خرائط الغياب: جغرافيا الذاكرة ومتاهة الذات بين المكان والزمن. قراءة نقدية في القصة القصيرة (خرائط التيه) للكاتبة عتيقة هاشمي

اورو مغربمنذ 9 دقائقآخر تحديث :
خرائط الغياب: جغرافيا الذاكرة ومتاهة الذات بين المكان والزمن. قراءة نقدية في القصة القصيرة (خرائط التيه) للكاتبة عتيقة هاشمي

اورو مغرب بقلم الناقد عبد العزيز الخشبي

 


———————
يكتب نص «خرائط الغياب» لعتيقة هاشمي من المنطقة الفاصلة بين السرد والشعر، وبين الحكاية والتأمل الفلسفي، مستثمرًا رحلة ظاهرها جغرافي، وباطنها رحلة شديدة الالتباس في أعماق الذات. فالساردة لا تسافر بحثًا عن مدينة، ولا عن اكتشاف المكان بقدر ما تسافر بحثًا عن شيء مفقود داخلها، شيء لا تعرف له اسمًا ولا تستطيع الإمساك بملامحه. ومن هنا فإن السفر في النص لا يؤدي وظيفته التقليدية بوصفه انتقالًا من مكان إلى آخر، بل يصبح استعارة كبرى للبحث عن الذاكرة، وعن الذات، وعن ذلك الغياب الذي يتخفى أحيانًا في هيئة فراغ. إن النص، في جوهره، لا يتحدث عن الأمكنة بقدر ما يتحدث عن علاقتنا بها، ولا يتحدث عن النسيان بوصفه فقدًا للذاكرة، وإنما بوصفه شكلًا آخر من أشكال الحضور المؤجل.
ولعل المدخل الأكثر خصوبة إلى النص هو أن «خرائط الغياب» لا تقدم الذاكرة باعتبارها صندوقًا نضع فيه الماضي ثم نعود إليه متى شئنا، وإنما تقدمها بوصفها فعلًا مستمرًا من الانتقاء وإعادة البناء. وهذا ما يقترب من التصور الحديث للذاكرة باعتبارها عملية فرز دائمة بين التذكر والنسيان، لا مجرد مخزون ثابت من الصور الماضية. ومن هنا تصبح الساردة في النص لا امرأة فقدت ذاكرتها، وإنما امرأة فقدت القدرة على العثور على المفتاح الذي يفتح أبوابها.

تبدأ الكاتبة من جملة تبدو بسيطة: «كلما شعرت أن ذاكرتي تعاني فراغًا.. أحجز تذكرة وأغادر..»، لكنها تؤسس منذ البداية للمفارقة المركزية التي سيبني عليها النص عالمه الدلالي. فالفعل «أغادر» يأتي بوصفه رد فعل على «الفراغ»، وكأن الذات تعتقد أن مواجهة النقص الداخلي ممكنة عبر الحركة الخارجية. إنها تحاول أن تعالج أزمة الذاكرة بتغيير الجغرافيا، وأن تستبدل الأمكنة القديمة بأمكنة جديدة، وكأن الذاكرة يمكن ترميمها بالمسافة.

غير أن النص سرعان ما يكشف زيف هذا الاعتقاد حين تقول الساردة: «كلما اتسعت الخريطة، ضاق المكان في داخلي». وهذه العبارة من أكثر عبارات النص كثافة، لأنها تقوم على مفارقة هندسية ونفسية في آن واحد: اتساع الخارج يقابله انكماش الداخل. كلما ازدادت المدن، ازداد الشعور بالضيق؛ وكلما كثرت الخرائط، اتسعت مساحة الغياب.

إنها مفارقة تكشف جوهر التجربة: نحن لا نهرب دائمًا من الأمكنة، بل نهرب أحيانًا من أنفسنا التي تركناها في تلك الأمكنة. ولهذا يبدو السفر في النص حركة في المكان، لكنه في العمق دوران حول جرح داخلي واحد. فكل مدينة جديدة لا تضيف إلى الساردة ذاكرة بقدر ما تكشف لها أن الذاكرة التي تبحث عنها ليست خارجها.

وهنا تبرز الخريطة بوصفها الرمز المركزي في النص. فالخريطة في معناها الواقعي تمثل المكان وتختصره في خطوط وحدود وأسماء، لكنها في النص تتحول إلى وثيقة لفشل الذاكرة في استعادة ما فقدته. إنها ليست خريطة للأمكنة فقط، وإنما خريطة للغياب نفسه. وكلما راكمت الساردة الخرائط، كانت في الحقيقة تراكم أدلة على عجزها عن الوصول إلى المكان الذي تبحث عنه.

الخريطة، إذن، ليست صورة للعالم الخارجي، وإنما صورة للذات وهي تحاول أن تمنح الفوضى شكلًا. والخريطة تفترض أن العالم قابل للقياس: طرق، حدود، أسماء، مسافات، اتجاهات. لكن الذاكرة الإنسانية تقاوم هذا التنظيم؛ فهي لا تتحرك شمالًا وجنوبًا، وإنما تقفز من رائحة إلى وجه، ومن صوت إلى مكان، ومن لمسة إلى زمن كامل. ولذلك تفشل الخريطة أمام الذاكرة لأنها تستطيع أن تحدد موقع المدينة، لكنها تعجز عن تحديد موقع الحنين.

ومن هنا تكتسب العبارة المكتوبة على ظهر إحدى الخرائط: «المكان الذي تبحث عنه ليس هنا»، قيمة مركزية في البناء الدلالي للنص. إنها لحظة انكشاف معرفي داخل السرد؛ لحظة انتقال من البحث في الخارج إلى مساءلة الداخل. فالذات تكتشف أن المشكلة لم تكن في قلة الأماكن، بل في خطأ السؤال نفسه.

وهذه العبارة يمكن أن تكون المفتاح التأويلي الأكبر للنص كله؛ لأن «هنا» لا تعني المكان الجغرافي فحسب، بل تعني كل محاولة للعثور على الذات في الخارج. وكأن النص يقول إننا قد نقطع آلاف الكيلومترات بحثًا عن شيء لا يمكن العثور عليه إلا بالعودة إلى الداخل.

ومن الناحية النفسية، يقدم النص صورة عميقة للإنسان الذي يحاول الهروب من مواجهة ذاته عبر الانشغال بالعالم الخارجي. السفر هنا يمكن قراءته بوصفه آلية دفاع نفسية؛ فبدل أن تواجه الساردة ما يؤلمها، تواصل الحركة. إنها لا تستقر بما يكفي لكي تصغي إلى نفسها. تلتقط الصور، تشتري الهدايا، تدون أسماء الأماكن، وتجمع الخرائط، وكأنها تمارس طقوسًا لتعويض شيء لا تعرفه.

واللافت أن الساردة لا تكتفي بالسفر، بل تمارس طقسًا كاملًا لتثبيت ما تخشى فقدانه: التصوير، اقتناء الهدايا، تدوين الأمكنة، وجمع الخرائط. وهذه الأفعال يمكن فهمها باعتبارها محاولات لصناعة «ذاكرة مادية». إنها تحول التجربة إلى أشياء يمكن الاحتفاظ بها، لأن الشيء المادي يبدو أكثر أمانًا من الذاكرة المتغيرة. غير أن المفارقة أن كل هذه الأشياء لا تنجح في استعادة ما ضاع؛ لأن الذاكرة ليست في الصورة، ولا في الهدية، ولا في الورقة، وإنما في العلاقة الشعورية التي تربط الذات بها.

وهذه الفكرة تقود إلى التمييز بين ذاكرة المكان وذاكرة الشعور. فالساردة تستطيع أن تتذكر أنها زارت مدنًا، وأن لديها صورًا وخرائط وهدايا، لكنها لا تستطيع استعادة المعنى الذي جعل تلك الأمكنة جزءًا من حياتها. وكأن الذاكرة لا تحفظ الجغرافيا بذاتها، بل تحفظ الانفعال المرتبط بها.

وهنا يستدعي النص، من بعيد، تجربة مارسيل بروست في الكتابة عن الذاكرة غير الإرادية؛ فالذاكرة عند بروست لا تعود بالضرورة حين نطلبها، وإنما قد تستيقظ من خلال إحساس عابر أو مذاق أو رائحة أو ملمس. وقد أصبحت «الذاكرة غير الإرادية» من المفاهيم المركزية في قراءة عالم بروست، لأنها لا تستعيد الماضي كصورة جامدة، بل تعيد إلينا تجربة الماضي وقوة الإحساس المرتبط به. ومن هذه الزاوية، تبدو عتيقة هاشمي وكأنها تقترح نقيضًا لطريقة بروست: بطلة النص تبحث عن الذاكرة عمدًا، فتزداد ابتعادًا عنها؛ بينما الذاكرة الحقيقية قد تأتي إليها حين تتوقف عن البحث.

لذلك حين تقول: «كانت غاصة بأشياء لم أجد لها أسماء»، فإنها تنقل الأزمة من مستوى النسيان إلى مستوى العجز عن التسمية. وهذه من أجمل التحولات الدلالية في النص: الفراغ ليس فراغًا حقيقيًا، بل امتلاء غير قابل للقول. ما تعجز الذات عن تسميته يبدو لها فراغًا، بينما هو في الحقيقة كتلة من المشاعر والتجارب والذكريات غير المصاغة.

وهنا تتقاطع الذاكرة مع اللغة. فالإنسان قد يحمل تجربة كاملة في داخله لكنه لا يستطيع تحويلها إلى كلمات. وحين تعجز اللغة عن تسمية الألم، يبدو الألم كأنه فراغ. لذلك فإن النص لا يتحدث عن «نسيان» بالمعنى البسيط، بل عن ذاكرة بلا لغة. وما يجعل الأشياء غائبة ليس أنها اختفت، بل أنها لم تجد بعد العبارة التي تمنحها شكلًا قابلًا للاستحضار.

وهنا يدخل النص في منطقة فلسفية عميقة تتصل بمشكلة اللغة والذاكرة والهوية. فالإنسان لا يتذكر فقط ما عاشه، وإنما يتذكر غالبًا ما استطاع أن يمنحه اسمًا وسردًا ومعنى. وما لا يجد له اسمًا يبقى عالقًا في منطقة غامضة بين الحضور والغياب. ولذلك فإن الغياب في النص ليس عدمًا، بل هو حضور بلا اسم.

ومن هنا يمكن استحضار بول ريكور الذي ربط الذاكرة بالسرد والهوية، وجعل علاقتنا بأنفسنا وبالماضي تمر عبر عمليات التذكر والتأويل وإعادة بناء الحكاية التي نقولها عن ذواتنا. وقد اهتمت الدراسات الريكورية بالعلاقة بين الذاكرة الشخصية والهوية السردية، أي بالطريقة التي يصبح بها الإنسان قادرًا على فهم نفسه من خلال قصة يرويها عن حياته. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن بطلة «خرائط الغياب» لا تعاني فقط من فقدان بعض الذكريات، بل من اضطراب في الحكاية التي تصوغ بها ذاتها.

وهذا ما يجعل السفر محاولة لإعادة كتابة السيرة الشخصية. كل مدينة تزورها الساردة تبدو كأنها صفحة جديدة تريد أن تكتب عليها نفسها، لكن الصفحات الجديدة لا تستطيع محو الصفحات القديمة. فالماضي لا يختفي بمجرد أن نغادر مكانه، لأننا نحمل منه نسخة داخلية. ولذلك فإن الجغرافيا لا تستطيع وحدها أن تمنحنا بداية جديدة؛ لأن الإنسان يحمل تاريخه معه أينما ذهب.

وتتعمق هذه الرؤية حين نصل إلى الأسرة بوصفها أحد أعمق الأطر التي تتشكل داخلها الذاكرة. فموريس هالبفاكس، مؤسس مفهوم الذاكرة الجمعية، يؤكد أن التذكر لا يحدث في فراغ فردي، بل داخل أطر اجتماعية، ومنها الأسرة؛ وقد خصص في عمله حول الذاكرة الجمعية فصلًا لذاكرة الأسرة وعلاقتها بإعادة بناء الماضي. وبذلك يمكن أن نقرأ «البيت» في نص عتيقة هاشمي لا باعتباره جدرانًا ومكانًا للسكن فقط، بل باعتباره خزانًا للذاكرة العائلية: أصوات، وجوه، روائح، تفاصيل يومية، أبواب، نوافذ، طقوس، وأشياء صغيرة تختزن زمنًا بأكمله.

فالبيت الذي تعود إليه الساردة في نهاية النص يمكن أن يكون أعمق من بيت فردي؛ إنه «بيت الذاكرة»، وربما بيت الطفولة والأسرة والبدايات. ولذلك فإن العودة إليه تمثل عودة إلى الجذر الأول للذات. وإذا كان السفر قد قادها إلى مدن كثيرة، فإن البيت يعيدها إلى المكان الذي تشكلت فيه ذاكرتها الأولى.

ولهذا تبدو لحظة وقوفها أمام الباب لحظة شديدة الأهمية: «وقفت طويلًا أمام الباب.. كأنني أراه للمرة الأولى». فالبيت لم يتغير بالضرورة، لكن عين الساردة تغيرت. وهذا هو أحد أهم أسرار علاقة الإنسان بالمكان: المكان لا يحتفظ بمعناه ثابتًا؛ نحن الذين نعيد اكتشافه كلما تغيرنا.

وهنا تقترب التجربة من فلسفة غاستون باشلار في شعرية المكان، حيث يحتل البيت موقعًا مركزيًا بوصفه فضاءً للحميمية والذاكرة والحلم، لا مجرد بناء مادي. وعلى هذا المستوى، يصبح البيت في نص عتيقة هاشمي صورة للداخل الإنساني نفسه: حين تعود الساردة إلى البيت، فإنها تعود في الحقيقة إلى طبقاتها الداخلية الأولى. الباب الذي تفتحه ليس بابًا خشبيًا أو حديديًا، وإنما عتبة نفسية بين ذاتين: ذات كانت تهرب، وذات بدأت تستعيد نفسها.

لكن الكاتبة لا تكتفي بهذا الكشف، بل تدفع السرد إلى فضاء عجائبي حين تفتح الباب فتجد نفسها أمام «جسر زجاجي معلق في العدم». وهنا ينتقل النص من الواقعي إلى الفانتازي، دون أن يفقد منطقه الداخلي. فالجسر هو أحد أكثر الرموز وضوحًا في النص: إنه معبر بين الماضي والمستقبل، بين الذاكرة والنسيان، بين الحضور والغياب، وبين الذات التي كانت والذات التي ستصبح.

إن الجسر هنا ليس مجرد معبر، وإنما صورة للوعي حين يصبح عالقًا بين زمنين. والزجاج يضاعف المفارقة: إنه يسمح بالرؤية لكنه لا يوفر الأمان. تستطيع الساردة أن ترى الماضي والمستقبل، لكنها لا تستطيع أن تستقر في أي منهما. إنها في حالة «بينية»؛ لا هي عادت تمامًا إلى الماضي، ولا وصلت إلى المستقبل.

ويزداد البناء الرمزي قوة عندما تجعل الكاتبة الماضي عن اليمين والمستقبل عن اليسار. فالمشهد لا يقدم الزمن بوصفه خطًا مستقيمًا، وإنما فضاءً تتجاور فيه الأزمنة. «ماضٍ يبتعد، ومستقبل يقترب»، وهي صياغة تجعل الزمن كائنًا متحركًا لا مجرد إطار للأحداث.

وهذه الحركة الزمنية تحمل بعدًا فلسفيًا بالغ الدلالة: الماضي ليس ميتًا تمامًا، والمستقبل ليس غائبًا تمامًا، والحاضر ليس سوى نقطة توتر بين الاثنين. لذلك فإن الذاكرة لا تستعيد الماضي فقط، بل تعيد تشكيل علاقة الإنسان بما سيكون. فالطريقة التي نتذكر بها أمس تؤثر في الطريقة التي نتخيل بها الغد.

وفي هذا السياق، يلتقي النص مرة أخرى مع التصورات الحديثة للذاكرة التي ترى أن استحضار الماضي مرتبط بالحاضر والمستقبل، وأن الذاكرة ليست عملية استعادة ميكانيكية، بل إعادة بناء للماضي انطلاقًا من حاجات الحاضر. وهذا بالضبط ما يحدث للساردة: إنها لم تكن بحاجة إلى مدينة جديدة، بل إلى حاضر جديد تنظر منه إلى ماضيها.

أما أكثر الصور إثارة فهي صورة الذاكرة الجالسة على عرش الحضور. هنا تبلغ المفارقة ذروتها: الذاكرة التي بدأت الساردة رحلتها بحثًا عنها تظهر في النهاية باعتبارها حاضرة منذ البداية. إنها لم تكن غائبة، بل كانت تختبئ في المكان الخطأ.

وهذه الخلاصة تعيد قراءة النص كله من جديد. فالرحلة لم تكن لاستعادة الذاكرة، وإنما لاكتشاف سوء فهمنا لها. الذاكرة ليست مستودعًا مرتبًا للصور والأحداث، وإنما كيان حي، انتقائي، متشظٍ، يعيد ترتيب الماضي بحسب حاجات الحاضر.

ومن الناحية السوسيولوجية، يمكن توسيع هذا التأويل بالقول إن ذاكرة الفرد لا تنفصل تمامًا عن ذاكرة الجماعة. فهالبفاكس يرى أن التذكر يتم داخل أطر اجتماعية، وأن الأسرة والجماعة والطبقة والمؤسسة تشارك في تشكيل ما نتذكره وكيف نتذكره. وبذلك فإن «أنا» الساردة، رغم حضورها الفردي القوي، تحمل في أعماقها «نحن» خفية: أسرتها، طفولتها، علاقاتها، الأماكن التي صنعتها وصنعتها، وربما خساراتها التي لا تستطيع الإفصاح عنها.

ومن هنا يصبح الغياب في النص غيابًا مزدوجًا: غياب أشخاص وأماكن وأزمنة من جهة، وغياب اللغة القادرة على استحضارهم من جهة أخرى. وهذا ما يمنح النص بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا يتجاوز التجربة الفردية.

وعلى المستوى الفني، يعتمد النص على السرد بضمير المتكلم، وهو اختيار ملائم لطبيعته الاعترافية والتأملية. فضمير «أنا» يجعل القارئ داخل التجربة لا خارجها، ويمنحه إمكانية متابعة التحول النفسي لحظة بلحظة. كما أن النص يقوم على اقتصاد حكائي واضح: فراغ، سفر، خرائط، اكتشاف، عودة، باب، جسر، ثم انكشاف.

وتتميز بنية النص أيضًا بحركة دائرية لافتة: يبدأ بالسفر وينتهي بالعودة، يبدأ بمحاولة العثور على المكان وينتهي باكتشاف الذات، يبدأ باعتقاد أن الذاكرة غائبة وينتهي باكتشاف أنها حاضرة. وهذه الدائرية ليست مجرد تقنية سردية، وإنما تعبير عن حقيقة نفسية: أحيانًا لا نصل إلى مكان جديد، بل نعود إلى المكان القديم وقد أصبحنا نحن أشخاصًا آخرين.

وتتميز لغة عتيقة هاشمي بانحيازها إلى الشعرية دون أن تتخلى عن السرد. فالصور ليست زينة بل أدوات تفكير. «الخريطة»، «المحطة»، «الباب»، «الجسر»، «العدم»، «العرش»؛ كلها مفردات مكانية تحولت إلى مفردات نفسية وفلسفية.

وهذا من أبرز مكامن قوة النص؛ إذ لا تضع الكاتبة الفكرة في صورة خطاب فلسفي مباشر، وإنما تمنحها جسدًا سرديًا. فالنسيان يتحول إلى محطة، والذاكرة إلى عرش، والبحث إلى سفر، والعودة إلى باب، والزمن إلى جسر. وهكذا يصبح المجرد مرئيًا، ويتحول الفكر إلى مشهد أدبي.

كما أن الجمل القصيرة والمتوسطة، وعلامات الحذف، تمنح النص إيقاعًا مترددًا يشبه حركة الذاكرة نفسها: استدعاء، توقف، ارتباك، ثم استبصار. ولذلك فإن الشكل الكتابي ليس محايدًا؛ إنه جزء من التجربة النفسية.

وتتجاوب هذه التقنية مع طبيعة الموضوع؛ فالذاكرة لا تتكلم دائمًا في جمل مكتملة. إنها تتذكر فجأة، تصمت، تتردد، تقفز، ثم تستأنف. ومن ثم فإن علامات الحذف في النص ليست مجرد علامات ترقيم، بل تشبه مناطق الصمت التي تفصل بين ما تستطيع الذات قوله وما تعجز عن قوله.

ومن زاوية اجتماعية، يمكن قراءة النص أيضًا بوصفه مساءلة للإنسان المعاصر الذي أصبح كثير الحركة قليل الوصول إلى ذاته. لقد صار السفر في الثقافة الحديثة علامة على الحرية والانفتاح والاكتشاف، غير أن النص يقلب هذه الصورة رأسًا على عقب. فالسفر قد يكون أحيانًا وسيلة للهروب لا للاكتشاف، وقد تتحول كثرة الأمكنة إلى شكل من أشكال التيه.

وفي عصر الصورة الرقمية، يصبح هذا المعنى أكثر راهنية: الإنسان يصور كل شيء خوفًا من النسيان، لكنه قد يفقد القدرة على تذكر التجربة نفسها. الصورة تحفظ المشهد، لكنها لا تحفظ بالضرورة الإحساس الذي صاحب المشهد. ولذلك تبدو الساردة، وهي تملأ حقيبتها بالصور والهدايا والخرائط، كأنها تمثل إنسانًا معاصرًا يخشى أن يفقد الماضي فيحوله إلى أرشيف، ثم يكتشف أن الأرشيف ليس الذاكرة.

ومن منظور نقدي، يمكن القول إن قوة النص تكمن في وحدة رموزه وتضافرها. فالخريطة تقود إلى المحطة، والمحطة تقود إلى العودة، والعودة تقود إلى الباب، والباب يقود إلى الجسر، والجسر يقود إلى الذاكرة. كل رمز يولد من الرمز السابق، فلا يبدو العالم الفانتازي ملحقًا بالنص، بل نتيجة طبيعية لمساره الداخلي.

كما أن النص ينجح في بناء ما يمكن تسميته «المكان النفسي»: المكان الذي لا يُقاس بالمسافة وإنما بدرجة حضوره في الوجدان. فمحطة لا تعرف الساردة اسمها تصبح أهم من مدينة تعرف أسماء شوارعها؛ وبيت عادي يصبح بوابة إلى العدم؛ وخريطة كاملة تصبح عاجزة عن إرشادها. وهذا انقلاب جميل في سلطة المكان: المكان الخارجي يفقد سلطته، والمكان الداخلي يستعيدها.

ومع ذلك، فإن النص يقترب أحيانًا من التصريح بالفكرة بعد أن تكون الصورة قد قالتها بالفعل، خصوصًا في بعض الجمل التفسيرية التي تعقب لحظات الكشف. لكن هذا المأخذ يظل محدودًا قياسًا إلى قدرة النص على خلق شبكة رمزية متماسكة.

بل يمكن القول إن هذا الميل إلى التفسير يمثل اختيارًا جماليًا مرتبطًا بطبيعة النص التأملية؛ فالنص لا يريد فقط أن يجعل القارئ يعيش الغموض، وإنما يريد أن يدفعه إلى التفكير في معنى ذلك الغموض. غير أن مزيدًا من الثقة بالصورة والرمز كان يمكن أن يمنح بعض المقاطع قوة إيحائية أكبر، لأن القارئ في الأدب الحديث لا يحتاج دائمًا إلى أن تقدم له الفكرة بعد أن يكون قد رآها متجسدة أمامه.

في المحصلة، تنجح عتيقة هاشمي في كتابة نص يتجاوز حكاية امرأة تسافر بحثًا عن ذاكرتها، ليصبح تأملًا في الغياب بوصفه شكلًا من أشكال الحضور، وفي المكان بوصفه ذاكرة، وفي الذاكرة بوصفها جغرافيا داخلية.

وإذا كان بعض الشعراء والمبدعين قد جعلوا المكان ذاكرةً، فإن عتيقة هاشمي تجعل الذاكرة نفسها مكانًا. وهذه النقلة هي ما يمنح نصها فرادته؛ فبدل أن نسأل: أين حدثت الأشياء؟ يدفعنا النص إلى سؤال أكثر عمقًا: أين بقيت الأشياء بعد أن انتهت؟ والجواب الذي يقترحه النص هو: بقيت فينا، ولكنها لم تعد تحمل أسماءها القديمة.

إن أجمل ما يقترحه النص أن الذاكرة ليست مكانًا نذهب إليه، وإنما مكان يسكننا. وأن الغياب ليس حفرة فارغة في الروح، بل أثر حياة لم تجد بعد لغتها المناسبة. لذلك فإن العبارة الأخيرة: «إنما كانت تحفظ الغياب في المكان الخطأ»، لا تغلق النص بقدر ما تفتحه على تأويلات متعددة.

وهنا تتجلى القيمة الفلسفية الكبرى للنص: فليس كل ما غاب قد اختفى، وليس كل ما نسيناه قد مات. بعض الأشياء تستمر فينا بطريقة لا نعرف كيف نسميها. قد يغيب الشخص، لكن يبقى أثره؛ قد يختفي المكان، لكن تبقى رائحته؛ قد ينتهي الزمن، لكن تبقى نبرته في الذاكرة. ومن ثم فإن الغياب ليس نقيض الحضور، وإنما إحدى صوره الخفية.
إنها تقول، في عمقها، إن ما نبحث عنه بعيدًا قد يكون قريبًا إلى درجة أننا لا نراه؛ وإن بعض الرحلات لا تنتهي بالوصول إلى مكان جديد، وإنما بالعودة إلى المكان الأول بعين جديدة.
وهنا يمكن فهم «العودة» باعتبارها لحظة نضج لا لحظة هزيمة. فالساردة لا تعود لأنها عجزت عن السفر، وإنما لأنها اكتشفت أن السفر أدى وظيفته الحقيقية: لم يعطها المكان الذي تبحث عنه، لكنه كشف لها أن المكان الذي تبحث عنه ليس مكانًا جغرافيًا أصلًا.
وهكذا تتحول «خرائط الغياب» إلى خريطة من نوع آخر: ليست خريطة للمدن والطرقات، وإنما خريطة للروح وهي تعبر مناطق النسيان والحب والفقد والزمن. إنها كتابة عن الإنسان حين يكتشف أن أكثر الأماكن غموضًا ليس العالم الخارجي، وإنما ذلك المكان الصغير والعميق الذي نسميه «أنا».
وهي، في النهاية، كتابة عن الإنسان الحديث وهو يكتشف مفارقته الكبرى: يستطيع أن يعرف العالم كله، وأن يرسم خرائط المدن، وأن يصور الطرق والأبواب والوجوه، لكنه قد يعجز عن رسم الخريطة الداخلية التي تقوده إلى نفسه. ومن هنا تصبح «خرائط الغياب» عنوانًا مضاعف الدلالة: إنها خرائط للأمكنة التي غادرتها الساردة، وخرائط للأشياء التي غادرتها، وخرائط لما ظل فيها رغم الغياب.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخلص إليه نقديًا أن عتيقة هاشمي لا تكتب عن امرأة نسيت الأمكنة، بل عن امرأة اكتشفت أن الأمكنة لم تكن هي القضية أصلًا. القضية هي الأثر الذي تركته الأمكنة في الروح. ولذلك فإن الرحلة الحقيقية في النص ليست من مدينة إلى مدينة، ولا من محطة إلى محطة، وإنما من «الخارج» إلى «الداخل»، ومن وهم النسيان إلى حقيقة الحضور، ومن البحث عن الذاكرة إلى اكتشاف أن الذاكرة كانت تبحث عنها هي.
بهذا المعنى، يصبح الجسر الزجاجي المعلق في العدم أصدق صورة للنص كله: نحن جميعًا نعبر جسورًا لا نراها، نحمل ماضينا في جهة، ومستقبلنا في جهة أخرى، ونقف للحظة فوق الحاضر، هشّين وشفافين، بينما تحاول ذاكرتنا أن تقنعنا بأن ما نعتبره غيابًا ليس إلا شكلًا آخر من أشكال البقاء. وفي هذه المنطقة المعلقة بين ما كان وما سيكون، تولد الأدب الحقيقي: حين يتحول الفقد إلى لغة، والذاكرة إلى صورة، والغياب إلى معنى.
ومن هنا تبدو «خرائط الغياب» نصًا قابلًا لقراءات متعددة: قراءة نفسية ترى في السفر هروبًا من مواجهة الذات، وقراءة فلسفية ترى في الذاكرة سؤالًا عن الزمن والهوية، وقراءة سوسيولوجية تستحضر الذاكرة العائلية والجماعية، وقراءة جمالية ترى في الخريطة والجسر والباب ومحطة القطار شبكة رمزية متماسكة، وقراءة وجودية ترى الإنسان كائنًا يسافر طوال حياته بحثًا عن مكان يطمئن فيه إلى نفسه. وهذا التعدد التأويلي تحديدًا هو أحد مؤشرات حيوية النص الأدبي، لأن النص القوي لا يقدم معنى واحدًا مغلقًا، وإنما يفتح أمام القارئ ممرات متعددة للعبور.
وفي النهاية، لا تبقى من الرحلة مدينة بعينها، ولا خريطة بعينها، ولا محطة بعينها؛ يبقى السؤال. وربما هذا هو الإنجاز الأهم في كتابة عتيقة هاشمي: أنها لا تمنحنا إجابة جاهزة عن الغياب، وإنما تجعلنا نعيد النظر في معنى الحضور نفسه. فالذاكرة، كما يوحي النص، ليست ما نتذكره فقط، وإنما ما يستمر في تشكيلنا حتى عندما نعجز عن تذكره.
وهنا تستحق الجملة الأخيرة أن تُقرأ بوصفها خلاصة النص وبيانه الشعري والفلسفي: «كانت تحفظ الغياب في المكان الخطأ». إنها لا تعني أن الذاكرة أخطأت الطريق فحسب، وإنما تعني أن الإنسان كثيرًا ما يبحث عن ذاته في العالم، بينما تكون ذاته مختبئة في أعمق نقطة من ذاكرته. وحين يتوقف عن الهرب، ويفتح الباب، ويمد خطوته الأولى فوق الجسر، يكتشف أن الطريق الذي قطعه كله لم يكن إلا طريقًا طويلًا للعودة إلى نفسه.
– بقلم عبد العزيز الخبشي.

نص القصة القصيرة
خرائط الغياب..!
كلما شعرت أن ذاكرتي تعاني فراغًا.. أحجز تذكرة وأغادر..
كنت أعتقد أن تغيير الأمكنة القديمة بأخرى جديدة قادر على ترميم تلك التي سقطت من ذاكرتي.. لذلك كنت أداوم على السفر.. وكنت عندما انزل بمدينة ألتقط صورا.. وأشتري هدايا.. وأدون على مذكرتي الأماكن التي مررت بها.. أنسج من شوارعها حكايات تائهة.. لم أكن انسى ان أقتني خريطة.. وفي كل مرة كنت ألاحظ شيئًا غريبًا.. كلما اتسعت الخريطة.. ضاق المكان في داخلي..
ذات مساء، وانا جالسة على مقعد في محطة قطار أجهل اسمها.. أخرجت من حقيبتي عشرات الخرائط كانت معي.. ونشرتها أمامي.. كانت المدن عليها تحدق إلي.. سَأَلْتُني: لماذا لا اتذكر هذه الأماكن وقد عبرتها ذات مرة؟.. وأنا اقلب إحدى هذه الخرائط، وجدت عبارة مكتوبة على ظهرها بخط يدي (المكان الذي تبحث عنه ليس هنا).. تأملت بدهشة الجملة.. ساعتها أدركت أن ذاكرتي لم تكن تعاني فراغا كما ظننت.. بل كانت غاصة بأشياء لم أجد لها أسماء.. وأن الفراغ الذي كنت أحاول ملأه بالسفر لم يكن مكانا خاليا.. بل أثرا لشيء غائب.. عندها فهمت أن السفر لا يملأ فراغ الذاكرة.. إنه يمنح الغياب أسماء جديدة.. أعدت خرائطي الى حقيبتي.. ثم نهظت لأحجز تذكرة لكنني هذه المرة لم أبحث عن مدينة أخرى أغادر إليها.. بل عدت إلى البيت.. وحين وصلت، وقفت طويلًا أمام الباب.. كأنني أراه للمرة الأولى.. مددت يدي إلى المقبض، وقبل ان أفتحه، أحسست به ينبض بطاقة غريبة تناديني.. قلت لي: لعلي لا أحتاج إلى أماكن جديدة كي أتذكر.. فتحت الباب.. تفاجأت حين وجدتني أمام جسر زجاجي معلق في العدم.. خطوت خطوتين، فرأيت عن يميني الأماكن التي عرفتها من قبل، تمضي تباعا نحو الغياب.. وعن يساري، كانت أماكن لم أرها بعد تطالعني بمعالمها.. وكأنني عالقة بين زمنين.. ماضٍ يبتعد، ومستقبل يقترب.. وفي آخر الجسر كانت ذاكرتي جالسة على عرش الحضور.. عندها تأكدت أنها لم تكن فارغة، إنما كانت تحفظ الغياب في المكان الخطأ..

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »