في عز الصيف الركود يخنق أسواق وجدة والتجار يكشفون الأسباب ويقترحون الحلول

اورو مغربمنذ 56 دقيقةآخر تحديث :
في عز الصيف الركود يخنق أسواق وجدة والتجار يكشفون الأسباب ويقترحون الحلول

اورو مغرب منير حموتي

رغم أن فصل الصيف يُعد عادةً موسما لانتعاش الحركة الاقتصادية والتجارية بفضل توافد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وارتفاع الإقبال على الأسواق، فإن أسواق مدينة وجدة تعيش هذا العام واقعا مغايرا فقد خيم الركود على مختلف الأسواق التجارية، وسط تراجع ملحوظ في حركة البيع والشراء ما أثار قلق التجار والمهنيين الذين يؤكدون أن الموسم الصيفي الحالي يُعد من بين الأضعف خلال السنوات الأخيرة. وبين تراجع القدرة الشرائية، وتغير أنماط الاستهلاك واتساع المنافسة مع التجارة الإلكترونية والمراكز التجارية الكبرى، يجد تجار المدينة أنفسهم أمام تحديات متزايدة في انتظار إجراءات تعيد للأسواق حيويتها ودورها في تنشيط الاقتصاد المحلي.
أكد عبد الحميد عزيز رئيس جمعية تجار شارع مراكش وساحة المغرب، أن الركود الذي تعرفه أسواق المدينة هذا الموسم يعد من بين الأشد خلال السنوات الأخيرة مرجعا ذلك إلى مجموعة من العوامل التي أثرت بشكل مباشر على نشاط التجار والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأضاف أن أشغال إعادة تهيئة شارع مراكش وساحة المغرب، التي انطلقت في غشت 2025 واستمرت قرابة ثمانية أشهر، كانت من أبرز أسباب هذا الركود، بعدما أدى إغلاق الشارع أمام حركة السيارات طوال مدة الأشغال إلى تراجع رقم معاملات التجار بنسبة تراوحت بين 70 و 80 في المائة، بالنظر إلى أن المنطقة تضم أنشطة تجارية متنوعة تعتمد أساساً على سهولة الولوج إليها.
وأشار أن الأشغال رغم انتهائها ما تزال تعرف بعض الاختلالات، أبرزها ضعف الإنارة العمومية وعدم استكمال تركيب مصابيح LED التي سبق الوعد بها، فضلاً عن وجود أعمدة إنارة غير مهيأة بالشكل المطلوب، وهو ما يؤثر على جاذبية الشارع ويحد من إمكانية تنشيط الحركة التجارية، خاصة خلال الفترة المسائية.
وأشار إلى أن تزامن عيد الأضحى مع صرف أجور الموظفين أثّر بدوره على الاستهلاك إذ استنزفت مصاريف العيد جزءاً كبيراً من ميزانيات الأسر، قبل أن تتزامن فترة الصيف مع نفقات الامتحانات والمباريات والتزامات مالية أخرى، وهو ما انعكس سلبا على القدرة الشرائية، خاصة لدى الطبقة المتوسطة التي تشكل الزبون الرئيسي لتجار المدينة.
ولفت إلى أن الارتفاع المتواصل للأسعار ساهم في تقليص الإنفاق على الملابس والسلع غير الأساسية، بعدما أصبحت الأولوية لتغطية المصاريف الضرورية، الأمر الذي انعكس بوضوح على مختلف الأنشطة التجارية.
ومن بين العوامل المؤثرة أيضاً، أشار إلى محدودية مواقف السيارات بمحيط الأسواق، ما يدفع عدداً من المواطنين إلى التوجه نحو المراكز التجارية الكبرى التي توفر فضاءات مجانية ومريحة لركن السيارات، داعياً إلى إعادة النظر في تنظيم الوقوف بمحيط الأسواق لتسهيل ولوج الزبائن إليها.
كما أوضح أن تأخر قدوم أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج هذا الصيف، إلى جانب ارتفاع تكاليف السفر والإقامة، ساهم في تراجع الحركة التجارية التي كانت تعرف عادة انتعاشاً خلال هذه الفترة من السنة.
ولم يغفل رئيس الجمعية تأثير التجارة الإلكترونية، معتبراً أن البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي أصبح ينافس التجارة التقليدية في ظل غياب إطار قانوني يضمن تكافؤ الفرص، داعياً إلى تقنين هذا النشاط وإخضاعه للمراقبة والالتزامات الجبائية أسوة بالتجار الممارسين داخل الأسواق.
وفي ما يتعلق بالحلول، دعا عبد الحميد إلى استكمال مشروع الإنارة العمومية بمصابيح LED، وتحسين ظروف الولوج إلى الأسواق، وتشجيع التجارة الليلية عبر توفير إنارة كافية، وتعزيز الأمن، وتمديد ساعات اشتغال النقل الحضري، معتبراً أن هذه الإجراءات من شأنها إعادة الحيوية للأسواق خلال فصل الصيف والمساهمة في تنشيط الاقتصاد المحلي.
من جانبه، اعتبر عبد الحق مختاري، رئيس مجلس اتحاد ملاك المركب التجاري “”أسواق سيدي عبد الوهاب”” (سوق طنجة سابقاً)، أن حالة الركود التي تعرفها التجارة بمدينة وجدة ليست ظرفية، بل هي نتيجة تراكمات اقتصادية بدأت مع جائحة كورونا وما تزال آثارها مستمرة إلى اليوم
وأكد أن التجار يشتكون بشكل يومي من ضعف الإقبال، رغم أن هذه الفترة كانت تُعد تقليدياً من أكثر المواسم نشاطا، حيث يمتد الرواج التجاري عادة من منتصف يوليوز إلى غاية الدخول المدرسي. غير أن الموسم الحالي اتسم بركود غير مسبوق بدأ منذ عيد الفطر واستمر خلال عيد الأضحى وما بعده، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما دفع العديد من الأسر إلى إعطاء الأولوية لتلبية احتياجاتها الأساسية على حساب اقتناء الملابس والأحذية وغيرها من السلع.
وأضاف أن عدداً كبيراً من التجار يواجهون أوضاعا مالية مقلقة نتيجة تراكم الديون والمستحقات العالقة إلى جانب فواتير الماء والكهرباء ومختلف المصاريف، وهو ما يزيد من حدة الأزمة ويهدد استمرارية العديد من الأنشطة التجارية.
وأشار إلى أن التجارة التقليدية أصبحت تواجه تحديات إضافية، في مقدمتها التوسع المتسارع للتجارة الإلكترونية وانتشار الفضاءات التجارية الكبرى، وهو ما أثر بشكل مباشر على نشاط الأسواق التقليدية. كما اعتبر أن مدينة وجدة، بحكم موقعها كمدينة حدودية، تحتاج إلى إجراءات عملية تعيد تنشيط الحركة الاقتصادية، مبرزاً أن فترات فتح الحدود كانت تسهم في خلق دينامية تجارية تنعكس إيجاباً على مختلف القطاعات.
وأكد أن الحلول موجودة، لكنها تحتاج إلى تفعيل فعلي على أرض الواقع، داعياً السلطات المحلية، وعلى رأسها والي جهة الشرق محمد عطفاوي، إلى إيلاء اهتمام أكبر بساحة سيدي عبد الوهاب، باعتبارها فضاءً مؤهلاً لاحتضان أنشطة ثقافية وترفيهية وتجارية منتظمة تستقطب الزوار وتعيد الحيوية إلى المنطقة.
كما شدد على أهمية دعم الرواج التجاري الليلي من خلال تمديد ساعات اشتغال النقل الحضري إلى غاية العاشرة أو الحادية عشرة ليلاً، بل وحتى منتصف الليل خلال فصل الصيف، موضحا أن ارتفاع درجات الحرارة يدفع المواطنين إلى تأجيل خروجهم إلى الفترة المسائية، وهو ما ينعكس مباشرة على الحركة التجارية.
