اورو مغرب بقلم :محمد الحدوشي
منذ سنوات طويلة، جلس العقيد الليبي معمر القذافي رحمه الله ،أمام عدسات التلفزيون، وبين غضبه واستغرابه أطلق عبارته الشهيرة: “من أنتم؟”
كانت يومها جملة مرتبطة بظرف سياسي معين، وظن كثيرون أنها ستبقى مجرد عبارة عابرة في أرشيف الخطابات العربية، إلى جانب عشرات الجمل التي استهلكتها النكات والبرامج الساخرة.
لكن يبدو أن العبارة امتلكت عمرا أطول مما توقع الجميع. خرجت من ليبيا، وسافرت عبر الحدود، واستقرت في الذاكرة السياسية العربية، حتى أصبحت جاهزة للاستعمال كلما غضبت فئة، أو احتجت نقابة، أو رفعت مهنة صوتها.
لم تعد “من أنتم؟” سؤالا عابرا، بل تحولت إلى فلسفة كاملة في التعامل مع المحتجين والغاضبين والمطالبين
ويبدو أن بلادنا اكتشفت أخيرا السؤال الذي سيحل جميع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. سؤال بسيط، قصير، لا يكلف ميزانية، ولا يحتاج إلى لجان، ولا إلى حوار اجتماعي، ولا إلى وساطات، ولا إلى جولات من المفاوضات.
السؤال هو:
من أنتم؟
المحامون يحتجون، يعلنون الإضراب، يغلقون المكاتب، يتحدثون عن أوضاع المهنة، عن التشريع، عن العدالة، عن استقلال الدفاع، فيأتي السؤال العظيم:
من أنتم؟
الممرضون يطالبون بتحسين أوضاعهم:
من أنتم؟
الأطباء يتحدثون عن القطاع الصحي:
من أنتم؟
الأساتذة يضربون:
من أنتم؟
المهندسون يحتجون:
من أنتم؟
الموظفون يتذمرون:
من أنتم؟
الطلبة يغضبون:
من أنتم؟
الصحافيون ينتقدون:
من أنتم؟
ويبدو أن المغرب دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها المشكلات تحتاج إلى حلول، بل تحتاج فقط إلى التأكد من هوية أصحابها.
المحامي الذي أمضى ثلاثين سنة بين المحاكم والملفات والدفوعات، يكتشف فجأة أنه شخص مجهول.
والطبيب الذي قضى الليالي في المستعجلات، يكتشف أنه غير معروف لدى الإدارة.
والممرض الذي ظل سنوات يحمل المرضى ويواجه الأوبئة، يكتشف أن تعريفه ناقص.
أما الأستاذ الذي علم أجيالا كاملة، فقد تبين أنه يحتاج إلى بطاقة تعريف جديدة.
وقد يصبح من الضروري مستقبلا إضافة خانة جديدة إلى البطاقة الوطنية:
* الاسم الكامل.
* رقم البطاقة الوطنية.
* المهنة.
* الحالة العائلية.
* وأخيرا: إثبات أنك موجود.
وربما ستتغير الإدارة المغربية أيضا.
المواطن يدخل إلى المقاطعة:
– أريد شهادة السكنى.
– من أنت؟
– مواطن.
– هل لديك ما يثبت ذلك؟
– هذه البطاقة الوطنية.
– لا. نريد شيئا آخر.
– ماذا؟
– نريد أن نعرف من أنت فعلا.
وقد يدخل المريض إلى المستشفى.
– أنا مريض.
– من أنت؟
ويدخل الطالب إلى الجامعة.
– أريد التسجيل.
– من أنت؟
ويدخل المتقاعد إلى صندوق التقاعد.
– أريد معاشي.
– من أنت؟
بل قد يصل الأمر إلى الزوج داخل بيته:
– أين العشاء؟
– ومن أنت؟
السؤال تحول من سؤال سياسي إلى فلسفة كاملة للحياة.
ديكارت قال: «أنا أفكر إذن أنا موجود».
أما المواطن المغربي فقد أصبح يقول:
«أنا أحتج إذن أنا غير معروف».
وقد نحتاج إلى إنشاء وزارة جديدة تسمى: وزارة التعريف بالمواطن.
لأن المواطن، رغم الضرائب، والاقتطاعات، والبطاقة الوطنية، ورقم التسجيل، ورقم التغطية الصحية، ورقم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ورقم الحساب البنكي، ورقم الهاتف، لا يزال مطالبا بإثبات أنه موجود.
المفارقة أن هذه الفئات كلها كانت بالأمس القريب ضرورية.
المحامي ضروري للدفاع.
والطبيب ضروري للصحة.
والمعلم ضروري للتعليم.
والمهندس ضروري للبناء.
والممرض ضروري للعلاج.
والموظف ضروري للإدارة.
لكن بمجرد أن يرفع أحدهم صوته أو يعبر عن رأيه أو يطالب بحقوقه، يصبح السؤال جاهزا:
من أنت؟
وكأن الوطن يتذكر أبناءه فقط عندما يحتاج إليهم، وينساهم عندما يتحدثون.
وقد نصل يوما إلى مرحلة يخرج فيها الجميع إلى الشوارع حاملين لافتات مكتوب عليها:
* نحن المحامون.
* نحن الممرضون.
* نحن الأطباء.
* نحن المعلمون.
* نحن المهندسون.
* نحن الموظفون.
ليس للمطالبة بالحقوق.
بل فقط للتعريف بأنفسهم.
وربما سيأتي مسؤول فيقول لهم:
لقد فهمنا الآن من أنتم.
لكن يبقى السؤال الأكبر:
إذا كان المحامي مجهولا، والطبيب مجهولا، والأستاذ مجهولا، والممرض مجهولا، والموظف مجهولا، فمن هو المعروف إذن؟
ومن بقي يعرفه الجميع؟
إن الأزمة الحقيقية ليست في سؤال “من أنتم؟”، بل في اللحظة التي تشعر فيها فئات بأكملها من المجتمع أن سنوات العمل والخدمة والتضحية والخبرة لا تكفي لكي تكون معروفة.
وعندها يصبح السؤال الذي يردده الجميع ليس:
من أنتم؟
بل:
إلى أين وصل الحوار حتى أصبح كل طرف يحتاج إلى إثبات وجوده؟













عذراً التعليقات مغلقة