اختتام الدورة الرابعة عشرة للمعرض الوطني للكتاب المستعمل بالدار البيضاء حينما يواصل الكتاب حياته بين القراء

اورو مغربمنذ 11 دقيقةآخر تحديث :
اختتام الدورة الرابعة عشرة للمعرض الوطني للكتاب المستعمل بالدار البيضاء حينما يواصل الكتاب حياته بين القراء

اورو مغرب سعيد غصان

اختتمت بمدينة الدار البيضاء، يوم الاثنين 10 غشت 2026، فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمعرض الوطني للكتاب المستعمل، بعد واحد وعشرين يوما من الحضور الثقافي المتواصل، امتدت من 20 يوليوز إلى 10 غشت بحديقة الأرجوان بشارع محمد السادس، قرب منطقة القريعة. ونظم المعرض نادي القلم المغربي بتنسيق مع مقاطعة الفداء والكتبيين، فيما تولى مختبر السرديات الإشراف العلمي على البرنامج الثقافي، تحت شعار “الثقافة التي تجمعنا”.

وبقدر ما كان المعرض فضاء لعرض عشرات الآلاف من الكتب وتداولها، فقد بدا خلال هذه الدورة أقرب إلى تظاهرة ثقافية مفتوحة على المدينة. فبين أروقته التقى القراء والكتبيون والطلبة والباحثون والكتاب والمبدعون، وتجاورت الرواية والشعر والفكر والتاريخ والفلسفة وكتب الأطفال والمراجع الجامعية، إلى جانب دوريات وطبعات قديمة وإصدارات نفدت من المكتبات أو يصعب العثور عليها في السوق. وأشارت تغطيات صحفية للمعرض إلى أن بعض الكتب عرضت بأثمان تبدأ من درهمين، وهو ما منح المبادرة بعدا اجتماعيا واضحا، خصوصا بالنسبة إلى الطلبة والشباب والقراء ذوي الإمكانات المحدودة. وتنبع أهمية المعرض من طبيعة الكتاب الذي يحتفي به. فالكتاب المستعمل ليس مجرد نسخة أقل كلفة من الكتاب الجديد، إنه يحمل في كثير من الأحيان ذاكرة زمن وقراءة سابقة، ثم ينتقل إلى قارئ آخر ليبدأ حياة جديدة. ومن هنا يصبح تداول الكتاب شكلا من أشكال استدامة المعرفة وصيانة الذاكرة الثقافية، كما يتيح للطلبة والباحثين وعموم القراء الوصول إلى مؤلفات ومراجع قد يصعب اقتناؤها بسبب ندرتها أو كلفتها.

غير أن الدورة الرابعة عشرة لم تختزل نفسها في البيع والاقتناء، إذ رافق المعرض برنامج فكري وأدبي متنوع جعل منه فضاء يوميا للنقاش والحوار. واستهلت البرمجة بمائدة مستديرة حول شعار «الثقافة التي تجمعنا»، إلى جانب استحضار تجربة القاص والروائي المغربي محمد زفزاف، أحد أبرز أسماء السرد المغربي الحديث. كما ناقشت اللقاءات مهنة الكتبي وإسهامها في القراءة، وعلاقة الطفل بالكتاب، وأدب اليافعين، والتاريخ والمجال والذاكرة، والشعر وقضايا التربية والمدرسة، فضلا عن تقديم عدد من الإصدارات الجديدة. وامتدت دائرة الاهتمامات خلال الأسابيع اللاحقة إلى لقاءات حول السينما الشبابية المستقلة، والتعليم الإلكتروني في الجامعة المغربية في ظل تحديات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المسرح والقصة والأمسيات الشعرية والتجارب الإبداعية المختلفة. وهو تنوع منح المعرض وظيفة تتجاوز السوق، وحوله إلى مساحة يلتقي فيها الكتاب القديم بالأسئلة الجديدة، كما يلتقي فيها الأكاديمي والمبدع والكتبي والقارئ والطفل واليافع داخل فضاء ثقافي واحد.

وتكتسب هذه الدورة دلالة إضافية لكونها تأتي بعد استئناف المعرض نشاطه في السنة الماضية إثر توقف دام خمس سنوات. فقد أعادت دورة 2025 الموعد إلى المشهد الثقافي البيضاوي، قبل أن تأتي الدورة الرابعة عشرة لتؤكد استمراره وقدرته على استقطاب جمهور يبحث ليس فقط عن الأسعار المناسبة، وإنما أيضا عن عناوين نادرة وموسوعات ومجلات ودوريات وطبعات قديمة يصعب العثور عليها في المكتبات التجارية. وقد تميزت دورة 2026 أيضا، بكون نادي القلم المغربي لم يتلق دعما ماليا من أية جهة، واعتمد في إنجاز المعرض على إمكانياته الذاتية وعلى جهود أعضائه وإرادتهم في ضمان استمراره. وتمنح هذه التجربة للمبادرة بعدا خاصا، إذ تكشف قدرة الفعل الثقافي المدني على صناعة حضوره حين تتوافر الإرادة، لكنها تطرح، في الوقت نفسه، سؤالا حول الحاجة إلى مواكبة المبادرات الثقافية التي أثبتت قدرتها على الوصول المباشر إلى الجمهور والاستمرار في الزمن.

ومع إسدال الستار على الدورة الرابعة عشرة، يكون المعرض الوطني للكتاب المستعمل قد أكد مرة أخرى أن الكتاب القديم ليس كتابا انتهى دوره. إنه كتاب يواصل حياته كلما انتقل من يد إلى أخرى، ويستعيد قيمته كلما وجد قارئا جديدا. كما أن نجاح هذه الدورة يبرز حاجة الدار البيضاء إلى مثل هذه المواعيد القريبة من الناس، حيث تخرج الثقافة من القاعات المغلقة إلى فضاءات المدينة، ويصبح الكتاب جزءا من الحياة اليومية.

وتبدو رسالة الدورة، في النهاية، بسيطة وقوية: “الثقافة التي تجمعنا” ليست شعارا فقط، إنها ممارسة تتحقق حين يصبح الكتاب في متناول الجميع، وحين يتحول فضاء عرضه إلى مكان للقاء والحوار وتبادل المعرفة.. لتظل الحاجة قائمة إلى استمرار هذا الموعد وتطويره وتوسيع إشعاعه، بما يعزز مكانة القراءة والكتاب في الدار البيضاء وفي المشهد الثقافي المغربي عموما.

نادي القلم المغربي – الدار البيضاء
penmaroc@gmail.com

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »