حسن أوريد يشعل أيام لوكيوس المسرحية بالناظور بتوقيع “سيرة حمار” في لحظة ثقافية جمعت الأدب بأسئلة الإنسان والواقع

اورو مغرب29 مارس 2026آخر تحديث :
حسن أوريد يشعل أيام لوكيوس المسرحية بالناظور بتوقيع “سيرة حمار” في لحظة ثقافية جمعت الأدب بأسئلة الإنسان والواقع

اورو مغرب إعداد: محمد الحدوشي

احتضنت مكتبة المركب الثقافي بمدينة الناظور، زوال السبت 28 مارس 2026، حفل توقيع وتقديم رواية “سيرة حمار” للكاتب والمفكر المغربي الدكتور حسن أوريد، وذلك ضمن افتتاح فعاليات أيام لوكيوس المسرحية في دورتها الأولى، التي اختير لها اسم دورة المرحوم محمد بودهان، والمنظمة من طرف جمعية لوكيوس للمسرح الأمازيغي بالناظور، بشراكة مع المديرية الجهوية للثقافة بجهة الشرق ممثلة في إدارة المركز الثقافي بالناظور، بمناسبة اليوم العالمي للمسرح.
وشكل هذا الموعد الثقافي محطة متميزة في برنامج التظاهرة، بالنظر إلى القيمة الفكرية والأدبية للاسم المحتفى به، وكذا لطبيعة العمل الروائي الذي تم تقديمه، حيث استقطب اللقاء حضورا لافتا ضم فاعلين مدنيين وثقافيين وفنانين وباحثين وطلبة ومهتمين بالشأن الأدبي، في مشهد يعكس تنامي الاهتمام بالفعل الثقافي بمدينة الناظور، وقدرة المبادرات الجادة على استقطاب جمهور نوعي متعطش للنقاش والمعرفة.
وتولى تسيير وتقديم هذا اللقاء كل من الدكتور يوسف توفيق والأستاذ أحمد زاهد، حيث أُديرت فقراته بروح حوارية أتاحت للحاضرين الاقتراب من عوالم الرواية، والانصات إلى خلفياتها الفكرية والرمزية، كما فتحت المجال أمام نقاش تميز بالرصانة والعمق، سواء من خلال الأسئلة المؤطرة أو من خلال تفاعل الجمهور مع مضامين العمل وسياقاته.
ولم يكن تقديم رواية “سيرة حمار” مجرد مناسبة للاحتفاء بإصدار أدبي ذائع الصيت، بل تحول إلى لحظة تأمل جماعي في أسئلة الإنسان والسلطة والمعنى والحرية. فالرواية، الصادرة سنة 2014 عن دار الأمان بالرباط، تعد من الأعمال السردية التي أثارت اهتماما واسعا في الأوساط الثقافية، لما تنطوي عليه من حمولة رمزية وفكرية عميقة، ولما تعتمده من بناء حكائي يزاوج بين السخرية المرة والتأمل الفلسفي والنقد الضمني للواقع.
وتحكي الرواية قصة أزربال، الشاب المتعلم المثقف، الذي ينشأ في بيئة مشبعة بالأسئلة والمعرفة، قبل أن يخوض تجربة احتكاك بالعالم وبالمدن الكبرى وطرق التفكير المختلفة، ثم يعود إلى واقعه حاملا وعيا قلقا ورغبة في القبض على الحقيقة. غير أن هذا المسار لا يفضي إلى الطمأنينة، بل إلى التحول المأساوي الذي يجعل الشخصية تنتقل إلى وضعية “الحمار”، بما يختزنه هذا التحول من أبعاد رمزية تتجاوز الظاهر الحكائي إلى مساءلة شروط الوجود الإنساني، وحدود المعرفة، ومأزق الكائن حين يعجز عن الإفصاح الكامل عما يخالجه.
وفي معرض إجابته عن أسئلة المؤطرين والحاضرين، توقف الدكتور حسن أوريد عند سياق كتابة الرواية، موضحا أن هذا النص ولد من شعور عميق بأن الإنسان لا يستطيع قول كل شيء، وأن اللغة، رغم اتساعها، تظل عاجزة أحيانا عن الإفصاح عن بعض الحقائق أو التجارب أو الهواجس الداخلية. ومن هنا، بحسب أوريد، جاءت الكتابة السردية كأفق بديل للتلميح والالتقاط وإعادة تركيب المعنى، لا باعتبارها ادعاء بامتلاك الحقيقة، وإنما باعتبارها سعيا إلى الاقتراب منها عبر الفن والرمز.
وأكد أوريد أن الشخصية الرئيسية في الرواية، على الرغم مما راكمته من معرفة وما حازته من تكوين ثقافي، تكتشف أن زادها الأكاديمي لم يكن كافيا لمنحها المعنى الكامل للوجود، وأن الاحتكاك المباشر بالواقع هو الذي صاغ وعيها الحقيقي. ومن هذا المنطلق، بدا واضحا أن الرواية لا تنتصر للمعرفة النظرية وحدها، بل تضعها موضع مساءلة حين تنفصل عن التجربة الحية وعن معاناة الكائن في واقعه اليومي. كما أشار إلى أن الشخصية، وهي تعيش وضعية “الحمار”، كانت تؤدي دورا داخل “سيرك الحياة”، إلا أن هذه الهامشية نفسها منحتها قدرة خاصة على رؤية ذاتها من الخارج، وعلى التقاط تناقضات العالم من موقع غير مألوف.
هذا التصور منح اللقاء بعدا فكريا يتجاوز تقديم العمل الأدبي إلى مساءلة الشروط التي تنتج الكتابة نفسها، وحدود الذات في التعبير عن قلقها وأسئلتها. كما فتح النقاش حول التماس بين الذاتي والموضوعي في الرواية، حيث أوضح حسن أوريد أن الكتابة لا تدعي تلخيص الوعي ولا تقديم حقيقة نهائية، بل تحاول الإمساك بالأفكار الكبرى المضطربة في الذهن، وصياغتها في شكل أدبي يتيح للقارئ أن يعيد تأويلها وفق تجربته الخاصة.
وعرفت فقرات اللقاء كذلك مداخلات وشهادات حية لعدد من المثقفين والباحثين والفاعلين الجمعويين، الذين أجمعوا على أهمية استضافة أسماء فكرية وأدبية وازنة من حجم حسن أوريد في مدينة الناظور، واعتبروا أن تنظيم مثل هذه المبادرات يسهم في توسيع أفق التلقي الثقافي، ويعزز مكانة المدينة كفضاء قابل لاستقبال النقاشات الفكرية الرفيعة والانفتاح على التجارب الإبداعية المغربية الرائدة.
كما أبرز عدد من المتدخلين أن الاحتفاء برواية من قبيل “سيرة حمار” داخل تظاهرة مسرحية ليس أمرا عرضيا، بل يكشف عن وعي المنظمين بضرورة مد الجسور بين مختلف التعبيرات الإبداعية، من مسرح وأدب وفكر، بما يخلق دينامية ثقافية أكثر اتساعا وعمقا. فالرواية بما تحمله من أبعاد رمزية وصور سردية وأسئلة وجودية، تلتقي مع المسرح في مساءلة الواقع والكشف عن مفارقاته، وفي تحويل الحكي إلى أداة للفهم والنقد وإعادة النظر.
ويكتسي هذا اللقاء أيضا قيمة رمزية خاصة لكونه جاء في افتتاح أيام لوكيوس المسرحية، وهي التظاهرة التي اختارت أن تحمل دورتها الأولى اسم الراحل محمد بودهان، في التفاتة وفاء لذاكرة أحد الأسماء الفكرية الأمازيغية البارزة. كما أن اقتران التظاهرة باليوم العالمي للمسرح منحها بعدا احتفاليا إضافيا، جعل من الناظور خلال هذه الأيام فضاء مفتوحا للحوار بين الذاكرة والإبداع، وبين الوفاء للمسارات الثقافية السابقة والانفتاح على أسئلة الحاضر.
ولعل ما ميز هذا الحفل، إلى جانب قيمته الأدبية، هو الأجواء الراقية التي طبعته، حيث بدا واضحا أن الجمهور لم يحضر فقط من أجل توقيع كتاب، بل من أجل الإنصات إلى تجربة فكرية وأدبية تحمل أسئلة معقدة حول الإنسان ومصيره وحدود حريته وهو ما جعل اللقاء يتجاوز شكله البروتوكولي المعتاد، ليتحول إلى لحظة ثقافية حقيقية أعادت التأكيد على أن الناظور تملك جمهورا قادرا على التفاعل مع النصوص العميقة، ومبادرات ثقافية تستحق المواكبة والتثمين.
إن حفل توقيع وتقديم رواية “سيرة حمار” للدكتور حسن أوريد لم يكن مجرد فقرة ضمن برنامج تظاهرة ثقافية، بل كان عنوانا بارزا على حيوية المشهد الثقافي المحلي، وعلى أهمية الرهان على الثقافة الجادة في بناء فضاءات للنقاش العمومي الهادئ والمثمر. كما أكد هذا الموعد أن الفعل الثقافي، حين يُحسن تنظيمه ويُحسن اختيار ضيوفه وموضوعاته، قادر على أن يخلق لحظات استثنائية تعيد الاعتبار للكتاب وللقراءة وللأسئلة الكبرى التي لا ينفك الإنسان يطرحها على نفسه وعلى العالم

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »