اورو مغرب – متابعة – عزيز اليوبي .
في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الصحية والاجتماعية، وتزايد الحاجة إلى نماذج مبتكرة للحماية الاجتماعية، احتضنت مدينة ميديلين فعاليات المنتدى الدولي للتعاضد، الذي شكل منصة حقيقية لتبادل الرؤى والخبرات بين مختلف الفاعلين عبر العالم. وفي هذا الإطار، جاءت مداخلة السيد ” مولاي إبراهيم العثماني ” لتؤكد أن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: التحول الرقمي كرافعة أساسية لبناء أنظمة تعاضدية أكثر عدالة وفعالية.
منذ مستهل كلمته، حرص” العثماني” على إبراز البعد الاستراتيجي للتعاون الدولي، معتبرًا أن الرهانات المطروحة اليوم تتجاوز الحدود الجغرافية، وتتطلب تنسيقًا متعدد الأطراف قائمًا على تبادل التجارب الناجحة وتوحيد الجهود. كما أشاد بالدور الذي تضطلع به الهيئات المنظمة، وعلى رأسها منظمة أوديما (ODEMA)، في تعزيز هذا الحوار الدولي، الذي يجسد قيم التضامن والتكافل بين الشعوب.
وفي تحليل عميق للتحولات الراهنة، شدد ” العثماني ” على أن الرقمنة لم تعد مجرد خيار تقني، بل تحولت إلى ضرورة حتمية تفرضها طبيعة التحديات المعاصرة، سواء تلك المرتبطة بارتفاع الطلب على الخدمات الصحية، أو بتزايد الفوارق الاجتماعية والمجالية. وأبرز أن اعتماد الحلول الرقمية من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في أداء التعاضديات، من خلال تحسين سرعة معالجة الملفات، وتبسيط المساطر الإدارية، وضمان الشفافية في التدبير، فضلًا عن تمكين المواطنين، خاصة في المناطق النائية، من الولوج السلس إلى الخدمات الصحية.
ولم يغفل ” العثماني “الإشارة إلى أن التحول الرقمي يشكل أيضًا مدخلًا أساسيًا لتعزيز الثقة بين المنخرطين والمؤسسات التعاضدية، حيث تتيح الأنظمة الرقمية تتبع الخدمات بشكل دقيق، وتقليص هامش الأخطاء، والحد من الممارسات غير السليمة، مما يرسخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا السياق، استحضر ” العثماني ” التجربة المغربية التي أضحت، في السنوات الأخيرة، نموذجًا يُحتذى به على المستوى الدولي. وأكد أن المملكة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، أطلقت ورشًا إصلاحيًا طموحًا لتعميم الحماية الاجتماعية، يرتكز على رؤية استراتيجية شاملة تستهدف ضمان الكرامة الاجتماعية لكافة المواطنين. وأوضح أن هذا الورش يعتمد بشكل كبير على إدماج التكنولوجيا الرقمية في مختلف مراحل تدبير الخدمات، مما أسهم في تحسين الأداء وتقريب الخدمات من المستفيدين.
كما شدد على أن المغرب لا يكتفي بتطوير نموذجه الداخلي، بل يسعى إلى تقاسم خبراته مع الدول الإفريقية في إطار تعاون جنوب-جنوب، يهدف إلى بناء أنظمة تعاضدية حديثة تستجيب لخصوصيات القارة، وتواكب تطلعات شعوبها نحو العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
وفي قراءة استشرافية للمستقبل، أكد ” العثماني ” أن نجاح أي نظام تعاضدي رهين بقدرته على الابتكار والتكيف مع المتغيرات، داعيًا إلى الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتكوين الموارد البشرية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، من أجل بناء منظومة متكاملة قادرة على مواجهة الأزمات الصحية والاجتماعية.
كما دعا إلى توحيد الصوت التعاضدي على المستوى الدولي، والعمل على جعل قضايا الحماية الاجتماعية في صلب السياسات العالمية، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تتطلب إرادة جماعية قوية، ورؤية موحدة، تضع الإنسان في قلب كل السياسات.
واختتم ” العثماني ” مداخلته برسالة واضحة مفادها أن التعاضد، في صيغته الحديثة، لم يعد مجرد آلية تضامنية تقليدية، بل أصبح مشروعًا مجتمعيًا متكاملًا، يقوم على الابتكار والتكافل والعدالة، ويشكل ركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر إنصافًا واستقرارًا لكافة شعوب العالم.
















عذراً التعليقات مغلقة