واقترح أيضاً تنظيم معارض متخصصة في الصناعة التقليدية بساحة سيدي عبد الوهاب، إلى جانب برمجة فقرات فنية وتراثية وعروض ترفيهية تستهدف الأسر والزوار، معتبراً أن مثل هذه المبادرات من شأنها إحياء الفضاءات العمومية وتحويلها إلى مراكز جذب نابضة بالحياة.
وفي المقابل، أكد أن مسؤولية إنعاش القطاع لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل يتحمل التجار أيضاً جزءاً منها، من خلال مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، والانفتاح على الرقمنة، وتطوير أساليب التسويق والخدمات، والارتقاء بجودة التعامل مع الزبائن، لأن كسب ثقة الزبون يظل الأساس الحقيقي لنجاح أي نشاط تجاري واستدامته.
أما مراد الشيخ الكاتب العام لجمعية السلام لتجار سوق القدس، فأكد أن السوق باعتباره أحد أبرز أقطاب تجارة الإلكترونيات والتقنيات الحديثة بمدينة وجدة، لم يكن بمنأى عن الركود الذي يطال مختلف الأسواق، مشيراً إلى أن تراجع الطلب بات يؤثر بشكل مباشر على نشاط التجار.
وأضاف أن التجارة تقوم أساساً على قاعدة العرض والطلب، وإذا كان العرض متوفراً، فإن الطلب يشهد تراجعاً كبيراً، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الحركة التجارية.
وأضاف أن هذا الركود يعود إلى مجموعة من الأسباب، في مقدمتها المنافسة غير المتكافئة مع المساحات التجارية الكبرى، إلى جانب الانتشار الواسع للتجارة الرقمية التي استقطبت شريحة مهمة من المستهلكين. كما أن صعوبة الولوج إلى أسواق وسط المدينة، إلى جانب إشكالية النقل الحضري، أثرت بشكل واضح على إقبال الزبائن، خصوصاً وأن عدداً كبيراً منهم يعتمدون على الحافلات للوصول إلى هذه الأسواق.
وأشار إلى أن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة زادا من حدة الأزمة، ما جعل الإقبال على الشراء محدوداً حتى بالنسبة للأشخاص الذين يتوفرون على دخل قار. وأضاف أن التجار كانوا يعولون على موسم عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج لإنعاش الحركة التجارية، غير أن الموسم الحالي لم يحقق التطلعات، في ظل تغير أنماط الاستهلاك وتوجه عدد من الزبائن نحو بدائل أخرى لاقتناء السلع.
وأعرب عن أمله في معالجة عدد من الإشكالات، وفي مقدمتها تحسين خدمات النقل الحضري وتسهيل الولوج إلى الأسواق، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع ينعكس سلباً على التجار والمرتفقين معا كما اعتبر أن المنافسة مع التجارة الرقمية والمساحات التجارية الكبرى تظل غير متكافئة، بالنظر إلى الإمكانيات التي تتوفر عليها هذه الفضاءات من مواقف للسيارات وسهولة الولوج والخدمات المرافقة، وهي امتيازات تفتقر إليها أسواق وسط المدينة، الأمر الذي يستدعي تدخلا حقيقياً لدعم التجارة التقليدية والحفاظ على استمراريتها.
وتجمع مختلف الفعاليات المهنية على أن الأزمة التي تعيشها أسواق وجدة لم تعد مرتبطة بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وتنظيمية، ما يجعل إنعاش الحركة التجارية رهينا بمقاربة شاملة تجمع بين تحسين البنية التحتية، وتطوير خدمات النقل، ودعم التجارة التقليدية، ومواكبة التحولات الرقمية، بما يعيد للأسواق المحلية مكانتها كرافعة أساسية للاقتصاد بمدينة وجدة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »