محمد الحدوشي يكتب : التضامن المطلق مع أصحاب البذلة السوداء

اورو مغرب29 يناير 2026آخر تحديث :
محمد الحدوشي يكتب : التضامن المطلق مع أصحاب البذلة السوداء

اورو مغرب بقلم : محمد الحدوشي

ليست المحاماة مجرد مهنة تُمارَس بين جدران المحاكم أو على هوامش النصوص القانونية، بل هي رسالة أخلاقية ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، وضمير حيّ يسكن قلب المجتمع قبل أن يسكن دفاتر القوانين. إنها البذلة السوداء التي لا يكسوها السواد حدادًا، بل وقارًا ومهابة، ولا تُرتدى استعراضًا للسلطة، بل تعبيرًا عن التزام دائم بالحق، واصطفاف ثابت إلى جانب العدل مهما تبدّلت الموازين وتغيرت ملامح القوة والنفوذ.
فالمحامي ليس مجرد ناطق باسم موكله أو عارفٍ بمساطر التقاضي، بل هو صوت القانون حين يعلو الضجيج، وجسر العبور بين القاعدة القانونية المجردة والإنسان بلحمه وهمومه وآماله. في حضوره تتجسد العلاقة الدقيقة بين النص والواقع، بين المبدأ والتطبيق، وبين الحق كقيمة سامية والعدالة كفعل يومي يُمارَس في تفاصيل الحياة. ولذلك ارتبطت المحاماة، عبر العصور، بمعاني الحرية والكرامة، وكانت دائمًا رافعة أساسية من روافع دولة القانون وحصنًا منيعًا في وجه التعسف والانحراف.
وفي التجربة المغربية، ظلت هيئات المحامين جزءًا أصيلًا من البناء المؤسساتي للعدالة، وشريكًا تاريخيًا في ترسيخ قيم الإنصاف والمساواة أمام القضاء. لم تكن ساحات المحاكم بالنسبة لهم مجرد فضاء مهني، بل منابر لقول كلمة الحق، ومساحات للدفاع عن الحقوق، وميادين لتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. لقد أسهمت المحاماة، عبر مسار طويل من العمل والتراكم، في صياغة وعي قانوني جماعي يرى في العدالة حقًا لا منحة، وفي القانون أداة للتحرر لا وسيلة للهيمنة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الوقفة الاحتجاجية التي خاضها أصحاب البذلة السوداء رفضًا لمشروع القانون المنظم لمهنتهم دلالة تتجاوز حدود الخلاف المهني أو المطالب الفئوية. إنها تعبير صريح عن قلق مشروع إزاء مستقبل الاستقلالية المهنية، وتنبيه واضح إلى مخاطر أي مساس بالتوازن الدقيق بين مكونات منظومة العدالة. فالمحاماة، في جوهرها، ليست وظيفة إدارية قابلة للتقييد بالإجراءات وحدها، بل سلطة معنوية حرة، ينهض دورها على الاستقلال والجرأة والمسؤولية.
لقد خرج المحامون إلى الشارع بهدوء الواثقين بعدالة قضيتهم، يحملون بذلتهم السوداء لا كلباس عادي، بل كرمز لتاريخ طويل من الترافع والنضال، وذاكرة مهنية حافلة بالوقوف إلى جانب المظلومين في أحلك اللحظات. كان حضورهم رسالة واضحة مفادها أن الإصلاح الحقيقي لا يُبنى بمنطق الإملاء أو التغليب، بل بالحوار الصادق والشراكة المسؤولة والتوافق الذي يحفظ كرامة المهنة ويصون حقوق المتقاضين في آن واحد.

فإصلاح منظومة العدالة، مهما بلغت ضرورته وأهميته، يظل مشروعًا ناقصًا إذا لم يستحضر موقع المحاماة باعتبارها ركنًا أساسيًا من أركانها، وشريكًا لا غنى عنه في تحقيق أهدافها. إن استقلال المحامي هو في جوهره امتداد لاستقلال القضاء، وأي إخلال بهذه المعادلة ينعكس مباشرة على ثقة المواطن في العدالة، وعلى صورة دولة القانون في الوجدان الجماعي.
ومن هذا المنبر، أسجل تضامني المطلق مع أصحاب البذلة السوداء، تضامنًا نابعًا من إيمان راسخ بأن الدفاع عن المحاماة هو دفاع عن العدالة ذاتها، وعن كرامة المتقاضي قبل كرامة المحامي، وعن حرية المجتمع قبل حرية المهنة. إنه تضامن مع موقف يذكّر الجميع بأن الحقوق لا تُصان بالنصوص وحدها، بل بالإرادات الحرة التي تحرسها، وبالضمائر الحية التي ترفض التفريط فيها مهما كانت الكلفة.
ستظل المحاماة، كما كانت عبر التاريخ، صخرة شامخة في وجه الظلم، ومنارة تهدي السائرين في دروب الحقوق، وقلعة لا تُفتح إلا بمفاتيح النزاهة والاستقلال. وسيظل أصحاب البذلة السوداء، ما داموا أوفياء لرسالتهم، القلب النابض للعدالة، والصوت الذي لا يخفت في زمن تتعالى فيه الضوضاء وتتشابك فيه المصالح. ففي صمودهم صمود للحق، وفي وقفتهم وقفة لكرامة القانون، وفي تضامن المجتمع معهم تتجسد ملامح دولة تُبنى على الإنصاف لا على الغلبة، وعلى الشراكة لا على الإقصاء، وعلى العدالة لا على المجاملة

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »