اورو مغرب محمد الشركي
في مشهد اختلطت فيه دموع الوفاء بروح الانتماء للهوية، شهدت مقبرة “سيدي علي” بجماعة سلوان، نهاية الأسبوع، حفل تأبين مهيب للمفكر والمنظر الأمازيغي الراحل محمد بودهان، الذي وافته المنية تاركاً وراءه إرثاً فكرياً زلزل الركود الثقافي في المنطقة المغاربية لعقود.
لم يكن اللقاء مجرد زيارة لترحم عادي، بل تحول إلى “مؤتمر فكري ميداني” غصت به جنبات المقبرة، حيث توافدت شخصيات وازنة من عالم الفكر، والسياسة، والثقافة، والعمل الجمعوي من مختلف ربوع المملكة، وقد عكس هذا الحضور المكثف حجم الفراغ الذي تركه الراحل، وقيمة الأطروحات التي دافع عنها بجرأة وموضوعية، خاصة فيما يتعلق بـ “الأمازيغية كبديل ديمقراطي” وقضايا الهوية واللغة.
ولعل أبرز ما ميز هذا التأبين هو الصبغة “المغاربية” الخالصة، حيث سجلت وفود قادمة من القبائل الجزائرية والمناطق الأمازيغية بليبيا حضوراً لافتاً، هذا الامتداد أكد أن فكر بودهان لم يكن حبيس الجغرافيا الوطنية المغربية، بل كان جسراً فكرياً يربط “ثامزغا” من المحيط إلى سيوة، موحداً انشغالات الفاعلين الأمازيغ حول رؤية العيش المشترك والاعتراف الثقافي.
وخلال الوقفة التأبينية، ألقيت كلمات مقتضبة غلب عليها التأثر، استحضرت مناقب الفقيد بوصفه “المثقف العضوي” الذي زاوج بين التنظير الأكاديمي الرصين والنضال الميداني الهادئ، وأجمع المتدخلون على أن بودهان نجح في نقل القضية الأمازيغية من “الفلكلور” إلى “الفكر”، ومن “العاطفة” إلى “العقلانية السياسية”.
“إن وجود وفود من الجزائر وليبيا اليوم في سلوان هو أكبر دليل على أن محمد بودهان قد نجح في صياغة وجدان عابر للحدود، وأن موته لم يكن غياباً، بل هو ولادة جديدة لفكر لا يعترف بالأسلاك الشائكة.” – مقتطف من كلمة أحد الفعاليات الجمعوية.
اختتمت الزيارة في أجواء من الخشوع، تليت خلالها آيات من الذكر الحكيم وترحم الحاضرون على روح الفقيد، مؤكدين أن الوفاء الحقيقي لبودهان يتجلى في الاستمرار على نهجه الفكري القائم على الحوار، والبحث العلمي، والتشبث بالجذور في أفق حداثي ديمقراطي.
لقد بعث تأبين بودهان برسالة قوية مفادها أن مدينة سلوان، وإقليم الناظور بصفة عامة، سيظلان منارة للفكر الهوياتي المستنير، وأن روح الراحل ستظل ترفرف فوق كل سطر يُكتب دفاعاً عن كرامة الإنسان وثقافته الأصلية في شمال إفريقيا.





































عذراً التعليقات مغلقة