اورو مغرب إعداد: محمد الحدوشي
كشفت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن معطيات مقلقة بشأن واقع الصحة النفسية بالمغرب، بعدما تبين أن نحو 6.5 ملايين مغربي يعانون اضطرابات نفسية، من بينهم حوالي مليوني طفل وشاب، في وقت لا يستفيد فيه نحو 85 في المائة من الأشخاص المحتاجين إلى العلاج من الرعاية النفسية الضرورية.
وجاء الكشف عن هذه الأرقام، الخميس 3 شتنبر 2026 بالرباط، خلال الإطلاق الرسمي لـ”مخطط الصحة النفسية 2030”، في لقاء ترأسه وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، والذي شكل مناسبة لعرض ملامح توجه جديد يروم تعزيز الوقاية والرصد المبكر، وتحسين الولوج إلى العلاج وجودة التكفل، إلى جانب دعم التأهيل وإعادة الإدماج الاجتماعي.
وتظهر المعطيات الرسمية أن تغطية خدمات الصحة النفسية بالمغرب لا تتجاوز 15.3 في المائة، مقابل فجوة تقدر بـ84.7 في المائة، بما يعني أن الغالبية الساحقة ممن يحتاجون إلى خدمات نفسية متخصصة يظلون خارج دائرة العلاج المنتظم أو المواكبة المناسبة.
ولا تقف تداعيات هذا الواقع عند الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى مستويات اقتصادية واجتماعية وأسرية ومهنية، إذ تقدر الكلفة الاقتصادية لاضطرابات الصحة النفسية بالمغرب بنحو 64 مليار درهم، أي ما يقارب 4.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو رقم يعكس حجم الخسائر المرتبطة بالغياب عن العمل وتراجع الإنتاجية وتكاليف العلاج والتداعيات الاجتماعية المرافقة للاضطرابات النفسية.
ويراهن “مخطط الصحة النفسية 2030” على إحداث تحول في طريقة التعاطي مع هذا الملف، من خلال الانتقال من نموذج يركز أساساً على العلاج داخل المؤسسات الاستشفائية المتخصصة إلى مقاربة أكثر شمولاً تدمج الوقاية والرصد المبكر والعلاج والمواكبة المستمرة والتأهيل وإعادة الإدماج.
ويضع المخطط ضمن أولوياته تقريب خدمات الصحة النفسية من المواطنين، عبر تعزيز دور مؤسسات الرعاية الصحية الأولية والهياكل الوسيطة، وتحسين التنسيق بينها وبين المستشفيات العامة والمصالح المتخصصة، إلى جانب اعتماد تنظيم ترابي أكثر ملاءمة لحاجيات الساكنة.
وفي أفق سنة 2030، يستهدف المخطط رفع عدد الأسرة المخصصة للصحة النفسية من 2466 سريراً إلى حوالي 4728 سريراً، وزيادة عدد مستشفيات الأمراض النفسية من 10 إلى 17 مستشفى، فضلاً عن رفع عدد الهياكل الوسيطة من 4 إلى 24 هيكلاً، بما يتيح توسيع العرض الصحي وضمان حضور أفضل لخدمات الصحة النفسية بمختلف جهات المملكة.
غير أن توسيع البنيات يبقى مرتبطاً بإشكال أكثر تعقيداً يتعلق بالخصاص الكبير في الموارد البشرية، إذ لا يتجاوز عدد الأخصائيين النفسيين بالقطاع العمومي حالياً 32 أخصائياً فقط، وهو رقم يبدو محدوداً للغاية مقارنة بحجم الطلب والحاجيات المسجلة.
ويستهدف المخطط رفع هذا العدد إلى 786 أخصائياً نفسياً بحلول سنة 2030، إلى جانب زيادة طاقة تكوين الأطباء المتخصصين في الطب النفسي من 36 إلى 124 طبيباً سنوياً، ورفع عدد الممرضين المتخصصين في الصحة النفسية من 490 إلى 750 سنوياً، مع العمل على إرساء إطار قانوني ينظم مهنة الأخصائي النفسي ويحدد شروط وضوابط ممارستها.
وخصص لتنفيذ مختلف التدابير والإجراءات المبرمجة تمويل يناهز 4 مليارات درهم، ينتظر أن يوجه لتطوير البنيات الصحية، وتعزيز الموارد البشرية، وتحسين جودة التكفل، وتوسيع خدمات العلاج والدعم النفسي والاجتماعي.
ويضم المخطط 86 إجراءً وتدبيراً، جرى إعدادها في إطار مقاربة تشاركية شملت 13 قطاعاً حكومياً، وبدعم من منظمة الصحة العالمية، في مؤشر على أن ملف الصحة النفسية أصبح يتجاوز الاختصاص الصحي الضيق ليرتبط بمجالات التعليم والعمل والحماية الاجتماعية والعدالة ومختلف مظاهر الهشاشة.
ويولي المخطط أهمية خاصة للأطفال والشباب، بالنظر إلى أن نحو مليوني طفل وشاب يوجدون ضمن الفئات التي تعاني اضطرابات نفسية، ما يضع المؤسسات التعليمية والأسر أمام تحديات تتعلق بالرصد المبكر والوقاية والتوجيه نحو العلاج قبل تفاقم الحالات.
كما يركز المخطط على مكافحة الوصم الاجتماعي المرتبط بالاضطرابات النفسية، باعتباره واحداً من أبرز العوائق التي تحول دون لجوء عدد من المواطنين إلى العلاج، في ظل استمرار نظرة مجتمعية تعتبر المرض النفسي ضعفاً أو عيباً شخصياً بدل التعامل معه باعتباره حالة صحية تستوجب التشخيص والعلاج والمواكبة.
ويتضمن المخطط أيضاً برامج لتعزيز الصحة النفسية داخل المؤسسات التعليمية وبيئة العمل، والوقاية من الانتحار والإدمان، والعناية بالصرع والاضطرابات العصبية والصحة النفسية للأشخاص المسنين، إلى جانب برامج خاصة بالسجناء وضحايا العنف والمهاجرين والأشخاص الذين يعيشون دون مأوى.
ورغم الأهداف المعلنة، فإن التحدي الحقيقي سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة السلطات الصحية على تنزيل هذه الإجراءات فعلياً على أرض الواقع، وضمان عدالة توزيع الخدمات والأطر بين الجهات والمدن والقرى، وعدم استمرار تمركز التخصصات النفسية داخل المراكز الحضرية الكبرى فقط.
كما يطرح حجم الخصاص الحالي تساؤلات حول مدى إمكانية رفع أعداد الأخصائيين والأطباء والممرضين إلى المستويات المستهدفة في ظرف زمني لا يتجاوز بضع سنوات، خاصة مع تزايد الطلب على خدمات الصحة النفسية واتساع الوعي المجتمعي بأهمية العلاج النفسي.
وتعكس الأرقام المعلنة وجود ما يمكن وصفه بأزمة صامتة، يعيشها ملايين المغاربة بعيداً عن النقاش العمومي، إذ يعاني 6.5 ملايين شخص من اضطرابات نفسية، بينما لا تصل خدمات العلاج والرعاية إلا إلى نسبة محدودة منهم.
وبين كلفة اقتصادية تقدر بـ64 مليار درهم، ونسبة 85 في المائة خارج العلاج، يضع “مخطط الصحة النفسية 2030” الدولة أمام امتحان حقيقي، لن يقاس فقط بعدد المستشفيات والأسرة الجديدة، وإنما بمدى قدرة المواطن الذي يعاني اضطراباً نفسياً على الوصول إلى علاج قريب وميسر وذي جودة، دون انتظار طويل أو كلفة مرتفعة أو خوف من الوصم الاجتماعي.
وإذا نجح المخطط في تحويل أهدافه إلى خدمات فعلية وأطر مؤهلة ومؤسسات قريبة من المواطنين، فقد يشكل ذلك تحولاً نوعياً في التعامل مع الصحة النفسية بالمغرب، أما إذا بقيت الأهداف حبيسة الأرقام والبرامج، فإن ملايين المغاربة سيظلون في مواجهة أزمة لا تظهر دائماً للعيان، لكنها تترك آثاراً عميقة على الفرد والأسرة والمجتمع والاقتصاد.













عذراً التعليقات مغلقة