اورو مغرب بقلم: محمد الحدوشي
ليست كل القرارات الإدارية مجرد وثائق توقع أو مراسيم تنشر في الجريدة الرسمية، فبعضها يحمل في طياته أحلام أجيال كاملة، ويختزل سنوات طويلة من الانتظار والترافع والعمل الهادئ والمسؤول. ومن هذا القبيل يندرج القرار التاريخي القاضي بتحويل الكلية متعددة التخصصات بالناظور إلى أربع كليات مستقلة ومتخصصة، وهو إنجاز أكاديمي كبير سيظل محفوراً في ذاكرة الجامعة وفي وجدان ساكنة الإقليم لعقود قادمة.
وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، يصبح من واجب الإنصاف والاعتراف بالجميل أن نتوقف عند الرجال والنساء الذين كانوا وراء هذا الورش الكبير، وساهموا في إخراجه من دائرة الحلم إلى حيز الواقع.
فأول كلمات الشكر والتقدير تتجه إلى الدكتور ياسين زغلول، رئيس جامعة محمد الأول بوجدة، الذي قاد هذا المشروع برؤية استراتيجية بعيدة المدى، وإرادة مؤسساتية راسخة، وإيمان عميق بأحقية إقليم الناظور في التوفر على مؤسسات جامعية متخصصة تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية التي تعرفها المنطقة. لقد برهن الرجل، من خلال متابعته الدقيقة لهذا الملف، على أن القيادة الجامعية الحقيقية لا تقاس فقط بتدبير الحاضر، بل بقدرتها على استشراف المستقبل وصناعة التحولات الكبرى.
كما يتوجه الشكر والتقدير إلى الدكتور علي ازديموسي، عميد الكلية متعددة التخصصات بالناظور، الذي واكب هذا المسار بكل مسؤولية واقتدار، وساهم من موقعه الأكاديمي والإداري في تهيئة الظروف المناسبة لإنجاح هذا المشروع. فقد ظل حاضراً في مختلف مراحل البناء والتطوير، مؤمناً بأن النهوض بالمؤسسة الجامعية لا يتحقق إلا من خلال التخصص والجودة والانفتاح على حاجيات المجتمع ومحيطه الاقتصادي.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشادة بالسيدات والسادة أعضاء مجلس جامعة محمد الأول، الذين جسدوا أسمى معاني المسؤولية الجماعية من خلال مصادقتهم بالإجماع على هذا المشروع الطموح. لقد كان موقفهم تعبيراً راقياً عن روح المؤسسة، وعن إيمان مشترك بأن الجامعة ليست بنايات وقاعات فحسب، بل هي رافعة للتنمية ومشتل للكفاءات ومنارة للمعرفة.
إن هذا التحول الهيكلي ليس مجرد تغيير في التسمية أو إعادة توزيع للاختصاصات، بل هو ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ التعليم العالي بإقليم الناظور. مرحلة ستفتح آفاقاً أوسع أمام الطلبة والباحثين، وستعزز جودة التكوين والبحث العلمي، كما ستمنح الجامعة قدرة أكبر على التفاعل مع الأوراش التنموية الكبرى التي يشهدها الإقليم، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط والمشاريع الاقتصادية واللوجستية المرتبطة به.
واليوم، ونحن نستحضر هذا المكسب الأكاديمي النوعي، فإننا لا نحتفل فقط بإحداث أربع كليات مستقلة، بل نحتفل بانتصار فكرة طالما آمن بها أبناء المنطقة، مفادها أن الاستثمار في الجامعة هو استثمار في الإنسان، وأن بناء المؤسسات العلمية القوية هو الطريق الأقصر نحو التنمية الحقيقية.
فشكراً للدكتور ياسين زغلول على قيادته الحكيمة لهذا الورش التاريخي، وشكراً للدكتور علي ازديموسي على جهوده المتواصلة في خدمة المؤسسة الجامعية، وشكراً لأعضاء مجلس الجامعة الموقر على موقفهم المسؤول، ولا يفوتنا في هذا المقام أن نعبر عن بالغ التقدير والامتنان لكافة الأستاذات والأساتذة الذين تعاقبوا على التدريس والتأطير بالكلية متعددة التخصصات بالناظور، والذين شكلوا على مدى سنوات طويلة العمود الفقري لهذه المؤسسة الجامعية. فبفضل عطائهم العلمي المتواصل، وتفانيهم في تكوين الأجيال، وإسهاماتهم البحثية والأكاديمية، استطاعت الكلية أن تفرض مكانتها داخل المشهد الجامعي الوطني وأن تحقق إشعاعاً علمياً متزايداً. لقد كان هؤلاء الأساتذة، بمختلف تخصصاتهم، شركاء حقيقيين في صناعة هذا النجاح، وحملةً لمشعل المعرفة والتنوير، مؤمنين برسالة الجامعة ودورها في بناء الإنسان وخدمة المجتمع. وإن ما تحقق اليوم من تحول تاريخي للمؤسسة هو ثمرة سنوات من العمل الجاد والتراكم العلمي والبيداغوجي الذي ساهموا فيه بكل إخلاص ومسؤولية، فاستحقوا بكل جدارة أن يكونوا جزءاً أساسياً من هذا الإنجاز الجماعي الذي تفخر به الناظور وجهة الشرق بأكملها ، وشكراً لكل من ساهم من قريب أو بعيد في تحقيق هذا الحلم الجماعي.
وسيظل هذا القرار علامة مضيئة في سجل جامعة محمد الأول، ومحطة فارقة في مسار الناظور الأكاديمي، وخطوة راسخة نحو جامعة أكثر تخصصاً، وأكثر جودة، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل .













عذراً التعليقات مغلقة