اورو مغرب إعداد: محمد الحدوشي
تحولت زيارة عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، إلى إقليم الناظور، مساء السبت 22 غشت 2026، إلى محطة سياسية لافتة، حملت رسائل متعددة الاتجاهات، امتدت من علاقة الحزب بالمؤسسة الملكية إلى الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مروراً بانتقاد الخصوم واستحضار قضايا التنمية المحلية بالإقليم.
وجاء ذلك خلال مهرجان خطابي نظمته الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بالناظور، بحضور الدكتور عبد الله هامل، الكاتب الجهوي للحزب بجهة الشرق، إلى جانب قيادات ومنتخبي الحزب وعدد من مناضليه ومتعاطفيه وفعاليات مهتمة بالشأن العام.
وحظي ابن كيران، عند وصوله إلى القاعة التي احتضنت المهرجان، باستقبال من طرف أعضاء الحزب وأنصاره، قبل أن يأخذ الكلمة في خطاب جمع بين الرسائل السياسية والمواقف التنظيمية والإشارات المرتبطة بمستقبل الحزب داخل المشهد السياسي الوطني.
وكانت علاقة حزب العدالة والتنمية بالمؤسسة الملكية من أبرز المحاور التي توقف عندها ابن كيران، إذ شدد على أن موقف الحزب من الملكية، وفق تصوره، لا يقوم على حسابات استراتيجية أو تكتيكية ولا تحكمه المصالح السياسية الظرفية.
وقال ابن كيران إن علاقة حزبه بالملكية ترتبط بقناعة ذات بعد عقائدي، مستحضراً مفهوم البيعة وما يمثله داخل البناء السياسي والديني المغربي، ومؤكداً أن البيعة، بحسب تصوره، «لا تنقضها إلا حالة الخروج على ولي الأمر».
وبهذا الخطاب، حرص الأمين العام لحزب العدالة والتنمية على إعادة تأكيد موقف حزبه من مؤسسة إمارة المؤمنين والنظام الملكي، في رسالة بدت موجهة إلى الداخل الحزبي كما إلى مختلف الفاعلين والمتابعين للمشهد السياسي.
وفي جانب آخر من خطابه، توقف ابن كيران عند الانتقادات والهجمات التي يتعرض لها حزب العدالة والتنمية وقيادته، مقدماً قراءة سياسية مختلفة لها.
فبدلاً من اعتبارها مؤشراً على ضعف الحزب أو تراجع حضوره، رأى ابن كيران أن كثافة الهجوم على «البيجيدي» تعكس، من وجهة نظره، تخوف خصومه من احتمال عودته إلى واجهة المشهد السياسي وتحقيقه نتائج مهمة خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وعبر الأمين العام للحزب عن ثقته في قدرة العدالة والتنمية على تجاوز تداعيات المرحلة السابقة واستعادة موقعه داخل المنافسة السياسية، في خطاب بدا واضحاً أنه يسعى إلى تعبئة القواعد الحزبية وإعادة رفع منسوب الثقة لدى الأنصار والمتعاطفين.
ولم تخل كلمة ابن كيران من أسلوبه المعروف في توجيه الرسائل السياسية عبر التشبيه والمثال، حيث استعان هذه المرة بصورة مستوحاة من سباق السيارات، ليؤكد أن تغيير الأشخاص لا يكفي، في نظره، لمعالجة الاختلالات إذا ظل الأصل نفسه يعاني من الأعطاب.
وحملت هذه الإشارة انتقاداً واضحاً لبعض خصوم الحزب، ورسالة مفادها أن تغيير القيادات أو الوجوه لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير النتائج ما لم يرافقه تغيير حقيقي في طرق التدبير والممارسة السياسية.
ولم يبق خطاب المهرجان حبيس القضايا الوطنية والحزبية، بل حضرت فيه أيضاً انشغالات مرتبطة بإقليم الناظور وواقعه التنموي والاقتصادي والاجتماعي.
وجرى التطرق إلى عدد من الأوراش والمشاريع التي عرفتها المنطقة، ومن بينها مشروع تهيئة بحيرة مارتشيكا، في سياق النقاش المتواصل حول حصيلة التنمية ومدى انعكاس المشاريع الكبرى على الحياة اليومية للساكنة وخلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية المحلية.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الأسئلة محلياً حول مستقبل عدد من المشاريع التنموية الكبرى بالإقليم، ومدى قدرتها على تحويل الإمكانات التي يتوفر عليها الناظور إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن.
وتكتسي زيارة ابن كيران للناظور دلالة سياسية خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وفي ظل شروع الأحزاب في تكثيف تحركاتها التنظيمية والتواصلية وإعادة ترتيب أوراقها محلياً.
فالمشهد الحزبي بالإقليم بدأ يعرف مبكراً تحركات مرتبطة بالتزكيات واللوائح الانتخابية واستقطاب الأسماء والوجوه القادرة على المنافسة، ما يجعل كل نشاط حزبي كبير قابلاً للقراءة أيضاً من زاوية الاستعداد للمرحلة الانتخابية القادمة.
ومن هذه الزاوية، لم يكن مهرجان الناظور مجرد لقاء تواصلي عابر، بل شكل مناسبة حاول من خلالها حزب العدالة والتنمية إظهار جاهزيته التنظيمية وقدرته على تعبئة قواعده واستعادة حضوره في الساحة السياسية المحلية.
والرسالة الأبرز التي يمكن التقاطها من خطاب ابن كيران بالناظور هي أن حزب العدالة والتنمية يريد تقديم نفسه من جديد باعتباره رقماً حاضراً في المعادلة السياسية، وأن المرحلة التي أعقبت تراجعه الانتخابي لا تعني، بالنسبة إلى قيادته، نهاية تجربته أو خروجه من المنافسة.
وبين حديثه عن الملكية والبيعة، وهجومه على الخصوم، وثقته في عودة حزبه، وانتقاداته للوضع السياسي والتنموي، بدا ابن كيران حريصاً على استعادة نبرة التعبئة التي ميزت محطات سابقة من مساره السياسي.
وهكذا تحول مهرجان الناظور إلى محطة مبكرة من محطات التسخين السياسي قبل الاستحقاقات المقبلة، ورسالة من قيادة «البيجيدي» إلى خصومها مفادها أن الحزب يعتبر نفسه ما يزال داخل السباق، وأن معركة العودة إلى الواجهة قد بدأت بالفعل.
أما صناديق الاقتراع، فستبقى وحدها صاحبة الكلمة الفصل في تحديد ما إذا كانت هذه العودة ستتحول من خطاب سياسي وتعبئة تنظيمية إلى واقع انتخابي جديد.














































































عذراً التعليقات مغلقة