتميز الحديقة بتنوع غني من أشجار الفاكهة، من بينها الجوافة والأفوكادو والرمان والخروب، المنتقاة لما تحمله من ثمار لذيذة وأزهار مبهجة. وتحت ظلال هذه الأشجار، تنتشر النباتات العطرية مثل إكليل الجبل والزعتر والنعناع، التي تساهم في تخصيب التربة، والحد من الطفيليات الضارة، وجذب الحشرات الملقحة، مما يجعل الحديقة نموذجًا حيًا للزراعة المستدامة.
وإلى جانب ذلك، تضم الحديقة أنواعًا أخرى كأشجار التين والتفاح والبرتقال، التي تندرج ضمن خصائص الزراعة المتوسطية، وتوفر ثمارًا مغذية تسهم في الحفاظ على التوازنات البيئية المحلية. وتشكل هذه النباتات مجتمعة عالمًا مصغرا للتنوع البيولوجي، يجمع بين النكهة، والرائحة، والفوائد البيئية.
ومن بين الأنواع النباتية المميزة، تبرز شجرة البقّان، وهي شجرة مثمرة أصلها من أمريكا الشمالية، تشتهر بثمارها الغنية بالدهون الصحية. وعلى الرغم من تفضيلها للمناخ الحار والرطب، إلا أنها أظهرت قدرة على التكيف مع بعض المناطق بالمغرب.
كما تزدهر في الحديقة النباتات البصلية الشكل، مثل زهور التوليب والنرجس البري، التي تُزهر في فصلي الربيع والصيف، ولا تتطلب عناية كبيرة، فضلا عن تميزها بألوانها الزاهية وبعض خصائصها الطبية.

اليوم، لم تعد الحديقة التجريبية النباتية مجرد فضاء للنزهة، بل أصبحت تراثا حيا يعكس التلاقي بين العلم والطبيعة والتاريخ، ومكوّنا أساسيا من هوية الرباط كمدينة حديثة ذات جذور ضاربة في العمق البيئي والثقافي.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »